Page 1 of 2 12 LastLast
Results 1 to 10 of 16
  1. #1
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default مَرويّات

    صور وحكايات عن حياة وأوهام إهدن زغرتا

    الرعي والانتجاع والمواسم وانقسام العيش بين الجرد والساحل

    تستعيد هذه السطور أخباراً وحكايات شفهية كثيرة يتداولها أهالي زغرتا إهدن عن بلدتهم المزدوجة أو المنقسمة. وهي جُمعت في سياق بحث في الأنثربولوجيا الثقافية والتاريخية. وبرغم أن بعضها من صناعة الذاكرة الشفهية العامة، فإن كتابتها أقرب الى تمرين على اقتفاء خط الوقائع التاريخية والاجتماعية في البلدتين الشماليتين اللبنانيتين، وفقاً لظهور الوقائع في مخيلة الناس أو ذاكرتهم.

    في روايتهم الشفهية التي تتناول تأسيسهم منتجعهم الشتوي الساحلي، زغرتا، يروي أهالي إهدن أن أميراً أو والياً مرّ في يوم شتائي مثلج بقريتهم الجردية، فأرغمته كثافة الثلج على النزول في ضيافتهم والمبيت عندهم. حلّ الأمير أو الوالي ضيفاً على مطران إهدن المدعو اسكندر. وكان أن أبدى الضيفُ للمطران اعجابه بمقدرة رعيته على تحمل قسوة برد الشتاء وثلجه في القرية. وسرعان ما وعد الضيف مضيفه بأن يهبه قطعة أرض ساحلية كي يتخذها الإهدنيون منتجعاً لهم في فصول الشتاء.

    1- حكاية التأسيس

    تضيف الحكاية أن المطران اسكندر، قال للأمير أو الوالي الذي وهبه قطعة أرض ساحلية صغيرة: زغَّرتا، فاتخذ الإهدنيون هذه الكلمة إسماً لمنتجعهم الشتوي الذي سيصير قريتهم الثانية.

    هذه الرواية شائعة ومشهورة بين أهالي إهدن. وهي كغيرها من روايات التأسيس تخلط الوقائع بالمتخيل، والمعاش بالخرافي. ومن الأمثلة على هذا الخلط، مزامنة الحكاية بين تأسيس زغرتا ونشوئها، وبين بداية الفتح العثماني لسوريا ولبنان: 1517، وهو العام الذي تلا عام انتصار العثمانيين على المماليك في ما سمي معركة دابق.

    ولا تكتفي الحكاية بالمزامنة بين إنشاء منتجع شتوي وبين حدث تاريخي كبير، ولا بأن تكون الكلمة الاولى التي لفظها المطران المؤسس صفة اعتراضية على مساحة الأرض التي وُهبت له، إسماً للمنتجع الشتوي؛ بل إنها، أي الحكاية، تسارع الى أن تغرس في الارض جذورها وتخلّد اسم المطران المؤسس، بأن تطلق اسمه على ما يُفترض أنه أقدم معلم عمراني في زغرتا: "علّية اسكندر". وحتى الآن ما تزال ماثلة في طرف زغرتا، على ضفة نهر رشعين وغير بعيد عن طرابلس، بقايا هذه الغرفة الصغيرة "العالية" التي تناثرت حجارتها في المكان.

    2- المنتجع الشتوي

    حين يروي الإهدنيون حكايتهم هذه ويتناقلونها، يتخيلون أن أجدادهم القدماء قد نزلوا من إهدن، قريتهم الجردية، دفعة واحدة، وبنوا، دفعة واحدة أيضاً، منتجعهم الشتوي الساحلي. غير أن الوقائع والمحطات التاريخية تدل الى أن زغرتا أُنشئت وسُكنت واتسعت، كمنتجع لإهدن، على دفعات وفي حقبات متلاحقة. والانتجاع، وفقاً للمؤرخ الفرنسي الكبير، فرناند بروديل، في مؤلفه الموسوعي "المتوسط والعالم المتوسطي في القرن السادس عشر"، ظاهرة متوسطية قديمة بامتياز. وهي في الجبال المتوسطية الشرقية، وليدة الحياة الرعوية لرعاة قطعان الماعز. فهبوط الجبليين بقطعانهم من الجرود الى المنخفضات والسهول، لتجنيبها قسوة برد الجبال وقحطها في الشتاء، يشكل إحدى حركتي الانتجاع المتعاكستين وفق الفصول.

    هو البحث عن منتج شتوي (مشتى) لقطعان ماعزهم، ما حمل الإهدنيين على تأسيس زغرتا. وإهدن، شأنها شأن قرى جبة بشري وغيرها من المناطق الجردية، عرفت هذه الظاهرة التي يؤكد بروديل انتشارها في المتوسط كله. فأهل بشري، كانوا ينقلبون بقطعانهم في الشتاء نحو سهل البقاع، فينتجعون بها في دير الاحمر وعيناتا. أما أهل حصرون فكان لهم منتجعهم القريب من الكورة. وإذا كانت الحكاية الشفهية الشائعة عن تأسيس زغرتا قد سكتت عن ذكر الرعي والانتجاع، فإنه ليس من قبيل المصادفة ربطها هذا التأسيس ببداية التاريخ العثماني في المشرق وسوريا. ذلك لأن الحقبة العثمانية أطلقت، أو سمحت، بإطلاق حركات انتقال سكانية، وكذلك توزيعاً جديداً للنفوذ والاقطاعات، في جبل لبنان. وربما في هذا السياق بدأ عهد الانتقال والنزوح المارونيين المشهودين من شمال جبل لبنان وأعاليه الى أواسطه والى المنخفضات والسواحل. وهذا ما سمح بإنشاء منتجعات شتوية ساحلية للقرى الجردية العالية.

    هل تشير هذه العلامات الى أن العهد العثماني كان "أرحم" على المسيحيين الموارنة، وعلى الشيعة أيضاً، من العهد المملوكي الذي سبقه؟ من الامارات على هذه "الرحمة" أنه أتيح للموارنة والشيعة الانسياب الديموغرافي من معاقلهم الجبلية الى المنخفضات والسواحل في الزمن العثماني، بعدما كان الحكم المملوكي ضيّق على هاتين الاقليتين وأطلق ضدهما حملات التأديب حتى في معاقلهما الجبلية العالية.

    3- بندر الحرير والحرف

    قد لا يعرف سكان الجبال والجرود، إذ ينشئون منتجعات شتوية لقطعانهم ورعاتهم في المنخفضات، أن هذه المنتجعات سوف تتحول مزارع رعوية. وهذه هي حال الإهدنيين مع زغرتا، منتجع قطعانهم الساحلي. فحياة الانتجاع الطويلة نحو ستة أشهر في العام، من أواسط الخريف حتى أواسط الربيع وخبرة الرعاة الجبليين، سرعان ما تحملان هؤلاء الرعاة الى مزج الرعي بالزراعة، فيتحول المنتجع الرعوي مزرعة. إنها الحياة الريفية الجبلية المتوسطية التي تمزج الرعي بالزراعة، وفق بروويل.

    هي زراعة الزيتون ربما وهذه مع كروم العنب صنو الحياة الزراعية المتوسطية (بروديل ايضاً) - من أقدم الزراعات في زغرتا. ولا تتطلب هذه الزراعة الانفصال أو الانقطاع عن الحياة الرعوية. أما الزراعة الأحدث عهداً في منتجع إهدن الشتوي، أي زراعة التوت، وهي أصلاً حرفية وصناعية الباعث والهدف (الحرير)، فجاءت، ربما، تتويجاً لانقلاب بطيء في الحياة الاقتصادية للمنتجع الشتوي المزرعة وفي نمط عيشه، أدى الى اكتمال تكون زغرتا قرية انتظمت الاقامة فيها واستقرت.

    من العلامات المحطات التي سبقت زراعة التوت وصناعة الحرير في دلالتها الى انتظام الاقامة وتوسع السكن في زغرتا واستقرارهما، هناك علامتان بارزتان: الاولى وجود كنيسة قديمة في زغرتا جُددت ووُسعت العام 1775. وفي العام نفسه وهذه هي العلامة الثانية شيّد الوجيه الإهدني يوسف بك كرم (وهو غير قرينه في الاسم، الثائر ضد حكم المتصرفية العام 1866) داراً كبيرة له في زغرتا. أما تصنيف زغرتا "بندراً" العام 1880، أي مركز سوق اسبوعية للقرى الصغيرة والمزارع في المنطقة المحيطة بها، فحدث بعد غلبة الحياة الزراعية والحرفية والتجارية غلبة تامة على الحياة الرعوية. وهو الحرير بأنواله وكرخاناته وهذه لا أثر لها في إهدن وحاجته الى جمع الزراعة والحرفة والتسويق، ما شكّل قطب روزنامة المواسم الزراعية والانتاج الحرفي والتجارة المحلية في البندر الزغرتاوي. تصنيف زغرتا بندراً للحرير والحرف، شجع الإهدنيين على طلب الانتقال الى البلدة الساحلية والاقامة فيها، فلم يتخلف عن هذا إلا قلة من الفلاحين المرتبطين بالارض وبنمط الزراعة الجبلية في إهدن ارتباطاً لا فكاك لهم منه. وغلبة الاقامة والعيش والعمل في مكانين مختلفين ومتباعدين، أدت الى انشطار حياة الإهدنيين السنوية شطرين متساويين: ستة أشهر في إهدن (من منتصف الربيع حتى منتصف الخريف)، وستة أخرى في زغرتا (من منتصف الخريف حتى منتصف الربيع).

    4- الزمن العامي والمدرسة

    زامن ازدهار زغرتا كمركز محلي للحرف والتجارة رسوخ "الزمن العامي" في جبل لبنان المسيحي. وحركة التمرد التي قام بها يوسف بك كرم السنة 1886 ضد حكم المتصرفية أدى فشلها الى ان يلوذ اتباعه ومناصروه من غير الاهدنيين، بزغرتا التي لجأوا اليها واستقروا فيها. كان هؤلاء من مناطق مسيحية مختلفة، لذا كان عليهم ان يشهروا، فور استقرارهم في زغرتا، انتماءهم الى اهدن، قبل ان تبصرها اعينهم وتطأ اقدامهم أرضها. وهذا دليل الى ان اهدن، في المخيلة الزغرتاوية الاهدنية، هي الاصل والمنبت والمنبع، وزغرتا هي الفرع والهامش والعارض. لكن ما من شيء يشي بأن الاهدنيين الزغرتاويين عاشوا او يعيشون انقساماً او تعارضاً في انتمائهم المزدوج الى بلدتيهم، رغم تفاوت قوة انتمائهم الى كل منهما.

    في مطلع القرن العشرين بدأت تتقلص مدة اقامة الاهدنيين الزغرتاويين ودورة حياتهم المادية في اهدن، لصالح اقامتهم ودورة حياتهم في زغرتا. لكن هذا التقلص لم يوهن قط قوة انتمائهم وانتسابهم الى القرية الجردية التي ظل انتماؤهم وانتسابهم إليها أقوى منهما إلى البلدة الساحلية. فانقلاب اوقات الاقامة ودورة الحياة المادية وادوارها، لا يؤدي في المجتمعات الاهلية المحلية وثقافتها، الى وهن وضعف في قوة الانتماء الى الاصول والجذور الاولى، بل ربما يؤدي الى تعاظم هذه القوة في ذاكرة الأهالي ومخيلتهم الجمعية العامة. لقد ظلت اهدن هي الاصل برغم تحولها مصيفاً سنوياً او "منتجعاً" صيفياً للزغرتاويين، لا تتجاوز مدة اقامتهم السنوية فيه شهور الصيف الثلاثة، فيما امتدت الاقامة في زغرتا الى تسعة اشهر متصلة.

    هي المدرسة والوظيفة والحرفة والمهنة والعلاقة الوثيقة بالمدينة (طرابلس وبيروت) والهجرة اليها والعمل فيها، وكذلك الهجرة الى خارج لبنان... ما جعلت تضبط روزنامة الحياة السنوية ودورتها بين اهدن وزغرتا. غير ان المدارس، مثلا، ظلت في العقود الأولى من القرن العشرين تأخذ في اعتبارها مواقيت المواسم الزراعية، فتقفل ابوابها، كي تتيح لأفراد العائلة جميعا المشاركة في هذه المواسم.

    5- طقوس الرحيل الصيفي

    لانتظام طقوس الانتقال الموسمي وفق مواقيت الروزنامة الجديدة في بدايات القرن العشرين، حضوره في ذاكرة الاهدنيين ومخيلتهم. فصور هذا الانتقال الجماعي والطقسي، من زغرتا الى اهدن في بداية الصيف، ما تزال تزين ذكريات اجيال من البلدتين وتشعل فيهم الحنين الى زمن انقضى عهده وانطوى.

    في بدايات الصيف كان بدء اهل زغرتا باعداد العدة للصعود الى اهدن، على مسافة 20 كلم في الجبال. وهذه مسافة طويلة وشاقة في زمن ما قبل السيارات والاسفلت، اي زمن السير على الأقدام واستخدام الدواب (البغال والحمير) لنقل معظم امتعة البيت واثاثاته. غير ان هذه ما كانت لتتعدى، بعد، الفرش واواني الطبخ والثياب. اما في العودة الى زغرتا نهاية الصيف، فكانت تضاف الى الأمتعة والأثاث، المؤونة الجبلية على انواعها التي أُعدّت في موسم اهدن الصيفي.
    قبيل نهاية الربيع من كل عام، كان الزغرتاويون يبدون التململ وانتظار موعد الرحيل، بل العودة الى اهدن، اي الى الصيف والمصدر والمنبت. جماعات جماعات، كان اهالي زغرتا يعدّون العدة للرحيل. وذلك كان يستمر اياماً متلاحقة لانطلاق القوافل من زغرتا، وسيرها صعدا في الشعاب الجبلية في اتجاه صيف اهدنهم. ما ان كانت قافلة الانطلاق والمسير تتأهل للتحرك، حتى كان يجتمعون الاهل والجيران من منتظري الرحيل، لمواكبة خروج القافلة من الحارة والبلدة وانطلاقها في الرحلة. والمواكبة هذه كانت تسمى "هرجة" تُقرع فيها الطبول والدفوف وتنشد الاهازيج والاغنيات. فكل انتقال ورحيل كان يستدعي شعائر وطقوساً احتفالية، كالولادة والزواج والموت والمواسم الزراعية. وقد تكون غاية ضجيج الاحتفال وجمعِهِ، طرد الشر وتدارك الخوف والريبة والخطر التي تحف بكل انتقال ورحيل، كما في القرون الوسطى الاوروبية، على ما يروي المؤرخ الفرنسي.

    غير ان الطقوس والمشاعر التي كانت تحف بالعودة الى اهدن لم تكن كالتي تحف بالعودة الى زغرتا. فاستقبال الضيف في القرية الجبلية العالية ليس كاستقبال الخريف والشتاء في البلدة الساحلية. واذا كانت العودة الى اهدن، شأن كل انتقال موسمي، تبعث في نفوس الاهدنيين فرح الانتقال والرحلة والسفر واستقبال موسم جديد في مرابع الامس ومنابت الجذور، فان العودة الى زغرتا كانت تبعث على الكمد والكآبة الخفيين او المكتومين. فـ"اهدن بتربّي وزغرتا بتودي"، يقول المأثور الشعبي الشائع بين الاهدنيين الزغرتاويين. وما تربيه الاقامة في اهدن في اجسام الاهدنيين وانفسهم، انما هو، وفقاً لمروياتهم الشفهية، الصحة والعافية، اما الاقامة في زغرتا، فتؤدي الى المقبرة، لأنها تفقد المقيمين فيها ما كانت اكسبتهم اياه الاقامة الصيفية في اهدن، وتعرّضهم للاعتلال والمرض المفضيين الى... الموت. فزغرتا سيئة الطقس والمناخ في عرف الاهدنيين الجبليّي الاصول، لأنها تقع على ربوة ساحلية شتاؤها قارس البرد وهواؤها شديد الرطوبة، لا لقربها من البحر فحسب، وانما لأن روافد نهر قاديشا، مثل جوعيت ورشعين، تحوطها كذلك.

    واذا كان الفرح والحبور من نصيب العائدين، مطلع الصيف، الى اهدنهم، فأي شيء غير الوحشة والاسف والكمد والفراغ يكون من نصيب القلة التي لا حول لها ولا طول الا البقاء في زغرتا صيفا؟ لكن كان في وسع هؤلاء تعزية انفسهم بأن يحسبوا زغرتا المقفرة والخالية الشوارع والساحات، ملكاً لهم وملعبا لأولادهم في الصيف.

    شوقي الدويهي ومحمد أبي سمرا


    النهار
    الأحد 3 نيسان 2011


  2. #2
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default

    الحرج والحرب وصورة يوسف بك كرم الاسطورية في مرويات اهدنزغرتا

    تستعيد هذه السطور اخباراً حكايات شفهية كثيرة يتداولها اهالي زغرتا- اهدن عن بلدتهم المزدوجة او المنقسمة. وهي جمعت في سياق بحث في الانثروبولوجيا الثقافية والتاريخية. وبرغم ان بعضها هو من صناعة الذاكرة الشفهية العاميّة، فان كتابتها اقرب الى تمرين على اقتفاء خط الوقائع التاريخية والاجتماعية في البلدتين الشماليتين اللبنانيتين إهدن وزغرتا، وفقاً لظهور الوقائع في مخيلة الناس او ذاكرتهم.

    في مأثور الاهدنيين ان شعورهم بالخوف والتهديد والخطر، انما هو وليد اقامتهم في زغرتا. وربما الى يقينهم بأن زغرتا كانت السبب في ابتعادهم عن موطنهم الاصلي ومساقطهم وديار الاجداد ومعقلهم في اهدن، يعود باعث خوفهم من بلدتهم الثانية، الساحلية. واذا اضفنا الى هذا الباعث موقع زغرتا الجغرافي، اي امتدادها كلسان مسيحي بين مدينة طرابلس ومنطقة الضنية الاسلاميتين، يظهر جلياً العنصر الاساسي في تكوين الشخصية الزغرتاوية: الشعور بالخوف والتهديد وما يتولد عنهما من تضامن اهلي عصبي.

    الخوف والمعقل المقدس

    في مقابل زغرتا، اهدن هي التي تبعث الأمن والامان في روع الزغرتاويين وقلوبهم. فهي، في وعيهم ومخيلتهم، الملجأ والملاذ الجردي الحصين، المعقل وخط الدفاع الاخير. اما اذا بلغ الخوف والتهديد والخطر اهدن نفسها في أزمنة الشدة والنوائب، فان حرجها الذي يكسو المرتفعات المحيطة بها يصير الملجأ والملاذ. وبعد الحرج تتوقف المخيلة الاهدنية تماماً عن العمل، كأنها بلغت طرف العالم او نهايته. فللحرج في وجدان المعمرين الاهدنيين بعد اسطوري اكيد: ماذا يستطيعون ان يفعلوا، القنبلة الذرية؟! يسأل الاهدنيون موجهين سؤالهم هذا إلى أعدائهم، ثم يجيبون: نختبىء في الحرج. وفي الذاكرة الاهدنية أن يوسف بك كرم، لما طارده جند المتصرفية، لجأ الى حرج اهدن واختبأ فيه او تغيّب.
    في هذه الصور وفي غيرها يمثل الحرج الذي يجلل هامة اهدن في اعاليها، وفي مخيلة اهلها، مكانا اسطورياً شبيهاً بسفينة نوح. كأنما الداخل فيه كالداخل في الغيب، او كالعائد الى الرحم الاولى.

    لكن الاهدنيين كانوا من الحرج اياه يحتطبون مؤونتهم لدفء الشتاء الثلجي القارس، قبل انتظام اتخاذهم زغرتا منتجعاً شتوياً مستقراً. وهذا الامر الدنيوي ما كان يحرم الحرج مكانته الاسطورية والمقدسة. واثباتاً منهم لقدسيته ولحمايته من الاعتداءات، يروي الاهدنيون ان من احتطب منه غصنا اخضر مات بدون عقب او وريث، او قضى بمرض خبيث، او نزلت به فجيعة قاسية. ثم ان حرج اهدن المقدس ما كان صدره ليضيق في الخمسينات من القرن العشرين باستقبال مرتكبي جرائم القتل والثأر العشائرية "السياسية" الزغرتاويين، وايوائهم في اثناء فرارهم من وجه العدالة او الثأر العشائري.

    بين اهدن وبشري

    لكن حياة الاهدنيين في اهدن ليست امناً وطمأنينة كلها، الا بالمقارنة مع الحياة في زغرتا. فللاهدنيين خوفهم وشعورهم بالخطر الذي يهب عليهم من جارتهم بشري. لا سلم ولا مطمأن للاهدنيين، اذاً: لا في منتجعهم الشتوي الساحلي، زغرتا، الذي يشعر ساكنوه بالتهديد والخطر، كأنما يعيشون في جزيرة يرون ان الجغرافيا البشرية والطبيعية والمناخ تحالفت على حصارهم فيها، ولا في معقلهم الجبلي، اهدن، حيث يتبادلون وجارتهم بشري احقاد الصراعات العشائرية على النفوذ والزعامة وعداواتها الثأرية. فهل يصح في اهالي البلدتين قول المتنبي:

    وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ
    فعلى اي جانبيك تميل؟

    وفي ذاكرة الاهدنيين يعود بدء التاريخ القريب لعداوتهم مع بشري، الى اواسط القرن التاسع عشر. والباعث على هذه العداوة المتبادلة هو التنافس والنزاع على الزعامة والنفوذ والصدارة والرئاسة بين البلدتين الأكبر حجماً ديموغرافياً في الريف الجردي الماروني الشمالي. والشائع ان مقدمي بشري كانوا يتقدمون في النفوذ والمكانة والزعامة، لا على مقدمي إهدن فحسب، بل على سائر المقدمين في تلك المنطقة الجبلية. لكن في مطالع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استمد الإهدنيون من "أمجاد" حركة يوسف بك كرم - وهو نجل أحد مقدمي إهدن - ومن وهجها والتفاخر بها، قوة وعزماً على منافسة بشري في زعامتها، الأمر الذي أشعل فتيل الصراع بين البلدتين.

    وإذ يروي الإهدنيون أخبار معاركهم القديمة المشهودة والكبيرة مع البشراويين، فغالباً ما تكون بلدتهم في الرواية شبه خالية، حين هوجمت وتعرضت للحرق بيوتها الأقرب إلى بشري. وأي جملة ختامية تناسب مثل هذه الرواية المتكررة اكثر من جملة: ينتظر البشراويون نزولنا الى زغرتا كي يحرقوا إهدن! وماذا يمكن لهذه الجملة الختامية ان تحرك في دماء الإهدنيين وجوارحهم في تلك الأزمنة الخوالي، أزمنة البطولات والملاحم الطروادية التي يصنعها عداء قديم بخالط الخيال وقائعه وأخباره القليلة؟! أغير شعورهم بالإباء الجريح والكمد ممزوجاً بالتعطش إلى الثأر من البشراويين؟ وهكذا لا يعود ينضب معين لمثل هذين الحقد والعداء العشائريين الجبليين، ولا يخمد لهما إوار في ذاكرة الإهدنيين والبشراويين ومخيلتيهم الجماعيتين، ولا يعودان (الحقد والعداء) في حاجة كبيرة للأسباب الداعية إلى إشعالهما، ونسج الأساطير والملاحم حولهما.

    ترك العداء والحقد المتبادلان بين الإهدنيين والبشراويين بصماتهما على التخوم الجغرافية والمعمارية في البلدتين الجبليتين، كما في مخيلة البشر وذاكرتهم المشتركة ومروياتهم. فالبيوت التي في طرفي البلديتن اللتين تفصل بينهما مسافة 10 كلم، هي خط الدفاع الاول في كل منهما. لذا كان يُترك في جدران هذه البيوت ما يسميه الأهدنيون "مرماية"، وجمعها "مرمايات"، وهي فتحات صغيرة كالتي تُترك في القلاع الحربية القديمة، يتمترس خلفها الرماة المدافعون لصد هجمات الأعداء. أما الوقائع القليلة والمشهودة، التي تتغذى منها ملاحم الجبليين وأساطيرهم الحربية، فغالباً ما تكون مصداقاً لما نسجته مخيلتهم الجماعية، وعممته وجعلته امضى من الوقائع في قوته وفعله في البشر.

    ويرى البشراويون ان الواقعة الثانية التي أفقدت بلدتهم صدارتها وزعامتها في المنطقة، هي انتخاب الزعيم الإهدني الزغرتاوي، والقطب النيابي الشمالي، سليمان فرنجية، رئيساً للجمهورية اللبنانية العام 1970. فهل يخطئ البشراويون حين يفكرون في أن "التاريخ يعيد نفسه مرتين" أو دار دورته مرتين ضدهم: مرة أولى مع يوسف بك كرم الذي سطع نجمه من إهدن فأضاء في لبنان الجبل كله، ومرة ثانية مع سليمان فرنجيه الذي فاز برئاسة الجمهورية التي يتغنى الإهدنيون بأن أخاه حميداً أسهم في معركة استقلالها؟

    المحطة المشهودة في سلسلة الوقائع الحربية بين الإهدنيين والبشراويين، هي انتخابات العام 1943 النيابية التي ترشح فيها الإهدني يوسف كرم ضد أحد زعماء بشري. أدى التنافس بين المرشحين الى نشوب صدام مسلح بين البلدتين. وفي رواية الإهدنيين عن هذا الصدام أن كلاً من أهالي البلدتين زحف في اتجاه بلدة الآخر، فاشتبكا في خراجهما، وكان بين قتلى إهدن في المعركة أحد وجهاء آل معوض. وقد تم لاحقاً فصل بشري عن إهدن انتخابياً، لإخماد حدة الصراعات بينهما، فأصبحت كل من البلدتين دائرة انتخابية مستقلة.

    المحطة الأقدم في مرويات الإهدنيين التي تتناول حروبهم مع بشري، تلك التي هاجم فيها البشراويون إهدن العام 1912، وكانت خالية إلا من بعض الفلاحين والكاهن وإمرأة مكثت في بيتها مع جثة ابنها الذي أماته مرض عضال، قبل أشهر من الهجوم البشراوي، فوضعت جثته في تابوت ورفضت دفنه ومغادرة إهدن الى زغرتا، مع معظم الإهدنيين، في نهاية الصيف.

    ما هي صلة فجيعة المرأة بابنها الشاب، ورفضها دفنه في الرواية الإهدنية، بالهجوم البشراوي على إهدن العام 1912؟
    الموت ضرب من القتل؟

    يربط الإهدنيون في مروياتهم ما بين بقاء المرأة في إهدن، وإقامتها على مساكنة جثة ابنها، وبين الهجوم البشراوي على بلدتهم الجبلية شبه الخالية. ثم إنهم يربطون ايضاً بين بقائها وإقامتها هذين، وبين إعلام زغرتا بإحراق إهدن. فالكاهن الذي مكث مع المرأة في بيتها هو الذي بادر، وفقاً للرواية، في أثناء هجوم البشراويين، الى الصعود الى كنيسة سيدة الحصن في أعالي إهدن، حيث أشعل ناراً، علم الزغرتاويون، حين أبصروها أن بلدتهم الجبلية في خطر. وذلك على جاري عادة كل من البلدتين في إعلام الاخرى بأمر طارئ يتهددها، فتهب الآمنة الى نجدة المهددة.

    أما خروج موت الابن، في الرواية، عن جادة الموت الذي يموته سائر خلق الله، وكذلك تذكر الإهدنيين الحادثة في سياق تذكرهم هجوم 1912 البشراوي على إهدن، فالباعث عليهما هو أن الابن الفقيد كان الأقرب عائلياً ودموياً من يوسف بك كرم الذي كان على صلة عضوية ورمزية، في ذاكرة الإهدنيين ومخيلتهم، بنزاعهم مع جارتهم بشري. فالابن هو حفيد شقيق يوسف بك كرم، ميخائيل الذي لا يذكره الإهدنيون لأن وهج أخيه الأصغر وبريقه كانا قد أطفأا اسمه وأخمدا ذكره. لكن غياب يوسف بك كرم، منفياً ثم ميتاً، أكسب أقرباءه الدمويين، ومنهم الحفيد الميت، بعض الوهج والبريق. وإلا ما الذي دفع المرأة الأم، والتي كان زوجها، والد الحفيد، قد سبق بمدة قصيرة ابنه الى الموت، ما الذي دفع بها الى الخروج على جادة الصواب إزاء فجيعتها المزدوجة، الى الحد الذي حملها على مساكنة جثة ابنها؟! أسوى قوة الإرث الزعامي والبطولي المضاعف ليوسف بك كرم وسطوته الأسطورية في عائلته وعشيرته، وفي الإهدنيين ايضاً؟
    وقوة الإرث الزعامي العشائري، مثل قوة الإرث الثأري العشائري، إنما على الاحياء الإمساك بزمامها وتسلمها من الآباء والأجداد، وتسليمها الى الأبناء والأحفاد، جيلاً بعد جيل، وحتى آخر... الدم والأنساب الاحياء. ولو لم يكن الابن الميت محطة في هذه السلسلة، لما أدرجه الإهدنيون في مروياتهم، وما جعلوه موضع افتخارهم، ورمزاً من رموز موروثهم. أما المرأة الأم، في رفضها دفن ابنها، إنما كانت ترفض قسمة القدر أو مشيئة الله في موت وحيدها اليتيم الأب، والذي ترى في موته "ضرباً من القتل"، وفقاً المتنبي:

    إذا ما تأملت الزمان وصرفه
    تيقّنت أن الموت ضرب من القتل

    البطل القديس

    الجبال المتوسطية، على ما رأى بروديل وكتب، هي مصنع الرجال وملاذ الاقليات والخارجين على القانون والثوار على الدول وسلطانها. أما سكان هذه الجبال فيحتاجون الى أبطال يجسدون، في اندفاعهم الحماسي، قوة الجماعة ولحمتها. وهذه هي حال الإهدنيين مع بطلهم يوسف بك كرم، الذي به وعبره تاقوا الى تجسيد قوتهم وهويتهم المحلية. فقبل قيام كرم بحركته ضد حكم المتصرفية، ربما كان الإهدنيون يتعطشون الى علم ورمز وبطل يؤكد عصبيتهم البلدية ويعلي شأنها في وجه العصبيات الاخرى في الريف الماروني الشمالي، وخصوصاً في وجه العصبية البشراوية القوية. وفي حقبة لاحقة اعتبر الإهدنيون الزغرتاويون يوسف بك كرم وحركته إسهامهم ورأسمالهم في استقلال لبنان.

    واذا كان قد ولى زمن البطولة والقداسة اللتين تقر الذاكرة الإهدنية الزغرتاوية باجتماعهما في شخصية المتمرد الشمالي اللبناني، فإن اسم يوسف بك كرم وصورته وأخباره كانت لها سطوتها على مخيلة أهل البلدتين ووجدانهم ومثالاتهم. فهو كان في مخيلتهم المثال الذي لا يُبلّغ في جمعه صورة البطل الفارس الى صورة القديس الطاهر، على غرار ما كانت عليه صورة الفرسان القديسين في القرون الوسطى الاوروبية. وربما كان الباعث العميق والبعيد على جمع هاتين الصورتين في شخص المتمرد الإهدني الزغرتاوي، أن وادي قاديش أو قنوبين، معقل الموارنة وموطنهم الاول في لبنان، وملاذ نساكهم ورهبانهم وبطاركتهم، على مرمى حجر من إهدن ومن بشري ايضاً.

    في صورته بين أبناء عشيرته وقومه، نذر يوسف بك كرم نفسه للبطولة، قدر ما نذرها للعفة، فضحى بالذكورة وشهوتها فيه ليسمو الى مرتبة الابطال القديسين. وهو في روايات شائعة، كان يتمنطق تحت ثيابه بحزام من شعر الماعز مشدود على خصره حتى انغراسه في لحمه وإيلامه. كأنما قتل الذكورة وشهوتها لا يكفي وحده شرطاً لبلوغ مرتبة الابطال القديسين، إلا في إيلام الجسم وتعذيبه، وفي المقدرة على تحمل هذين الألم والعذاب.

    وتدل مرويات الإهدنيين الزغرتاويين عن يوسف بك كرم إلى أنه اكتسب في مخيلتهم شخصية أسطورية. فهو الذي عاد، وفقاً لإحدى المرويات، في ظلمة الليل الحالكة الى زغرتا، بعد مدة قصيرة من نفية. لم يبصره أحد حين عرّج على كنيسة السيدة في البلدة، لكن شماس الكنيسة قرع جرسها، فهتف الاهالي جميعاً من بيوتهم في صوت واحد: رجع البيك، رجع البيك، ثم صعدوا الى سطوح بيوتهم ليشهدوا هذا الرجوع. لقد كانت قوة غيابه تعادل قوة انتظارهم عودته. واذ اجتمعت القوتان واتحدتا فيهم، استحضروا بطلهم الغائب من منفاه ورأوه رأي القلب أو الشطح الصوفي، يدخل الكنيسة، فهبوا لرؤيته رأي العين من على سطوح منازلهم.

    وحين كان يقسم الإهدنيون والزغرتاويون ليثبتوا أمراً ما إثباتاً قاطعاً، إنما كانوا يقسمون بعودة يوسف بك. أما النسوة اللواتي كنَّ يتذرعن طالبات العثور على شيء أضعنه، فكن الى يوسف بك يرفعن رجاءهن قائلات: الله يرحم أمك وبيك يا يوسف بك. وتمثال البيك الذي نُصب العام 1932 في باحة كنيسة مار جرجس في إهدن، أسقط الإهدنيون اسم صاحبه، فراحوا يقولون في ما بينهم وهم يتحادثون: التمثال. كأن هذه الكلمة الاخيرة صارت اسماً علماً ليوسف بك كرم.
    أما رؤساء العائلات والعشائر الإهدنية الزغرتاوية فجعلوا من صورة يوسف بك نموذجاً لهم ومثالاً، ملهماً وهادياً. فالفروسية ومظاهرها أمست من نسيج الرئاسة ومتطلباتها، وسيطرت على مخيلة أهل البلدتين صورة المتمرد والمقاتل وأسطورته. وهي الصورة التي تمثلها الاهالي وتحدرت اليهم من حركة يوسف بك كرم التي كان الإهدنيون الزغرتاويون قد انخرطوا فيها وشكلوا نواتها العسكرية القتالية. وعلى غرار مقاتلي حرب العصابات، كان انسلخ "زلم البيت" عن الحياة الاجتماعية العامة وخرجوا الى الجبال، بعدما كانوا انتظموا في ما يشبه "سلك جندية" محلياً وأهلياً وعشائرياً. وقد استلهمت الزعامات العائلية والعشائرية، لاحقاً، أي إبان النزاعات الدموية في زغرتا (1950 1965)، وجهاً من وجوه تنظيم حركة يوسف بك كرم، في إنشائها قوة ضاربة خاصة بكل عائلة وعشيرة. وكان رجال هذه القوة شبه متفرغين للتصدي لرجال القوى العائلية والعشائرية الضاربة الاخرى في البلدة، ويعتاشون من ريع تقدمه لهم العائلات والعشائر وزعماؤها. ومع تقدمه في العمر وبلوغه الكهولة كان رجل هذه القوى الضاربة، غالباً ما يحال على وظيفة مدنية في إدارات الدولة، يؤمنها له زعيم عشيرته أو عائلته. وفي كل عشيرة أو عائلة زغرتاوية كان هناك جب أو فرع محدد متخصص في إنتاج أعضاء القوة الضاربة التي كان الثأر والذود عن شوكة العشيرة أو العائلة والزعامة مجال تسليك (الانخراط في سلك) رجالها في زغرتا.

    شوقي دويهي ومحمد ابي سمرا

    النهار
    الأحد 10 نيسان 2011

  3. #3
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    أربعاء أيوب" وطقوسها على شاطىء الرملة البيضاء


    سيران الربيع البيروتي: عيد شعبي قديم أنهته أحداث 1958

    "أربعاء أيوب" هي واحدة من المناسبات في العادات والتقاليد الشعبية التي كان أهل بيروت يحتفلون بها في حقب مضت من تاريخ المدينة، يوم كان يحوطها حزام أخضر من غابات الصنوبر وأشجار الصبير والجميز والخروب والتوت البري، فيخرجون إلى شاطىء الرملة البيضاء ويقضون نهارهم في لهو ومرح، فيغتسلون بماء البحر ويأكلون حلوى "المفتقة" الخاصة بالمناسبة.

    إحتفالات أهل بيروت في هذه المناسبة مقرونة بقصة النبي أيوب وصبره وشفائه، كما ورد عنه في "العهد القديم" وفي خمس آيات وردت في سورتين في القرآن الكريم.

    يربط العديد من الباحثين ما بين الإحتفالات الشعبية بـ"أربعاء أيوب" والأعياد المتصلة بفصل الربيع كأعياد الفصح المجيد وشم النسيم والنيروز التي يُحتفل بها خلال شهر نيسان من كل سنة، حين تستقر أركان الربيع باعث البهجة والفرح، فتتفتح الأزهار وينمو الزرع ويعتدل الطقس ويصفو الجو. لذلك تردد العامة: "في نيسان بتصير الدني عروس وبيخف الغطاء والملبوس".

    وقصة النبي أيوب أنه كان رجلاً ثرياً، فأوحي إليه، وصار كثير العبادة، رحيماً بالمساكين والسائلين. لذا حسده إبليس ففقد ثروته وأولاده وإبتلي بمرض جلدي لا شفاء منه، ومع ذلك ورغم كل ما أصابه من ويلات بقي صابراً حامداً ربه على ما ابتلي به.

    البلاء الذي أصيب به النبي أيوب، والصبر الذي أبداه يفوق طاقة احتمال البشر، فضُرب المثل به وبصبره، وصار الناس يرددون "يا صبر أيوب" عند كل موقف يتطلب التغلب على الشدائد بالصبر. وذات يوم ضرب النبي أيوب الأرض برجله، فانبعثت عين ماء، اغتسل بها النبي وشرب منها فذهب مرضه وشفي تماماً. لذلك كان الناس يغتسلون بمياه البحر في سبع موجات متتالية. من هنا قول العامة في أمثلتهم الشعبية: "يلي ما بيغتسل بأربعة أيوب، جسمه بدو يفنى ويذوب". ومن لم يكن يشارك في طقوس "اربعاء أيوب" على شاطىء الرملة البيضاء، كان يغسل وجهه بماء تنقع فيه "حشيشة أيوب"، أي عشبة العرعر المعروفة بفوائدها الطبية منذ أيام الفراعنة.

    وعن فوائدهذه العشبة يقول داوود الإنطاكي الطبيب إن العرعر البري أصفر اللون يميل إلى الحلاوة، يشفي من السعال المزمن وأوجاع الصدر وضعف المعدة ويقاوم السموم ويشد البدن.

    حدرج وجمّول

    السائد هو أن توقيت هذه المناسبة يصادف في آخر يوم أربعاء من شهر نيسان. وعندما يلتبس الموعد كانت النسوة يلجأن إلى الست حدرج لتحديد موعد الإحتفال الشعبي. والست حدرج هي سيدة من آل عيتاني "جب" المصيطبة، وكانت مرهوبة الجانب في منطقتها، يهابها الكبار قبل الصغار. فهي "أخت الرجال، مسدسها على وسطها على الدوام"، كما يروي المعمرون من البيارتة. وكان صوتها عريضاً من كثرة تدخين "التطلي" العريضة، ولسانها سليطاً كسوط. وفي "أربعاء أيوب" كانت تقود العائلات البيروتية في تظاهرة حاشدة إلى الرملة البيضاء.

    وفي المقلب الآخر من المدينة، أي في محلة رأس بيروت، كانت الحاجة جمول هي التي تشرف على نصب الخيم على شاطئ الرملة البيضاء. والحاجة جمول لا تقل شأناً عن الست حدرج، فكانت لها الطاعة من الجميع وزعيمة النساء في خندق "ديبو" بلا منازع. فهي تدفع "دية الدجاجة التي دهستها البسكلات. وإذا "لبط حمار ولداً تسقيه ماء من طاسة الرعبة". وكان صوتها على الدوام ملعلعاً في الحي ينبعث من عنقها الضخم الشبيه "بمدخنة" وتبرز على جوانبه الشرايين الزرقاء.

    وكانت التحضيرات لاحتفالات "أربعاء أيوب" تبدأ قبل أسبوع من موعدها. فيقوم الشباب بتنظيف رمال الشاطىء ونصب الخيام والعرازيل وتوزيعها وفق المناطق والعائلات. وكانوا يعدون أيضاً طائرات الورق الملونة.

    أما النساء فكن ينصرفن لإعداد وطهو "المفتقة" وهي الحلوى الخاصة بالمناسبة، حيث كانت تطبخ في البيوت من الأرز والسكر وطحينة السمسم والعقدة الصفراء. وارتبطت حلوى "المفتقة" بـ"اربعاء أيوب" لأنها ترمز إلى الصبر الذي كان ميزة النبي أيوب. فتحضيرها يتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً وصبراً وافراً، لإنها تحتاج إلى التحريك المتواصل الذي بدوره يتطلب قوة جسدية.

    مواكب السيران

    في يوم الإحتفال الشعبي كانت تنطلق "وش الصبح"، أي عند الفجر، مواكب النساء والأولاد من كل الأحياء في اتجاه الرملة البيضاء على ظهور الخيول والحمير والطنابر (أوتوبيسات ذلك الزمان). فيعبرون دغلات القصب والصبير وحقول الخس والفجل والرشاد وسط خوار الأبقار وصياح الديوك وقرقعة عجلات الطنابر وصراخ بائعي الجميز الذين ينادون بأصواتهم النحاسية: "تمر يا جميز تمر"، وهم يصفقون ويغنون ويهزجون، فيما تكون الشرطة قد أرسلت دورياتها لحفظ النظام.

    ولدى وصول النسوة إلى الشاطىء يفرشن الأرض بالحصر والبسط ويغطين الخيم من الداخل بالشراشف البيضاء للوقاية من حرارة الشمس ويصفون كراسي الخيزان والطبليات الخشبية خارج الخيم ويرتبن صحون المفتقة وطناجر الطعام ويشعلن طبّاخ الفخار ويحضرن الأراكيل. فتنادي سيدة لأخرى:

    "بحياتك يا نفوس خدي ها البقاب ودقي عامود الخيمة شوي، شكلو ألوأ..."

    وما إن تصبح النراجيل جاهزة للتدخين حتى تبدأ جلسات الأحاديث مع أقداح الشاي وفناجين القهوة، فتحكى الحكايات وتروى الروايات، مصحوبة بتناول الترمس واللوز الأخضر والجنارك وخصل "إم قليباني" و "الحميضة". ولا تخلو جلسات النساء بين الفينة والأخرى من بعض "تركيب المقلة" (النميمة) وهذه بعض نماذجها :

    - "وليّ عاقامتها مرت القباقيبي كل خلفتها بنات".

    "دخلك! إنو حماتك شو عاملي معها أني!؟ كراتي تكرتها صحيح".

    "وئي شو عتبة بيتنا واطية، ما بتجي لعندي خديجة بنت حماك؟!".

    - "يسلمو إديكي يا فطوم على هل نفس الأركيلة المنظوم".

    ثم تنطلق الأجواء الطربية من داخل الخيم، فتبدأ إحدى السيدات بالنقر على "الدربكة" لتتبعها أخرى بالغناء: "على بلد المحبوب وديني"، و "يا حبيبي أنا قلبي معاك... طول الليل سهران وياك". فتأخذ نشوة الطرب النسوة اللواتي يتمايلن على أنغام الأغاني ويرددن القفلات وراء مطربة الجلسة التي لا يخلو صوتها من النشاز.

    خارج الخيم ينتشر بائعو الكعك واللوز والترمس والبرتقال المشكوك بالقرنفل والتفاح المغلف بالمعلل والصفوف والفستق السوداني وقصب المص وغزل البنات. في هذا الوقت يتسابق الشبان حفاة على الرمل ويلعبون لعبة شد الحبال ويسبحون. أما الفتيان فيتبارون بتطيير "طيارات الورق" في سماء الرملة البيضاء، وغالباً ما كانت تحصل مشاجرات عندما "تتشركل" خيوط الطيارات وتتشابك، فتصرخ بهم الحاجة جمول: "تعا وكّي خالتي صالح إبن جيرانك عبدون وبوسو".

    أما الأولاد فيلهون بلعب "الكلل" و "بزر المشمش" وجمع الأصداف التي تدفعها الأمواج وزبدها الأبيض المتمايل على الشاطىء ورماله الذهبية.

    عند العصر يحضر الرجال آتين من أعمالهم، فتفرش الموائد ويبدأ شوي اللحم وتحضير التبولة، ويتناول الجميع وجبة الغداء، ويتحلون بعدها بالمفتقة. ثم يصعد الرجال إلى سطوح "العرازيل" ويأخذون القيلولة، في حين ينصرف بعضهم إلى لعب الورق والداما خارج المخيم.

    طقس الاغتسال

    عندما يحين موعد طقس الإغتسال تتجمع العائلات ويضرب الشبان حلقة أشبه بطوق بشري لمنع مرور الغرباء، وتنزل النساء إلى البحر بفساتين طويلة فتغطس كل منهن سبع غطسات للتبارك أو وفاء لنذر أو رجاءً أو طلباً للشفاء تيمناً بالنبي أيوب.

    فتدعو سيدة لأخرى: " الله يبعت نصيبك ويرزقك بإبن الحلال". أما أكثرهن ورعاً وتقوى فتبادر الى "تكبيس الأخريات" وترقي العاقرات منهن، فتضع راحة كفها على رأس السيدة التي لم تنجب رغم مرور سنوات على زواجها وتقرأ بعض الآيات القرآنية وتنفخ في وجهها لتشفى بإذن الله ويتحقق مرادها.

    ... هكذا كان أهل بيروت يحتفلون بـ"اربعاء أيوب" على رمال الشاطىء الذي يتمايل عليه الموج وزبده الأبيض مصحوباً بهبات الهواء. انه تقليد شعبي متوارث يدخل في قائمة التراث والعادات الشعبية الجميلة التي درجوا عليها طوال عقود من الزمن قبل أن تندثر في أعقاب الأحداث المؤسفة التي شهدتها البلاد في العام 1958. فبعد ذلك العام لم يبق من "اربعاء أيوب" إلا الذكرى وحلوى "المفتقة" التي لا يجيد صنعها إلا قلة من السيدات المتقدمات في السن.

    زياد سامي عيتاني


    تحقيقات النهار
    الأحد 11 نيسان 2010

  4. Likes saitani liked this post
  5. #4
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default

    خجل الغرباء

    تستعيد هذه الشهادة مقتطفات من سيرة طفل في مدرسة الراهبات الانطونيات في عين سعادة، قبل عودته وأهله الى قريته شبعا في الستينات من القرن الماضي. وهي تروي وقائع عن الاختلاط والتثاقف الطائفيين في لبنان، قبل انهيارهما العنيف منذ عشايا الحروب الملبننة العام 1975.

    من سني طفولتي الخمس الاولى في قريتي الجردية شبعا، حيث ولدت في العام 1961، لم يبقَ في ذاكرتي سوى صور ضئيلة يكتنفها ضباب المنامات. في واحدة من تلك الصور، أنا ووالدي على ظهر حمار يدبّ بنا في شعاب دروب مزارع شبعا الوعرة. فبين رجال عائلتنا الموسعة وشبّانها، يكثر رعاة الماعز الذين يسرحون بقطعانهم في الجرد صيفاً، فينقل اليهم إخوتهم وأقاربهم الزاد والماء على البغال في رحلات جردية يومية تقريباً. أما في الشتاء فكان الرعاة ينتجعون بقطعانهم في مزارع شبعا وبلاد بشارة، أي جبل عامل. كان والدي وعمّي من هؤلاء الرعاة، لكنهما كانا تاجري ماشية في الاسواق الاسبوعية والموسمية المتنقلة بين قرى العرقوب، أكثر منهما راعيين فعليين، قبل أن يفتح كل منهما ملحمة في الضيعة. لكن تضاؤل أهالي ضيعتنا المقيمين في غير فصول الصيف، بفعل تدافع موجات المهاجرين منها الى بيروت في ستينات القرن العشرين، ضيّق عمل والدي في ملحمته، مما دفعه الى اللحاق بركب المهاجرين في العام 1966. خالتي وزوجها الذي كان عاملاً في "فندق البستان" ببيت مري، ويقيمان مع أولادهما في عين سعادة، شجعا والدي على الرحيل عن الضيعة، فتدبّرا له عملاً في مصنع بلاستيك بضاحية الدورة، كان وكيله المسؤول عن العمال رجلاً من ضيعتنا.

    الألفة المكتومة

    في عين سعادة، وفي مدرسة راهباتها الأنطونيات المارونيات، بدأت طفولتي، كأنني فيهما ولدت في العام 1966. فمنزل طفولتي الاول المرسومة معالمه قوية واضحة في ذاكرتي، هو منزلنا عند مدخل عين سعادة، على مسافة عشرة أمتار من مفرق رومية، حيث مزار صغير للسيدة مريم العذراء، قربه درج صغير ينزل الى بيتنا الحجري العتيق المؤلف من ثلاث غرف، تعلوها غرف مثلها كان يقيم فيها خوريان مسنّان وراهبة مسنّة، والثلاثة من أصول حلبية.

    في الأمس، بعد 37 عاماً على رحيلنا عن بيت طفولتي ذاك، توقفت في الطريق الصاعدة من المكلس الى بيت مري، لأرى ماذا حلّ بذلك البيت الذي كانت أسرتنا تتألف من أختين وأخوين حينما سكنّاه، وأنجبت أمي فيه طفلين صبيين آخرين. فرأيت بيتنا الحجري العتيق على حاله، لكن مهملاً مهجوراً، وأمامه بارَ ذلك البستان وخلا من أشجار التفاح والدراق. لا بد أن الخوريين والراهبة ماتوا، فكرت، لكنني لم أستطع تخيّل مصير مالك البستان، أبو الياس البيطار، الذي أجَّر للمرحوم والدي الطبقة الاولى من بيته العتيق. في الأعلى رأيت المنزل الجديد الواسع، الذي كان يسكنه أبو الياس وأسرته، مقفلاً، كأنما من زمان، وبركة الماء أمامه ناشفة وتشلّقت جهة من جدرانها. لا أدري لماذا فكرت أن أولاد أبو الياس هجروا لبنان، وتذكرت من جيراننا أيام طفولتي، أسرة درزية من قرية شويا القريبة من ضيعتي في العرقوب.

    جميلة وأليفة كانت طفولتي في عين سعادة ومدرسة راهباتها، ففيهما عشت أجمل أيام تلك الطفولة، بل أجمل أيام حياتي كلها، ما بين 1967 و1973، على الرغم من شعوري العميق بأنني كنت وحيداً وغريباً بين جيراننا الذين كانت كل أسرة منهم تعيش حياتها في هدوء وسكينة، منصرفة الى شؤونها وشجونها داخل جدران بيتها. مثلهم وعلى إيقاع حياتهم هذه، عشنا، فتطبّعنا بعاداتهم وعلاقاتهم وطقوس حياتهم اليومية ومواقيتها المنظمة. بعد الظهر، وخصوصاً في نهارات السبت والاحد، كان سكون قيلولة العصر يهيمن على محيط بيتنا، فيشعرني بالفراغ والوحدة. ذلك السكون الذي كان علينا ألاّ نجرحه، لئلا نظهر شاذّين عن عادات محيطنا في دعته العادية المطمئنة. كنا نفعل ذلك عن خجل، لا عن قسر أو إرغام، فلا نرفع أصواتنا أو نصرخ، ولا نلعب ألعاباً صاخبة في البيت. أما اللعب في الشارع، فلم يكن من عادات أولاد عين سعادة، ونحن بدورنا لم نقدم عليه قط. الزيارات واللقاءات بين الجيران، وكذلك قدوم أهلهم لزيارتهم، كانت لها مناسباتها ومواقيتها المتباعدة والمنظمة. في هذا كله، كانت الحياة، حياتنا في عين سعادة، تخالف حياتنا في ضيعتنا شبعا التي تركناها خلفنا، وكنا نعود اليها في عطل الصيف، فنروح، نحن أولاد الأقارب والجيران، نلعب زمراً قرب البيوت وفي الأزقة، فيما ينصرف أهلنا الى أعمالهم الصيفية، وعلاقاتهم العائلية الموسعة. لكن انشغال والدي بعمله اليومي في مصنع البلاستيك، وأمي بما تخبزه يومياً من أرغفة خبز الصاج المرقوق، وتوزعه على زبائنها، لتحصّل من عملها هذا ما يساعد والدي في القيام بأودنا وبتسديد أقساطنا المدرسية – لكن هذه المشاغل قلّلت من مواسم اصطيافنا في ضيعتنا. هذا قبل زواج أختي الكبرى من إبن عمي الذي نقلها الى بيت أهله في شبعا، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وقبل سفر شقيقتي الأصغر منها مع خالي وعائلته، للعمل في الكويت، فصرت كبير إخوتي الأربعة، والمسؤول عن رعايتهم في أوقات غياب أبي وأمي عن البيت.

    على هذا المنوال انتظمت حياتنا في عين سعادة، فلم ينغّصها شعوري بالفراغ، بل صقلها وملأها بالسكون والطمأنينة والانشغال بحياتي المدرسية وانجاز دروسي وفروضي اليومية في البيت قبل النوم في حوالى السابعة مساء.

    الوحدة الرضيّة

    شعوري بالفراغ والوحدة في حياتنا البيتية بين الجيران، كان ينقلب شعوراً بالراحة والامتلاء في مدرسة الراهبات الأنطونيات، إذ سرعان ما صرت من التلامذة المتفوقين في سنتي المدرسية الثانية، بعدما واظبت معلّمة اللغة الفرنسية على ضربي كلما نطقتُ نطقاً غير صحيح أي حرف أو كلمة فرنسية طوال السنة الاولى. لا يزال اسم هذه المعلّمة، سامية شعنين، محفوراً، حتى الآن، في ذاكرتي، دون سواه من أسماء المعلّمات والراهبات جميعاً في سنواتي المدرسية الخمس كلها. كانت مسنّة وغير متزوجة، وفي بدايات دخولها الى الصف الابتدائي الاول، ألهبت عصاها يديّ، حينما سمعتني ألفظ حرف P كما يُلفظ حرف B في كلمة la Porte، فاستمرت تقوّم بعصاها نطقي وأخطائي في اللغة الفرنسية، حتى صرت من التلامذة الأفضل في صفها نهايات تلك السنة المدرسية.

    على خلاف معلّمة اللغة الفرنسية كانت الراهبة الرقيقة والجميلة التي تدخل الى قاعات التدريس لتتفقد هندامنا ونظافتنا، فتقول بصوتها الأنيس لهذا أو ذاك من التلامذة الصغار: "بكرا لازم تقص ضافيرك، حبيبي، ما تنسى"، أو "لازم تقص شعرك نهار السبت". كان صوت الراهبة وحضورها يشعرانني براحة تُدخل رقة خفيفة الى روحي وجسمي، كتلك التي كنت أتحسسها في نظافة التلامذة وترتيبهم، وأشمّ روائح عطرها تفوح من أجسام التلميذات. ولأشمّ مثل هذه الروائح الغريبة في جسمي اشترى لي والدي زجاجة كولونيا. فوالدي، على رغم تعبه في عمله وضآلة دخله، كان يحرص على أن نكون غير مختلفين عن أقراننا من التلامذة وننجح في المدرسة. حتى أنه قال لي ولإخوتي أن نتلافى ترداد القسم بـ"حياة القرآن"، أو "حياة النبي محمد" في مدرستنا، ونكتفي بالقسم بـ"حياة الرب".

    حين قالت لنا الراهبة مرة ان في استطاعتنا عدم الذهاب الى الكنيسة، وان نسأل اهلنا في الامر، قال لي والدي ان استمر في الذهاب معهم، ففعلت. اما شعوري بتواضع مرتبتي الاجتماعية، فلم يكن يراودني الا حين اتقدم من الدكان الصغير في ملعب المدرسة، فلا اجد ما اشتريه بـ"خرجيتي" الضئيلة. لكن تفوقي الدراسي، وما احاطتني به المعلمات والراهبات من عناية، وعزاء والدي الذي كان يقول لي ان الفقر ليس عيباً، ما دمت ستتعلم وتنجح وتتغير احوالك في المستقبل، كانت تقلل من وطأة شعوري بتواضعي بين اقراني التلامذة. ففي منتصف العام الدراسي الثاني استدعت الراهبة والمعلمات والدي الى المدرسة وهنّأنه لمواظبتي على دروسي وتفوقي في الصف، فواظبت على ذلك حتى نهاية المرحلة الابتدائية.

    في السنة الدراسية الاخيرة من تلك المرحلة، بزغت مراهقتي العاطفية، وصار اسم تلميذة من آل عبد المسيح وحضورها في الصف وملعب المدرسة، يملآنني بشعور غريب، كأني امتلك الدنيا كلها، كلما تردد اسمها في سمعي أو رأيتها. كان شائعا بين التلامذة تبادل صور القديسين، فرحت استطلع أياً من الصور تنقص التلميذة عبد المسيح، لتستكمل بها مجموعتها، وأجتهد في الحصول عليها واقدّمها اليها وأتقرب منها. كنت أطير فرحا كلما قبلت ان تأخذ مني صورة من دون مقابل. حتى انني تجرأت مرة واقتربت منها في ملعب المدرسة، قائلا لها انني ارغب في محادثتها على انفراد. حين ابتعدنا الى زاوية الملعب، فاجأتها وفاجأت نفسي بأن طبعت قبلة على وجهها الذي في صمتٍ تورّد كوجهي، وأحسست برجفة غريبة في جسمي كله، فيما كانت عينا كل منا جامدتين وتحدقان ذاهلتين في وجه الآخر.

    رواية محمد نبعة - كتابة محمد ابي سمرا


    النهار
    السبت 16 نيسان 2011


  6. #5
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    أجـزاء مـن سـيرة سياسـية: عـن بدايـة لا تبـدأ

    عباس بيضون


    في طفولتي. كان لكل زمرة من الأطفال ولد موجّه، يستشار في أمر اللعب ويختار للزمرة لعبتها. يوزع الأولاد كما يرى ويردّ الواحد الى مكانه إذا شعر بأنه يزوغ منه. كان الأولاد يصادقون على من يتصدى منهم لهذا الموقع ثم يختار هو من يريده للزمرة، انه النموذج البدئي للزعيم. كنت في زمرة من أقارب جمعتنا تلك الخشية من ان ترفضنا الزمر أو ذلك الحرج من ان يسوسنا زعيمها بالتهكم او الهزء فلسنا ممن ينصاع بسهولة، لا لتمرد في طبعنا وانما في الأغلب لخجل وتعثر يمنعاننا من ان نؤدي الأمر على وجه صحيح. نخشى من غلطة أساتذتنا وموجهينا أياً كانوا، ويجعلنا هذا الخجل أقرب الى ان نخطئ ونعثر. ثم اننا كنا غالباً من أسر يصعب وصفها بالشعبية، كان أبي متكلماً وأديباً وكان بعض أهل زمرتي يدلون بنسب مزعوم أو سعة في الرزق او مهنة منظورة. كنا في الحقيقة ابناء هوامش لم تستقر بعد على وضع فأهل النسب يشحب نسبهم مع الأيام وأهل الرزق يشح رزقهم وأهل المهن تتضاءل مهنهم. كنا غير أكيدين من امكنتنا ومواضع أقدامنا. في الحقيقة كنا في نوع من لا مكان. جمعنا الخوف من أمكنة قائمة، والعجز عن أن نتراتب في زمرة حقيقية. كان لبعضنا دالة على الغير لكنها لا تكفي لزعامة. وإذا وجد في نفسه داعياً للزعامة لا يجد من يُقرّ له بها، وإذا تسلط فعلاً فعلى واحد أصغر هو في الأغلب أخ صغير. لم يكن بيننا من يحسم والوصول الى الكلمة الأخيرة يتطلّب جدالاً وأحياناً تنازعاً، لم أكن في الغالب مبرزاً فيهما، فمثلي لا يكترث بأن تكون له كلمة في أمر قد تتساوى فيه الخيارات، يهمني ان ألعب ولا أتشبث بلعبة دون غيرها وبخاصة إذا شعرت ان التشبث عناد بحت او مماحكة غايتها الأولى إملاء النفس او الرأي. لم أكن غالباً صاحب رأي في شيء كهذا وأسعى غالباً الى تسوية ما. فأنا لا أفاضل كثيراً بين الألعاب ثم انني لا أجد هيناً عليّ أن أتشبث بشيء لمجرد أنه رغبتي. رغبتي لا تكفي سبباً للوقوف عند أمر إلا إذا كانت مقرونة بميل الى إملاء النفس لم يكن في طبعي. كانت لي أنانيتي بالطبع لكن التصدّر بأي ثمن لم يكن في مزاجي. فتصدر يؤتى بالصراخ وبالشغب ليس مستحقاً ولا أريده لنفسي. أريد لها أن تكون مستحقة ولا تحتال على ذاتها. الخلاصة أنني لم أكن طالب صدارة بأي ثمن، وإذا أحللنا لفظة الزعامة محل الصدارة بدا أني لم أكن طالب زعامة بأي ثمن. نحن الآن رغم كل شيء في السياسة، إذ لا يمكنني أن أفك السياسة عن طلب كهذا. لم يكن لداتنا من متزعمي الزمر لا يصلون الى الزعامة إلا بطلبها والإلحاح في ذلك وتقصّده كل مرة بالنزاع او الشغب او المماحكة. لم يكن هناك سوى ذلك من شرط لتزعمهم. قد يكون للجسم والطبع دخل في ذلك لكن الأولى هو للغريزة إذا كان لنا ان نتكلم عن غريزة للزعامة. لا يتساوى الأولاد في هذه الغريزة فهي ضعيفة في بعضهم او غالبهم. هؤلاء يجيبون على طلب الزعامة بالقبول والإذعان. لم يكن المتزعمون أقدر على سياسة الآخرين فليسوا أذكى ولا أوسع حيلة وليسوا دائماً أقوى جسدياً، فقد يكون بين أتباعهم من يفوقهم ذكاء وحسن تخلص بل وقوة جسد أيضاً. لكن هؤلاء ليسوا ببساطة طلاب زعامة. لن تكون مصائر هؤلاء الزعماء الصغار متطابقة بالضرورة مع أوائلهم. بعضهم انتهى بأوخم عاقبة في مصح عقلي او في أسافل المجتمع. بعضهم بقي زعيماً على زوجته وأولاده وليس له بغير ذلك صدارة او أولوية. وعدد منهم أبّنت ما بينه وبين السياسة منذ ذلك الحين. سيكون غريباً ان نعلم ان بعض الذين تربوا على اللعبة ووجدوها في الأساس هينة وغير ذات بال، إن الذين لم يطلبوا الزعامة ولم يكترثوا لها، أي انهم لم يكترثوا لسياسة الصغار كلها ولم تشغلهم بحال، ان بعض هؤلاء، وهو لا يزال على هذه الصفة، اشتغل بالسياسة بل وجدها على طريقة فكانت سياسته لذلك محكومة بشغف ليس في أصل السياسة ولا من شروطها. فقد كانت سياسة هؤلاء بدرجة أولى محاولة لفهم الذات ومغامرة أخلاقية، كانت السياسة عند هؤلاء تطهيراً من السياسة، بل هي الى حد كبير نقيضها. لا تكفي المحاكمة الأخلاقية التي تدين التحايل والتخابث والتخريج والتخلص والمواربة والمراعاة وهي عناصر لا ينفك عنها الخطاب السياسي، بل الأرجح أن خطابة اخرى حلّت محل خطابة وأقانيم حلت محل اقانيم. حل الشعب محل الأمة، وحرب الشعب محل التحرير ومحل الثورة واستبدلت البورجوازية الصغيرة بالطبقة العاملة، لكن المبدأ الأساسي وهو لا يختلف عن الحلول (أي الحلولية في الشعب والدولة والبروليتاريا) ظل هو نفسه، فالشعب والطبقة الكادحة هما مفهومان فوقيان نتماهى بالروح معهما، ونعزو إليهما قدرات هائلة على الخلق والتجديد. كنت من هؤلاء الذين ألّهوا التاريخ وما عناني من الماركسية أولا هو رؤية التاريخ كمعركة دائمة وقوة خلق اولى، وكأن امتلاك الزمن مرة واحدة والقدرة على تفسيره وتوقعه، هو ما بدا لي انه سحر الماركسية. كان الزمن ولا يزال عقدتنا ووسواسنا فمن ماضٍ ملحمي يملك كل مخيلة الملحمة، أي الإسقاط البطولي على شبه تاريخي الى شبه زمن، لا بد ان ملحمية التاريخ هي بعض ما عنانا من الماركسية، فامتلاك الزمن او القدرة على فك ألغازه كانا يمنحان سلطة على الحاضر العدو وقدرة على استعادة الماضي البهي. امتلاك الزمن كان بدون شك يطابق تعطشنا القاتل لنكون في وقت واحد في الحاضر والماضي، ونوجد هكذا في زمن مطلق تجعله ملحميته واتصاله فوق الواقع او خارجه. كانت السياسة بالنسبة لنا أقل من التاريخ، بل هي شر لا بد منه وعالة على التاريخ. إنها إجراءات وقتية ولا بد فيها من حسابات صغيرة، حسابات الوقت والظرف والإمكان، حسابات ما ينبغي ان يظهر وما يجب ان يختفي، وما نعلنه وما نوارب فيه، وما نراعيه ونسايره. كانت السياسة عندها يوميات العالم بينما التاريخ تحولاته. السياسة تسلسل واتصال والتاريخ قطع وتغيير، السياسة أداء والتاريخ ملحمة، السياسة نثر العالم والتاريخ شعره، نعم السياسة حكاية والتاريخ ملحمة. السياسة تراكم والتاريخ عاصفة. كان التاريخ بالنسبة لنا هو عشرة أيام هزت العالم هذه الأيام العشرة كنا نبحث عنها في ماضينا وماضي الآخرين، وقد نجدها وقد نخترعها لكنها على كل حال تبقى زمناً ليس من الزمن. إنه الزمن وقد تحوّل هزة وقد تضاعف وانقلب طاقة خالصة ودينامية صافية، الزمن وقد غدا فعلاً كاملاً، الكلمة وقد صارت قوة. لا بد أن السياسة التي عرفناها لم تزد عن ان تكون حرتقات الضيع وحراك مفاتيح الانتخابات وسير شيوخ العائلات والمتزعمين، لا بد أنها كانت جزءاً من ضجرنا اليومي وشيئاً من فراغنا المداوم ومن رتابة حياتنا وعارها. كنا نفهم من السياسة انها اللامعنى، وانها التكرار، وانها المراكمة الفارغة، وانها القشور والطلاء وانها البلادة وقلة الإحساس، وانها الحساب البطيء ان لم يكن الميت. نفهم من السياسة انها مرض حياتنا ونتأباها. ولم يكن هيناً علينا ان نسمي نضالنا سياسة ونجمعه بالسياسة جمعاً متعسفاً، من دون ان ننتبه او نهتم بأن ننتبه بأنه بمثابة النقيض للسياسة، وانه أيضاً نقيض للتاريخ، واننا لسنا في هذه ولا ذاك. سياستنا مبتورة منقطعة لا تواصل ولا تراكم فيها ومكاننا في التاريخ ضائع مجهول. لم ننتبه او نهتم بأن ننتبه الى اننا مجدداً كما كنا أولاداً، لسنا في أي مكان، وان ما نظنه مكاناً ليس سوى تجنب ومحايدة، ليس سوى ما نملأ به لامكاننا من تصورات وأخيلة، وأننا حين نتصادق ونلتقي وننخرط او نؤسس أحزاباً ومنظمات انما نستعيض بالشغف والتجمع والتواصل عما فاتنا ان نصيبه بالتدخل والعمل والتواجد الفعلي. كنا نبحث عن أشباه لنا وما ان نجدهم حتى تتكفّل الاجتماعات المتلاحقة والطويلة بتأسيس صداقاتنا فضلاً عن تعميقها. كان التنظيم يتحول إذاً الى رادار روحي كبير وبدون ان ننتبه يلبي لنا حاجات اجتماعية، يتحول شيئاً فشيئاً الى نوع من أخوية نتقاسم فيها، لا الطعام والشراب وحدهما، ولكن السهر واللقاء والتجول وتبادل المعارف والخوض معاً في أشياء نفهمها ولا نفهمها. في ذلك كله كانت السياسة تتحول الى شغف وتلهف وتعطش روحي، ولم يكن واضحاً لنا كيف نباشرها او نطرق أبوابها فقد كنا طوال الوقت على مقربة منها. كنا نفكر اننا لم نبدأ بها بعد، بل هي لم تبدأ بعد ونحن ماثلون إليها، حاضرون متأهبون في انتظارها كما كان هيديغر يتكلم عن الفكر. هذه البداية المرتقبة طالما تلهفنا إليها وطالما تقلبنا في تشوّقها وانتظارها وطالما أيقنا انها لا بد آتية، لكن أوقاتاً كانت تمر علينا نشعر فيها بأننا نتقلب في فراغ، واننا في صلب مغامرة دونكيشوتية لن تنتهي إلا بما يشبه تخيل المردة والعماليق ومحاربة طواحين الهواء. هذه البداية طال توقعها والأرجح انها لم تبدأ أبداً، كنا نواربها وندور حولها لكننا لم نصل في يوم الى عمقها ولم نجد السبيل إليها، حتى بدا لنا اننا لن نبدأ أبداً. ذلك ما ألزم البعض بالرحيل باكراً وألزم الآخرين برواية دونكيشوتية تماماً يتخيّلون فيها، أن اجتماعاتهم الموغلة في الطول واتصالاتهم المحدودة، حرب حقيقية.

    أما كيف فهمنا السياسة فإن مخيلتنا الملحمية أوجدت لها تصوراً بطولياً. كان مَثَلُنا سبارتكوس وهو يقود العبيد وبالأخص وهو يواجه إعدامه، فالبطولية لا تستحق اسمها ان لم تقترن بالخسارة وبالموت. هذا تصوّر غذته تربية شيعية ركنها الخسارة والشهادة، توجّت إمامة عليّ بضربة ابن ملحم وإمامة الحسن بكأس السم وإمامة الحسين بمقتله في كربلاء، فالبطولة التي هي غالباً صراع الوحيد ضد الجماعة لا تصحّ إلا وهي متوّجة بالخسارة والموت. إذا كانت السياسة كما يقال فن الممكن فإنها كانت بالنسبة لي ولصحبتي فن الانهزام والموت. لم يكن الربح غاية ولا النجاح فهما سبيل الفساد والتردي والتغيير ولا ينجح امرؤ إلا ويدير النجاح رأسه فينقلب على بداياته ويرتدّ عليها، وإذا عدنا الى التربية الشيعية فهمنا كيف يجازي البطل بالخذلان وكيف يسلمه هذا الخذلان الى نهاية تراجيدية. لم اكن متديناً ولا صحبتي وبالعكس تطاير منا رشاش ضد الدين كما تطاير رشاش ضد الدولة وضد العائلة وضد التقليد. كان هذا رشاشاً فحسب ففي الداخل كان التاريخ المعذب لأئمتنا الشهداء يتواصل في نفوسنا. كانت القضية، هذا الاسم الغامض لشيء أكبر منا نستمرّ بموتهم وبهذا الموت تزداد نبلاً وفتنة وديمومة. لقد ورثنا هذا التاريخ للسلبي وذلك الجواب بالنفي وتلك الخسارة المتمادية. كانت حمل القضية أهم من نجاحها غير المضمون، وفك لغز هذا الزمن الخوان العامر بأسباب الغدر أقرب بكثير من تبديله وتغيير وجهته. كانت المعرفة بغيتنا لا الكسب ولا الانتصار. كان علينا ان نفهم سر تقلب الأحوال والدول لا تغييرها وتشييد سواها.

    كانت الاشتراكية على سبيل المثال قضيتنا لكنها كالإمامة بلا زمن معلوم ولا يعنينا من أمرها إلا أنها قضيتنا ولا نقدر إمكانها او تحققها. يكفينا أنها قضيتنا ولا بأس من أن نحملها كالإمامة من جيل إلى جيل. لم نفكر في شروطها وأدواتها بل كنا في شبه يقين من استحالتها. ذلك لم يثننا عنها ولربما ضاعف هتافنا لها وتغنينا باسمها، حتى إذا قامت الحرب الأهلية وأطاحتنا في جملة ما أطاحت، تحققنا من ان قضيتنا لم تكن سوى فقاعة وأوقعنا هذا في إلحاد ثان أو ثالث. عندها تأكد لنا أننا نبيت ونعيش على غير قضية. وأورثنا هذا كآبة لم تنقشع عنا إلى الآن.

    كانت قطيعتي مع أهلي وأسرتي وجماعتي ومنطقتي كما هي الحال مع كثيرين من جيلي هينة، لقد كانت تحرّراً وخفة محتملة. لم نشعر بأننا خرجنا من محيطنا وناسنا إلا حين تأكد لنا ارتياب أوساطنا فينا وضعف تأثيرنا فيها. إذ ذاك بدأنا ندفع ثمن هذا الخروج الذي من المستحيل تداركه. فهمنا أن هذه الخفة وفرت لنا قدرة على الحراك لكن إلى أين وفي أي مكان؟ لم ننعم طويلاً بتحررنا إذ بدأنا نشعر بضآلة أوزاننا وافتقارنا إلى فضاء كاف. كنا هكذا في لا مكان ولا بد أن هذا اللامكان جعلنا نستسهل حجز أمكنة لنا في المستقبل، فكنا اشتراكيين وقوميين وعروبيين حسبما تقضي المناسبة. كان اغترابنا هذا يشطّ بنا إلى التماس اغترابات أوسع فكان هذا الكائن الصغير الذي تجرد من كل صفاته ومتعلقاته يحوم في فضاءات أشمل وأرحب بدون أن يدري أنه يوغل أكثر فأكثر في اغترابه ويداوي اغتراباً باغتراب أعمّ.
    [[[

    كان انتمائي في الثالثة عشرة من عمري إلى الحزب الشيوعي ثمرة نقاش خسرته مع صديق لي في الثامنة عشرة. كان ذلك بعيد انتفاضة 1958 على الرئيس كميل شمعون، وقبيل المؤتمر العشرين الذي انتقد الستالينية، وإبان خلاف جمال عبد الناصر مع الشيوعيين العرب، وفي عهد دولة الوحدة العربية بين مصر وسوريا التي سرعان ما انفصمت. كنا في مفصل سياسي بيد أن هذا الازدحام لم يوات الحزب الشيوعي الذي ضاع فيه تماماً وجعله النبذ الجماهيري إثر الخلاف مع عبد الناصر مشلولاً أو كالمشلول. كان أكثر ما تعلمناه هو طقوس الاجتماع الحزبي، طقوس السرية التي تقضي بأن نتوافد إلى الاجتماع في أوقات متباينة ومن جهات متباينة، اما الاجتماع نفسه فكنا لا نفعل فيه شيئاً. كنا تلامذة وطالبنا بشيء من التثقيف بيد أن الحزب كان صفراً من المثقفين ووعدنا بأن نتلقى دروساً في تاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي، لكنه وعد لم يتحقق. كنا في بطالة لم تلبث أن تحولت إلى برم جرّ تقاعساً. هكذا بدون أي سبب واضح توقفت الاجتماعات ولم يعن هذا خروجنا من الحزب الذي بقينا فيه وبدون علمنا وإلى أمد غير معلوم.

    لن أعود إلى العمل الحزبي الا بعد عشرة أعوام. كان نقد الستالينية قد رسخ خلالها وجر معه نقد التجربة السوفياتية بالكامل، وكانت التروتسكية والماوية قاعدتين لهذا النقد، وصار نقد البيروقراطية وهيمنة الحزب الواحد ونشوء طبقة حزبية مسيطرة من شبه البديهيات. انعكس هذا على نقد ممارسة الحزب الشيوعي اللبناني وعقدته تحالفات الحزب وتقديره للعلاقات الطبقية في المجتمع اللبناني ناهيك عن تبعته للاتحاد السوفياتي. عدت إلى عمل حزبي هو هذه المرة خارج الهوية التقليدية فهو أقرب إلى الانشقاق والهرطقة، كان عملاً يناسب جملة مبادئ تجمعت لي أثناء عطلتي الحزبية. كانت الحرية حرية الفكر وحرية الفرد وحرية القاعدة وحرية الجسد عنوان ثورة مؤجلة، فيما كان المتاح لا يزيد عن نقاش على قارعة الطريق مع مرشح للاتصال الحزبي، وتسلل إلى داخل معمل او محترف في ضاحية بيروتية أو قرية نائية.

    كانت منظمة العمل الشيوعي في لبنان ثمرة تأزم ثلاثة أحزاب قومية ويسارية، حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي. هزيمة، الـ67 شكلت التحدي الذي لم تستطع التنظيمات الثلاثة الجواب عليه بل كانت بتحالفاتها أو سلطاتها جزءاً من خسارة التحدي. من الممكن بالطبع العودة تفصيلياً إلى سجال تلك الآونة. غير ان الرياح حملته بعيداً. لم يبق من الثورة القومية والثورة الاشتراكية الا ذكريات شبحية، حوصرت الثورة الفلسطينية في كل مكان انتقلت إليه وسلمت بوجود عدوها الذي لم يبادلها بالمثل، اما النظم الاشتراكية فتحولت إلى استبداديات كونت بنفسها طبقتها الخاصة واستغلت الدولة لذلك مستثمرة أسوأ ضروب الفساد والتسلط. أما الحلم القومي فانتهى إلى وصايات وتحكم من الكبير بالصغير، لم يبق للعمل الاشتراكي والعمل القومي النسخة التي بدا في يوم أنها متاحة مفتوحة.

    لو تمعنا في اسم منظمة العمل الشيوعي في لبنان لاحترنا قليلاً تجاه عبارة في لبنان. فلماذا لم تكن منظمة العمل الشيوعي اللبناني مثلاً. من الواضح ان في لبنان تفتح المجال لغيَّات أخرى وبالفعل نشأت منظمة عمل شيوعي في سوريا لقيت مصيراً فادحاً. في هذه كانت الضامن للبنانية التنظيم بدون الجمود عند هذه اللبنانية وتحويلها إلى مبدأ ثابت وأقنوم. لم يكن انتقال المقاومة الفلسطينية إلى لبنان عارضاً بالنسبة إلى المنظمة فهذا الحدث كان سبباً في وجودها، بل كان وجود المنظمة بالدرجة ذاتها التفافاً على هذا الحدث وتصدياً له. اسم المنظمة يوحي بالخشية من ان يجرف هذا الحدث لبنان ولبنانية العمل السياسي، انه توكيد على هذه اللبنانية بدون اقنمتها واعتبارها جوهراً. توكيد على استقلالها وانفرادها. في لبنان مراوحة بين الداخل والخارج. دينامية بين لبنانية الحركة وعروبتها. أي انها فرض استقلال مفتوح.

    كانت المنظمة رغم استقلالها النظري ولبنانيتها المتهاودة واستلهامها الأوروبي تستند بالدرجة الأولى إلى دخول المقاومة في الواقع اللبناني. كانت لبنانية لكنها تريد ان تستثمر وجود المقاومة لبلورة هذه اللبنانية وإيجادها في الأساس مع ما في ذلك من مفارقة. لم يكن الواقع اللبناني ثورياً في نظر المنظمة فهذا الواقع يعاني من تكلّس سببه الاستفادة من كل الكوارث العربية فقد استفاد لبنان من سقوط فلسطين وقيام الأنظمة العسكرية واكتشاف البترول، وانتفاعه هذا جعله عصياً على الثورة. كانت المقاومة الفلسطينية بالنسبة إلى المنظمة أداة لتفجير الوضع اللبناني من الداخل وإلحاقه بالعمل الثوري. هذه النظرية كانت نظرية الحرب الأهلية بالكامل، لقد أدى دخول المقاومة الفلسطينية إلى تفجير الوضع اللبناني وعرّضه لحرب أهلية طاحنة بدا لوقت طويل انها لن تنتهي. تفجر الوضع اللبناني وتشظّى لكن الثورة لم تكن تنتظرنا كما حسبنا على الطريق، انتجنا نظرية الحرب الأهلية لكنها لم تكن بحاجة إلى نظرية لتقوم. أنتجنا النظرية ولحسن الحظ توقفت مساهمتنا هنا. فقد كنا ثانويين للغاية في هذه الحرب.

    لم يصدمنا الانشقاق الأول. كان صغيراً واعتبرناه تكتلاً شخصياً، لم يخطر لنا أن التوكيد على لبنانية التنظيم المفتوحة وسط حرب، يستحيل فرز لبنانيتها من عربيتها، سيستفزّ بعضاً من منظمة الاشتراكيين اللبنانيين التي تولّدت من حركة القوميين العرب. فاجأنا هذا الانشقاق لكننا لم نعتبره إنذاراً. لم نفهم ان استقلالية التنظيم ستلقي عليه عبئاً باهظاً في حرب لها كلفتها إن على مستوى التفرغ او مستوى التسليح، كان لا بدّ من سند عربي او فلسطيني لكن هذا السند لن يدفع بدون ثمن سياسي.

    كان الداعي للمؤتمر الأول والأخير للمنظمة ما اعتبر آنذاك فوضى تنظيمية. كان التنظيم دوامة نقاش لا يهدأ، صاعد هابط يخترق المراتب كلها، يصعد من الأدنى إلى الأعلى ويهبط من الأعلى إلى الأدنى بدون أن يتوقف للحسم في أحدهما. بدا التنظيم لذلك منتدى نقاش مثابر وليس لأي من حلقاته سلطة عليه. كان هذا أبعد ما يكون عن المثال البلشفي، وهال كثيرين من منظميه ان يكون جوّاً ومناخاً أكثر مما هو نواة حديدية. فالبعد عن المثال اللينيني غير مغفور في أي ظرف ولا يبرره ان الانتظام البروليتاري يحتاج إلى بروليتاريا كانت مفقودة تماماً في قاعدة التنظيم وبقية حلقاته. لا يبرره ان التنظيم كان في حقيقة أمره أقرب إلى نادي مثقفين يساريين وكان بوسعه على هذا الشكل ان يكون نافعاً بل وفاعلاً لا كحزب بلشفي بالضرورة، ولكن كمختبر نظري وورشة فكرية. كنا بلاشفة بالنية والتهيؤ والمركزية الديموقراطية كما عبر عنها لينين حجة قاطعة ولا مجال للأخذ والرد معها. لذا استبدّ العجب حين تجاسرت خلية في التنظيم على نقض هذا التنكر البلشفي. أظنها خلية انغلز وأظنه حسن قبيسي الذي كتب تقريراً مفاده ان التنظيم لقاء مثقفين وما يجري فيه يغلب عليه مزاج المثقفين وتنافسهم، فليس علينا ان نبحث في خلافاتهم عن مدلول طبقي او نحكّم فيه قاعدة لينينية كالمركزية الديموقراطية. قال التقرير ما مفاده أيننا من التنظيم البلشفي لنطبق قواعده. لم يطرح مسألة التظاهر البلشفي برمتها، لم يتساءل عن مدى مناسبتها للتنظيم بل للعمل السياسي اليساري في جملته عندنا. قال ان التنظيم تنظيم مثقفين والصراعات في داخله لا تزيد عن مباريات المثقفين وتنافسهم. بدا هذا الكلام في عز تمثل التجربة البلشفية سطحياً وبلا سند، بل بدا وكأنه ينسى الفباء الماركسية، اذ كيف يمكن للأفكار ان تتصارع على غير طائل وبدون عواقب طبقية وسياسية، انحشر تقرير انغلز في هذه الزاوية ومنعه التقليد اللينيني عن الخروج منها، فبدا موقفه ضعيفاً وكأنه يقدم صراعاً للأفكار على صراع المصالح. قال التقرير إنها مباريات مثقفين والحقيقة ان التظاهر البلشفي انتصر في هذه المباراة. في أول ممارسة للمركزية الديموقراطية واجه المكتب السياسي قيادة القطاع العمالي ولا يخدعنا الاسم فقيادة القطاع العمالي كانت من صنف الأساتذة الذين كان منهم المكتب السياسي. مباراة المثقفين كانت هنا لكنّ المكتب السياسي استعمل سلطته بمجرد ان امتلكها، جمّد قيادة القطاع العمالي فانتصر له نصف التنظيم وكان الانشقاق الثاني الذي أطاح بهذا النصف. هكذا اختنقت في مهدها تجربة فريدة حقاً لو توفر لها مزيد من الصبر ومزيد من الحس بالواقع. لكان أمكن لتنظيم المثقفين لو اعترف بحقيقته ان ينتج كثيراً في هذا الحقل فقد أنتج في وقت قصير. كانت العبارات والحركات والمفاهيم تنتقل فيه بسرعة كبيرة حتى كأن كوادره تتلقى التربية النظرية إياها وكأنها تغدو في مدى أشهر مشكّلة من عناصر متقاربة متشابهة. كانت تجربة المنظمة فريدة بهذه القدرة على التربية النظرية فحسب، ولكن أيضاً باستقلالها الحقيقي. لم يجعلها نقد التجربة السوفياتية تنحاز إلى الصين الماوية بدون شروط، فحين أيّدت الصين النظام المصري والنظام السوداني الذي ذبح الشيوعيين انتقدتها بدون هوادة. كانت فريدة أيضا بديموقراطيتها الداخلية التي أتاحت لكل خلية ان يكون لها موقف وأن تعممه على التنظيم كافة وأن تحظى بمناقشته في كل المستويات، أما مثقفوها فامتازوا فعلاً عن ذلك بأخلاقية تترفع عن الأداء البيروقراطي والتزعم الرخيص.

    لم تكن المركزية الديموقراطية وحدها تدخل في التظاهر البلشفي بل كان التقرير السياسي للمؤتمر الأول والأخير نفسه خلاصة لهذا التظاهر إذ جمع فتات التجربة القصيرة للتنظيم في المجال العمالي، وهي تجربة تتّصل بمعامل قليلة في بيروت والجنوب ليستنتج منه خارطة طبقية كاملة، بل ليستنتج منها الوضع اللبناني المرئي في حدود المواجهة الطبقية المحتملة علماً بأن هذا التقرير صيغ والبلد على اعتاب الحرب الأهلية. كنا نفتش عن بدايات ونريد لهذه البدايات ان تبدأ منا. أن تكون تجاربنا الصغيرة والمختلفة أحياناً هي البداية. أظن ان هذا ظل زمنا طويلاً علة سياستنا فسياستنا كانت ذلك الحين بحثاً عن بداية لا تبدأ. كنا نتخيل هذه البداية او نختلقها لكننا لا نلبث ان نعود إلى نقطة الصفر. هذا ما جعل السياسة لعبة ميتافيزيقية، انها كن التي لا تكون، او انها ضرب من العبث. انها حراك في مكانه ولا يتحول إلى انتقال، نوع من مراوحة لا تخطو ولا تتغير. كنا نخاطب شعباً لم يتكوّن بعد، وجمهوراً لم يتحقق وطبقة لم توجد. كان علينا أن نجد الشعب أولاً أو نجد الجمهور أو نجد الطبقة. كان هذا بالطبع محالاً، لكن هناك فسحة للخيال بأننا فعلناه وأن اتصالات قليلة بعمال تخلق الطبقة العاملة، وإضراباً صغيراً يخلق التاريخ. كنا هكذا نراكم اجتماعات واتصالات لنفهم في لحظة مؤاتية او غير مؤاتية اننا لم نفعل شيئاً، وإننا لا نزال على العتبة وسنبقى على العتبة، فثمة قوة شبه ميتافيزيقية تمنعنا من تجاوزها وتبقينا صامدين او جامدين عليها.

    كان الرأي الواحد يطرد غيره أو يخرج الرأي الآخر حين لا يجد مكاناً لنفسه، هكذا خرج أنصار الصين حين انتقدت قيادة التنظيم سياستها. كان في وسع هذه الأفكار أن تتجاور وتتسالم لولا أن المركزية الديموقراطية كانت تنصّب قيادة واحدة على تنظيم يسير إلى الخواء بسرعة ويفقد أسبابه ووجوده. لم ترد المنظمة أن تكون نادي مثقفين لكنها أتاحت لأضرى حروب المثقفين أن تعصف فيها. اليوم لا ندري اين صارت المنظمة، أظن أنها موجودة في عشرات الخارجين منها الذين يساهمون الآن، كل من موقعه، في صناعة الثقافة في لبنان. لقد كانت المنظمة طوراً من أطوار الثقافة اللبنانية بل يسعنا القول إنها أشرت إلى طور جديد في الثقافة اللبنانية. لا بد أن لها سهماً واضحاً في التفات هذه الثقافة إلى الواقع اللبناني وفي العكوف على تفصيله وأرشفته، ولا بد أن لها سهماً في خروج الثقافة من سبحانيتها وسماويتها وعودتها إلى كثافة الواقع وتعقيده وتناقضاته. يمكننا ان نجد ذلك في الفكر كما نجده في الفن، كانت المنظمة رافعة تحول ثقافي ساد بعد عقود من هيمنة روح نبوية أو مفارقة، ولا بد انها بذلك قدمت الكثير إلى الحداثة العربية.


    [ نص محاضرة ألقيت في الجامعة الأميركية في بيروت ضمن برنامج أنيس المقدسي

    السفير

    الجمعة 10 6 2011

  7. #6
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default

    حكاية عن أيتام الثورات والحروب القديمة ورحلاتهم البرية

    من العرقوب ومرجعيون إلى العيشيّة وساحة الأمراء اللمعيين في المتين


    تروي هذه السطور مشاهد من رحلات الاقتلاع والهجرات في أيام الحرب في لبنان. والراوي كان فتىً من قرية جنوبية في تلك الأيام، وأخذته فتنة السلاح والمقاتلين الأوائل في حرب الستين (1975 – 1976).

    في نهار مشمس وقارس البرد من نهارات شتاء 1977، مشيت في جنازة صديقي اليتيم الأب في ضيعتنا شبعا التي كنا تلميذين في مدرستها الرسمية، وانضوينا، مذ كنا في الرابعة عشرة من العمر، خريف 1975، في تنظيم محلي فتحاوي (نسبة الى حركة "فتح") قروي ومسلح. في ظهيرة ذاك النهار، حين وصلت سيارات قليلة وتوقفت قرب الجامع، خلف سيارة إسعاف حملت جثمان صديقي من الشياح في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث قتل، لم أكن أتخيل ألا يأتي في موكب تشييعه أي من الشبان الخمسة الذين أسسوا التنظيم، بعدما هجّرتهم الحرب من بيروت وضاحيتها الى ضيعتهم في مطالع حرب السنتين (1975 – 1976)، وعلى أيديهم وفي صحبتهم عشقنا الثورة وسلاحها، نحن فتيان الضيعة المقيمين.

    في نهايات ذلك الخريف (1976)، وهو خريف تنظيمنا الفتحاوي وحصاره وانهياره، غادر مؤسسوه الخمسة الضيعة، يائسين وشبه هاربين تباعاً، الى معسكر لفدائيي "فتح" قرب قرية أبو قمحة، المسيحية الصغيرة وشبه المهجورة، في وادي الحاصباني. وفي ذلك المعسكر – حيث كانوا التقوا، قبل أكثر من سنة، المسؤول الفتحاوي الفلسطيني، أبو خالد العملة، فزودهم بالسلاح – مكث كل منهم أياماً يشرب حليب الماعز في صباحاتٍ خريفية كئيبة، قبل فراره الى بيروت. تباعاً فروا سيراً على أقدامهم من مزرعة برغز على رابية تعلو وادي الخردلي السحيق الوعر، للوصول الى مدينة النبطية، مروراً بقرية العيشية المسيحية التي هاجمتها قبل يومين أو ثلاثة، قوات "فتح"، واحتلتها، في مقابل قيام "جيش لبنان الجنوبي" المسيحي بالسيطرة على مدينة مرجعيون، وإقامته حواجز عسكرية على الطريق بينها وبين النبطية في وادي الخردلي. أما وادي الحرير وطرقه بين حاصبيا والبقاع العربي، فسيطر عليه الجيش السوري، وصار المشتبه في أنهم من أنصار "فتح" ومنظماتها الحليفة، يتعرضون للإعتقال إن سلكوا هذه الطرق، حيث أقامت المخابرات السورية ومنظماتها المحلية الحليفة، حواجز لها عند تقاطعات كفرمشكي.

    من مزرعة برغز انطلق صديقي مع خاله، منحدرين نحو وادي الخردلي. كان كل منهما يحمل بندقية كلاشنيكوف، فاجتازا نهر الليطاني خائضين في مياهه الغزيرة السريعة في قعر الوادي، واضعين نصب مخيلتهما وحدسهما الجغرافيين الوصول الى قرية العيشية التي كانا رأياها قريبة على سفح جبل الريحان، قبالة مرجعيون، قبل انحدارهما الى الوادي. الضباب الكثيف الذي غمر الجبل ما ان بدأا الصعود من أسفله، غيّب عن بصريهما الاتجاهات ومحا المسافات والمعالم، إلا القريبة من حولهما، فمشيا صاعدين نحو السفح، مهتديين بمعالم تلك الدروب البرية التي اختطتها أقدام البشر والرعاة والقطعان. قبل انحدارهما من برغز التقيا رجالاً صاعدين، فسألاهم عن الدروب التي يمكنهما سلوكها، وعن الوقت اللازم للوصول الى العيشية، فحذرهما الرجال من مسلحين من أهلها المسيحيين، هربوا منها وانتشروا في الجبل والوادي وفي المزارع، قاصدين اللجوء الى مرجعيون. بعد ساعتين أو ثلاث من مسير واصف وخاله، ضائعين في جبل الريحان، من دون أن يطلا على مشهد قرية في البعيد، كي يتجها إليها، كانت شدة المطر والبرد والتعب والخوف واليأس قد جعلت قوة واصف وإرادة الحياة في جسمه وروحه أوهى من خيط عنكبوت.

    أتخيلهما الآن يواصلان السير على تلة، بعدما توقف هطول المطر. لن نتوقف، ولن أدعك تتوقف هنيهة واحدة عن المشي، قال له خاله في نبرة مهددة، قبل أن يلمح على منقلب التلة، غير بعيد منهما، ما يشبه بيتاً حجرياً صغيراً، أو زريبة، فتوقف والتفت الى واصف محدقاً في وجهه كاتماً خوفه. من دون أن يقول كلمة واحدة، تناول بندقيته عن كتفه وأطلق منها رصاصات متقطعة في الهواء، كأنه من خوفه ودفعاً للخوف أطلق الرصاصات وركض في اتجاه البيت. كان بابه الخشبي العتيق مفتوحاً، فدخل منه الى ما يشبه مطبخاً، لم يميز إن كان خرباً مهجوراً أم مهملاً، إلا عندما أبصر على أرضه كانوناً تتصاعد من كومة جمر فيه ألسنة لهب صغيرة برتقالية اللون. مسرعاً تجاوز المطبخ الى الداخل، فرأى في غرفة صغيرة كومة ثياب بالية على سرير صغير عتيق، فحدس أن البيت الحجري كوخ في مزرعة من مزارع العيشية المسيحية، وأن صاحبه كان هنا وغادر، بعد توقف المطر، هارباً الى مرجعيون، أو أن مقاتلاً من العيشية هرب منها بعيد احتلالها أمس، فمكث ليلة في الكوخ وأشعل في الصباح حطباً في الكانون، ثم غادر الى مرجعيون بعد توقف المطر. حدسه هذا، وما أبصره في الكوخ، ذكراه بما كان واصف قد رواه عن دخوله الى بيت على أطراف مرجعيون، فيما كان "جيش لبنان الجنوبي" يتقدم لاحتلالها قبل أيام. كان واصف آنذاك مع مجموعة من مسلحي "فتح" القرويين يكمنون خلف حائط حجري في كرم تين منبسط، حينما راح أزيز المدافع الرشاشة يقترب غزيراً من مكمنهم، ففروا منه متفرقين في اتجاهات مختلفة، فور توقف أزيز الطلقات فوق رؤوسهم. في اتجاه بيت بعيد، هو أول بيوت مرجعيون على طرف كروم التين، ركض حاملاً بندقيته الكلاشنيكوف. أخذ البيت الحجري العالي الذي ثبتّ عليه بصره، يتأرجح مهتزاً على إيقاع قفزاته السريعة في الكروم وعن حيطانها. حين وصل الى مدخل البيت، وسمع صوت إنخلاع بابه الخشبي، بعدما دفعه بكتفه بكل ما في جسمه من خوف، إنتبه الى أن سمعه كان معطلاً تماماً، وكذلك إحساسه بجسمه، قبل أن يلفحه الهواء البيتي الراكد تمازجه روائح تخيل انها تملأ بيوت المسيحيين المهجورة في مرجعيون.

    أنا، بعد سنين، أثناء مشاركتي في الهجوم على قرى شرق صيدا المسيحية، عادت فجأة الى ذاكرتي صور عن البيت الذي هرب اليه واصف واختبأ فيه ساعات قبل عودته من مرجعيون الى شبعا: الغبار على البلاط الملون القديم، أشباح الستائر المتهدلة الفائضة عن مساحة النوافذ في الجدران العالية، حركة بندول الساعة الخشبية الكبيرة المعلقة على جدار الممر الواسع المؤدي الى الصالون، ثياب النساء في خزائن غرف النوم... والجملة الوحيدة التي لا أزال أتذكرها من كتاب حمله واصف من ذلك البيت، وأتى به الى شبعا: "وإلياس والأجراس سالت على آحاد مرجعيون".

    بعد توقف الحرب، قمت في مطالع تسعينات القرن الماضي، برحلة مع مجموعة من هواة المشي في الدروب الجبلية العتيقة، فانطلقنا من بعلشمية، أسفل مدينة بحمدون، وهبطنا في منحدرات وادي لامارتين. قبل وصولنا الى قاع الوادي، مررنا في قرية خربة مهجورة علمنا أن اسمها رأس الحرف، وتكثر على جنبات بيوتها المهدمة أشجار التين المهجورة التي ما أن مددت يدي الى غصن شجرة منها، لأقطف عنه كوز تين ناضجاً أغواني منظره، حتى حضرتني، فجأة، ذكرى صديقي الميت، واصف، في مشهد خروجه مع خاله من كوخ المزرعة المهجور في رحلتهما بين مرجعيون والعيشية. كان يحمل في يده قبضة من التين المجفف، قال إنه عثر عليها في صندوق في زاوية مطبخ الكوخ، غير بعيد من كانون الجمر الذي قعد قربه يتدفأ.

    حين خرجا من الكوخ، رأيا على بعد أمتار منه رجلا مسناً ضئيل الجسم على ظهر حمار قصير القوائم صغير الحجم، واقفاً في خلاء بين صخور وشجرات برية متباعدة. فجأة، ومن دون مقدمات، سأل خال واصف الرجل قائلا له: لوين رايح يا حج؟، ومن دون أن ينتظر منه جواباً، سأله ثانية: من أين طريق العيشية، كيف نصل الى العيشية، هل هي بعيدة؟ في صوت مختنق سألهما الرجل: منين الشباب البركة؟ من مرجعيون، جاوبه خال واصف، ثم ألح عليه في السؤال عن العيشية والطريق المؤدية اليها. أشار الرجل بيده الى تلةٍ صخرية جرداء، قائلا إن العيشية في منقلبها وغير بعيدة، وإنه أتى منها، ولم يبقَ فيها من أهلها سوى نساء ورجال مثله، وحذرهما من الذهاب اليها، لأن الفدائيين الفلسطينيين احتلوها، وسوف يقتلانهما، وهم قتلوا منها شباناً ورجالا، وهجّروا سكانها الذين هربوا تاركين قتلى في البيوت وعلى الطرق بين البيوت. الله يعطيك العافية يا حج، الله يعطيك العافية، قال خال واصف للرجل المسن على ظهر حماره، ثم أطلق من بندقيته رشقا من الطلقات في الهواء ومشى، مشيرا الى واصف أن يتبعه.

    وصلا الى أسفل العيشية قبيل الغروب، فاهتديا الى طريق اسفلتية وسارا عليها. أمام بيت الى جانب الطريق، أبصرا من بعيد أشباح رجال يتحركون كظلال في ضباب يغشاه ضوء الغروب الشتوي الشحيح. وقفا للحظات، ثم اقتربا حذرين متباطئين، بعدما أنارت أجزاء من أجسام الرجال نيران تتصاعد من صفيحة معدنية متحلقين حولها يتدفأون، ملثمن وحاملين بنادق، فأيقن واصف وخاله أنهم من مقاتلي "فتح"، قبل أن يصرخ أحدهم عليهما ويأمرهما بان يقفا في مكانهما، ففعلا، ثم صرخ خال واصف قائلا إنهما مثلهم من "فتح"، وقادمين من مرجعيون ومن معسكر ابو قمحة. وبعدما أبرزا بطاقتيهما العسكريتين لرجال الحاجز، قال لهم خال واصف إنهما يريدان مقابلة المسؤول السياسي يحيى رباح. دلهما أحدهم الى مقر المسؤولن فسارا اليه، فإذا به منزل حجري كبير على الطراز المعماري القديم المسقوف، بالقرميد، ويقع في جانب من ساحة العيشية، كالمنزل الذي كان المسؤول نفسه يتخذه مقراً له في مرجعيون التي غادرها قبل أيام من هجوم "جيش لبنان الجنوبي" عليها.

    بعدما توقفت الحرب، وفي ظهيرة نهار أحد خريفي من مطالع تسعينات القرن العشرين، تذكرت فجأة صديقي واصفاً وخاله ويحيى رباح والمنزلين اللذين كانا اتخذاهما مقراً له في ساحتي مرجعيون والعيشية. تذكرتهم حينما ترجلت من سيارتي العتيقة في ساحة بلدة المتين الفسيحة والمهجورة على سفح جبل صنين، ورأيت على جنبات الساحة خرائب القصور القديمة التي تعود الى أيام الإمارة اللمعية المتنية، فوقفت دقائق محدقاً في الجدران الحجرية المشغولة المطرزة. كنت آنذاك في طريقي الى زحلة، مجتازاً الطرق نفسها التي سلكتها، في مطالع العام 1976، حملة "فتح" العسكرية على مدن وبلدات وقرى في جبل صنين، منطلقة من قواعدها في العرقوب بقيادة أبو خالد العملة الذي سلّح "تنظيمنا الفتحاوي" في شبعا عشية زحفه ومقاتلي كتيبته العسكرية الى صنين.

    بعد مغادرته شبعا مع خاله في رحلتهما من مرجعيون الى العيشية، فالنبطية، فبيروت، تفرغ واصف عنصراً مقاتلا في "فتح" وأقام في مقر لها بحي المصبغة في ضاحية بيروت الجنوبية، لقاء راتب شهري قدره مئة وخمسين ليرة لبنانية. كان الحي الفقير وشبه العشوائي مكتظاً بأهله وبمهجري حرب السنتين 1975 – 1976) من النبعة وتل الزعتر. والى تردده على بيت خاله في شارع أسعد الأسعد القريب من حي المصبغة، أخذ واصف يحرس مقر "فتح" في هذا الحي الذي أخذت المنظمات والجماعات العسكرية والأهلية التابعة للنظام السوري ومخابراته – مثل "الصاعقة" و"أمل" و"قوات الحسين الانتحارية" و"القيادة العامة" – تستعيد نفوذها الأمني والميليشيوي فيه وفي غيره من أحياء الضاحية الجنوبية. وإضافة الى كوكتيل جماعات "فتح"، لم يكن يغيب عن هذه الأحياء حضور "الجبهة الشعبية" و"الجبهة الديموقراطية" اللتين تضيفان الى إسميهما هذين عبارة "تحرير فلسطين"، وحضور "جبهة التحرير العربية" التابعة للنظام العراقي، ناهيك عن جماعات الأحزاب اليسارية اللبنانية. وبين هذه الغابة من الأسماء وزمرها المسلحة، اندلعت مطاردات واغتيالات ليلية ونهارية، لم توفر بعض العابرين من مصادفات القتل المجاني في الشوارع. بعد منتصف ليل من ليالي شتاء 1977، قُتل صديقي واصف أمام مقر "فتح" في حي المصبغة، فترك لي صمت حياته المديد وبعض حكايات حوّلها موته صوراً أبصرها في مناماتي، وأرويها كما تُروى المنامات.

    حين وصلت سيارة إسعاف حاملة جثمانه من الشياح الى شبعا، لم يأتِ خاله مع مشيّعيه في موكب السيارات القليلة التي توقفت أمام الجامع. نحن فتيان "فتح" وأيتامها في الضيعة، حملنا بنادقنا وأطلقنا منها رشقات نارية متقطعة في الطريق الى المقبرة. لكن تلك الرشقات كانت الأخيرة التي أطلقناها مجتمعين، قبل أن تتشتت مجموعتنا وسلاحها الفتحاوي أيدي سبأ، على أهوائنا، أو على نعرات ونكايات عائلية في ضيعتنا. اما خال واصف، فعلمت لاحقاً، بعدما أخذني يتم ثورتنا الى بيروت، أنه مزّق بطاقة انتسابه الى "فتح" في كافيتريا كلية العلوم، قبل نحو شهر من مقتل ابن أخته في تلك الليلة الشتوية. مزقها بعد استماعه في الكافيتريا الى أغنية لفيروز، ثم أخذ يردد مطلع "قصيدة" كتبها وأنشدها في احتفال بذكرى مرور أسبوع على اغتيال شاب جامعي "فتحاوي" يدعى "أبو العز"، برصاصات أطلقها عليه أحد مسلحي "الصاعقة"، فأرداه في الشارع، بعد خروجه من مكتبةٍ في شارع أسعد الأسعد في الشياح.


    محمد أبي سمرا


    النهار
    الأحد 28 آب 2011





  8. #7
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    حكاية نشوء حي أو زاروب الطمليس في بيروت

    أرض هجرات ونازحين من مصر وسوريا وفلسطين وجنوب لبنان


    محمد صالح أبو الحمايل


    حي الطمليس الكائن اليوم على تلة ومنبسط ضيق ما بين دار الايتام الاسلامية ومستشفى المقاصد الاسلامية وكورنيش المزرعة في بيروت، كان هضبة خالية قبل ازدهار مرفأ بيروت في أواخر القرن التاسع عشر. في البداية حلّ على الهضبة مهاجرون مصريون خالطوا بعض فقراء العائلات البيروتية، ثم وفد الى المكان مهاجرون سوريون، قبل الهجرة الفلسطينية والجنوبية.

    منذ وصفها بـ"درة التاج العثماني"، ومنذ حملة إبرهيم باشا المصري ومعركة الإصلاح التي خاضها "مدحت باشا لتحديث السلطنة العثمانية، ذاع صيت مدينة بيروت وتهيأت لتقوم بدور ريادي في شرق المتوسط. بدأت ملامح ذلك تظهر وتتضح يوما بعد يوم، وفي وتيرة متسارعة. فرائحة النفط بدأت تفوح في الخليج، و"الرجل المريض" على فراش نزعه الأخير، وعصر الصناعة في أوروبا صار محموماً في حاجته إلى المواد الأولية والأسواق، والنفط على رأس القائمة.

    وكان أن اختيرت بيروت مركزا خدماتيا، ونقطة التقاء مصادر النفط وشحنه بعد تطور طرق ووسائل النقل البحري. وأصبحت الضرورة تقضي بوجود حواضر بحرية بدل الحواضر والمدن البرية الداخلية التي ازدهرت على طرق التجارة البرية. وكانت بيروت موقعا نموذجيا لقيام مدينة بحرية، تجارية وحديثة. فسلسلة الجبال التي تفصلها عن الداخل، تشكل لها سور أمان طبيعياً. وسلسلة الهجرات القديمة المتتالية من على طول شاطىء المتوسط إليها، أكسبتها تنوعا سكانياً، وجعلت مجتمعها أقرب إلى المجتمع المديني الحضري منه إلى المجتمعات الريفية والبدوية الداخلية. وهكذا تم الإختيار ولم يبقَ سوى البدء بورشة الإعداد والإعمار. والخبرات المهنية التي تحتاجها المدينة متوافرة على طول الشاطىء الجنوبي للبحر المتوسط، من أقاصي المغرب العربي وصولا إلى فلسطين. والحقيقة أن المدن الفلسطينية كانت مزدهرة ومهيأة لأن تقوم بدور بيروت، ولكن ما كان مخططا لها هو غير ذلك. كانت حركة النقل البحري، والتبادل التجاري على طول الشاطىء الجنوبي للبحر المتوسط، مزدهرة بواسطة المراكب الشراعية، خاصة من مصر في اتجاه الساحل السوري، وبيروت جزء منه، بل هي أضحت المركز الأهم. وكانت تلك المراكب تقوم بنقل كميات كبيرة من المواد الغذائية التي يحتاجها سكان بيروت، كالأرزّ والبصل والثوم والبطيخ وما إلى ذلك. وكانت مصر خزان المنطقة للمواد الغذائية، لذا اكتسبت تسميتها بأم الدنيا. وكذلك كانت تلك المراكب، تقل المسافرين، لغرض التجارة أو السياحة أو العمل. وعمل المصريون مرشدين للبواخر التي كانت تدخل مرفأ بيروت.

    الاسكندرية - بيروت

    رضوان البلطجي كان واحداً من هؤلاء المصريين العاملين في السفن، بعدما ورث المهنة عن أبيه وأبوه عن جده. ومنهم ايضاً جد كاتب هذه السطور، بعدما راودته أحلام المرفأ الجديد (بيروت) الذي بوشر ببنيانه في أرض "اللبن والعسل". وكان علم أن ما تحتاج إليه هذه المدينة، هو تماما ما يتقن عمله: في بناء المراكب الصغيرة التي تُفرغ بها حمولة السفن الكبيرة غير القادرة على الرسو عند الشاطئ، إذ لم تكن الأرصفة أعدت بعد في مرفأ بيروت الحديث النشأة.

    في أواخر القرن التاسع عشر حمل جدي محمد معه من الإسكندرية حرفته وشاكوشه وقدومه والمنشار وباقي عدة النجارة و"قلفطة المراكب". لكنه لم ينس صور شقيقتيه، فدسها بين حوائجه، وركب إحدى تلك السفن التي تنقل البضائع، مودعا الإسكندرية، مسقط رأسه ومرتع شبابه: يمم جدي شطر بيروت التي أدركها في يوم وبضع اليوم. وحين رآها سرعان ما وقع هواها في قلبه، من النظرة الأولى. واختلطت رهبة تحقق الحلم بشغف المشاهدة، وسؤال النفس عن المجهول الذي ينتظره. ربما أوحى له مشهد الجبال اللبنانية الشامخة، الحاضنة للبحر، بأنه أصبح في نهاية العالم. بل لعله فكر أنه وصل الى الجنة الموعودة، فيما هو يهم في مغادرة السفينة والدخول الى المدينة. كانت حماسته كافية لأن تطرد الخوف والقلق من نفسه. وحين بلغ اليابسة، سرعان ما تلقفه من سبقوه، يرشدونه إلى العمل والمأوى. فقد كانت نشأت لدى الجميع عادة بديهية في تلقف كل وافد ومساعدته حتى يعمل ويستقر. وكان من حظ جدي محمد ان سكنه جاور عائلة كانت نزحت من دمشق، فتزوج إحدى بناتها التي لم تلبث أن حملت، لتضع مولوداً ذكرا كما تمنى وطلب من ربه. لكن جنة الأرض لم يطل له البقاء فيها. ففي غارة للطيران الإنكليزي على المرفأ كان جدي على موعد مع نهاية رحلته الممتعة على الأرض، ولم تكن تلك الرحلة سوى ممر إجباري نحو الرحلة الأبدية، ليكمل مولودة رحلته متقلبا بين المتعة والشقاء، في مجتمع حديث التكون، يعاني من اضطراب القيم وعدم الثبات والإستقرار. من السور الى الطمليس

    كان العمال الوافدون، مصريين ومن جنسيات أخرى، يتجمعون وعائلاتهم في تجمعات سكنية خارج سور بيروت الذي كان أصبح أثرا بعد عين، بعدما دكته البواخر الحربية الروسية. وكان هؤلاء يقيمون تجمعاتهم وفق البلدان والمناطق التي قدموا منها. فالمصريون يتجمعون في منطقة والمغاربة والشوام في مناطق أخرى. وأحيانا كان يتم اختراق تلك التجمعات بأعداد قليلة من خارجها. لم تكن تلك التجمعات قد شكلت بعد مجتمعات مستقرة حين صدرت التعليمات بضرورة إخلاء المناطق القريبة من سور بيروت، لغرض بناء الأسواق فيها، ومراكز البنوك والشركات، لتكون قريبة من المرفأ. كان قانون التطور الذي بدأ يحكم مصير المدينة، يقضي بترحيل العمال من المنطقة، لتحل محلهم جماعات الوكلاء التجاريين ومكاتب الشركات والبنوك والمؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية. فأعطي العمال أذونات وقسائم تمنحهم الحق، كل وفق حاجته، في أماكن معينة بعيدة من السور ومما بدأ يعرف بالوسط التجاري.

    كانت منطقة "مزرعة العرب" هي المكان المناسب لانتقال هؤلاء. فهناك مساحة شاسعة من الأرض تصلح للزراعة والبناء، وتحيط بها تلال رملية قرب ما يعرف اليوم بمستشفى المقاصد و"دار الأيتام الإسلامية، وصولا إلى جامع عبد الناصر وما عرف بطلعة أبو شاكر حتى زمن قريب. لم تكن المساحة غرب منطقة الحرج، والتي كان يرعى فيها العرب أغنامهم، وسميت باسمهم، خالية تماما من السكان. فقد كانت تقيم فيها بضع عائلات مسيحية أرثوذكسية وسريانية متناثرة ومتباعدة. فالتلة التي كانت تسمى "تلة زريف" عرفت في ما بعد بإسم "تلة دار الأيتام". والشارع الذي كان يسمى باسم عائلة لبس المسيحية، أصبح يعرف بإسم"الطمليس". ولعل تشابه الإسمين دليل الى اختلاط التسميات وإدغامها، طبيعة التربة الموحلة شتاء والمنزلقة، حيث يقع حي الطمليس على منحدر بسيط يبدأ نزولا من حي أبو شاكر، كانت تجعل تربته كثيرة الوحول التي لا تجف حتى بعد حين. لم تكن المنطقة خالية تماما من السكان، فقد كان يتوزع فيها عدد كبير من أشجار التوت والزلزلخت والياسمين، حيث بنيت المساكن الأولى على عجل من الخشب والصفيح، وأحيطت بحدائق تنوعت فيها أشجار الأثمار والأزهار. وكانت تتوسط الحديقة غالبا بركة ماء مرتفعة عن الأرض تستخدم لأغراض الغسيل وجلي الأواني. وحول تلك البرك كان يتجمع سكان البيوت في سهرات الصيف القائظة، فتنعش الجو وترطبه. لكن البيوت الخشبية لم تدم طويلا. فحين تكاثرت الحرائق في تلك الأكواخ، أصدرت السلطات قرارا بهدم الأكواخ الخشبية وإجبار الأهالي على بناء مساكنهم بالحجر الرملي. وبعدما أنجز البناء بالحجر وارتفعت بعض الأسقف القرميد، بدأ الوافدون الجدد يشعرون بالإستقرار، وبدأ الحي يتشكل، وترسم ملامح حياته الاجتماعية.

    الانقطاع والعشيرة

    هند زوجة جدي محمد، حملت ولدها واستقرت مع من استقروا في الحي الجديد، الطمليس. كان في حسبانها أن لا تبعد ولدها عن أبناء جلدته، فقد كان غالبية من نزل في الحي الجديد من المصريين. وبنت هند الأرملة بيتا لها ولابنها: غرفة واسعة وأخرى صغيرة، وسط حديقة مزدانة بالعرائش وشجر المشمش والخوخ والتفاح والنارنج والتين وأشجار التوت الأبيض، والورود من كل نوع ولون. فغدا البيت شاميا بحديقته، كمرتع طفولتها. وكان سهلاً أن يحذو آخرون حذوها في زرع حدائقهم، لتوافر التربة والمياه، والتعاون بين الجيران الذين نزلوا في المكان، وهم مزارعون يملكون الخبرة والشتول. كان هم جدتي هند أن يكبر ابنها صالح (والدي) ويشب لتراه رجلا. شب الفتى وأصبح رجلا، وكانت الوظيفة جاهزة في الجمارك. تعلم صالح القراءة والكتابة عنوة عن العديد من أقرانه، فحاز الوظيفة بسهولة. كانت رفقته للضباط مسؤولي الجمارك الفرنسيين قد أكسبته تعلم اللغة الفرنسية بطلاقة، فأحس بأنه ند لهم، ما أدخله في مناكفات معهم إنتهت بطرده من الخدمة. عاد صالح إلى صنعة أبيه يمارسها، لكنه لم يستمر طويلا. فكان رأي أمه أن تحول إحدى الغرفتين في المنزل لتكون دكان بقالة يعمل فيه، اذ كانت الحاجة ماسة إلى دكان بقالة في الحي. هكذا أنشأ صالح أول دكان بقالة في حي الطمليس وفي الحرب العالمية الثانية قررت الحكومة إعتماد البطاقة التموينية التي عرفت بالإعاشة"، فاعتمد دكان صالح مركزا لتوزيعها، لكنه رغم تلك المكانة كان يشعر بفراغ يطمح إلى ملئه. فهو اليتيم، المنقطع من العم والخال والولد، لا جماعة له ولا عزوة، وهو في بيئة إجتماعية تشدها روابط القربى والنسب والعشيرة. فكان إذا اختصم مع أحد تداعى عليه الجميع وغلبوه، رغم جرأته وقوته. لهذا كان حلمه أن ينجب أكبر عدد من الذرية، يشد بها أزره. كان المجتمع الجديد حديث التكوين ويتجه الى شكل ممسوخ عن نظام العشيرة. وقد ترسخ هذا النظام لتبنى عليه العلاقات الإجتماعية في ما بعد، في حي الطمليس وفي سائر أحياء المدينة. كانت الروابط العائلية للعائلات الكبيرة هي التي تحدد النسب الرفيع والمرتبة الإجتماعية، وتوفر الجاه والحصانة والقوة. هذا ما اعتقد والدي انه حصل عليه حين تزوج وأنجب ما يفوق العشرة بين بنت وولد. وذلك بعد أن هفا قلبه إلى فتاة كانت تأتي إلى دكانه لتشتري حاجات أهلها. كانت الفتاة إبنة عائلة نزحت منذ زمن قريب من مدينة صيدا، فلم يتردد في طلبها والزواج منها. حينذاك بدأ يشعر أنه بات متجذرا في تلك البيئة، وأصبح جزأ من ذلك المجتمع الآخذ في التكون.

    كنت الولد البكر. وعند ولادتي وطهوري، كان من دارج العادة في المنطقة أن يقام احتفال يحييه رجل يدعى سعيد النوري مع فرقته المؤلفة من طبال وزمار وراقصة.

    المدرسة والمهن

    دكان صالح هو أول ملامح المجتمع في حي الطمليس. ثم تبعته مدرسة النهضة العلمية عند طرف الحي والتي أسسها الأستاذ حسين الميقاتي. كانت المدرسة أشبه بالمشيخة لا يمكث الولد فيها أكثر من سنتين أو ثلاث، حتى يسمح له سنه بالإنتقال إلى مدرسة الفاروق في الطريق الجديدة. وما أذكره أن السيد حسين الميقاتي كان ينتظر التلامذة في الصباح عند الباب، ليتأكد من أنهم أحضروا معهم "الخرجية" لشراء القضامة والفستق والبزر. ومن لم يحضر معه الخمسة قروش أو القرشين ونصف، كان يرد على أعقابه حتى يأتي بـ"الخرجية". وما كانت تمتاز به تلك المدرسة عن "الشيخة أو المشيخة" هو أنها كانت تعطي بعض دروس الحساب والقرآن. أما بناؤها فما يزال قائما حتى اليوم، وتحول ملعبها موقفاً عمومياً للسيارات، حيث كان يقوم ما يسمى"السيران"أو النزهة التي تقوم بها الوالدة لتفسيح الأولاد، إما إلى كرم رحال القريب من حرج بيروت، أو إلى حرج الصنوبر. وفي أيام الآحاد الصيفية كنا نركب "طنبر" زوج جدتي لأمي، فيقلنا إلى شاطىء الأوزاعي، حيث نستأجر عرزالا من طبقة أو طبقتين.

    ملامح الحي الجديد راحت تتكامل، عندما افتتح أبو زكي البعلبكي صالونه للحلاقة في تخشيبة أبقاها بعد هدم بيوت الخشب. كان أبو زكي حلاقا وحجاما وطبيب أسنان وصانع حجابات لكل الأمراض الصحية والنفسية. وأبو زكي هذا هو جد المخرج السينمائي يوسف شرف الدين."علي بابا ناصر، الملقب بالفحل" تبع أبو زكي في افتتاح دكان للحلاقة. وكان "الفحل- أبو وجيه" يتمتع بموهبة الصوت الشجي الجميل، ويحفظ كمًا لابأس به من الموشحات، ما جعله يقوم بعمل المسحراتي في شهر رمضان. كان الإستماع إلى رنة طبلته ونغمات صوته وموشحاته متعة لا توازيها متعة. وكان أجمل ما فيها موشحات العشر الأواخر من شهر رمضان، حينما يشكل رجال الحي جوقة لأداء الموشحات يقودها "أبو وجيه"، فتتحول تلك الليالي مهرجان أذكار وطرب. وكانت سهرة ليلة العيد عند الحلاقين هي السهرة المفضلة التي يتجمع فيها رجال الحي من أجل حلاقة العيد، فيما أم كلثوم تصدح بأغنية العيد"، ياليلة العيد آنستينا وجددت الأمل فينا، ياليلة العيد". النسوة في البيوت ينشغلن بتجهيز المعمول الذي سوف يأتي صانع الفران ليأخذه في الصباح الباكر.

    كان الفرن ضرورة أساسية لحياة السكان ومعيشتهم. فبيروت عامة لم تكن قد عرفت بعد الخبز الجاهز. ومن شخصيات حي الطمليس أبو السيد مشاقة الذي افتتح دكانا في جزء من بيته، لأعمال "السنكرية السباكة"، وخاصة تصليح بوابير الكاز الكثيرة الإستعمال.

    وكان بسبب أصوله المصرية على الارجح، يبدأ في تجمع كمية كبيرة من الحطب والأخشاب والعيدان، قبل شهر من حلول ذكرى مولد النبي محمد، ليشعل الكومة وسط الشارع الرملي العريض خارج الحي، والذي يعرف اليوم بكورنيش المزرعة. سرعان ما تتحول الكومة كتلة متقدة من النار، قد تتجاوز في لهبها المرتفع الأمتار الخمسة تسمى"الأبولة" التي تبقى مشتعلة طوال الليل، إحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف. وكانت النسوة المصريات والعجائز منهن يأتين لأخذ قطع الفحم لاشعالها في منازلهن تبركا بهذه المناسبة. أما أم خليل الجمل وأم سعيد عياد فكانتا "دايتي" الحي وصاحبتي الخبرة في العناية بالأطفال حتى بعد ولادتهم بزمن. وكان أبو زكي وأبو وجيه يقومان بعملية الطهور للأولاد الحديثي الولادة الذين كان منهم من يتأخر في طهوره حتى يبلغ من العمر عشر سنوات أو أكثر. أما الصرف الصحي في الحي فكان يتم بواسطة حفرة كبيرة يجري سدها بإحكام. وعندما تمتلىء يأتي رجل ليفرغها بواسطة مستوعبات يحملها ويفرغها في أماكن بعيدة من المساكن. كانت تلك العملية من أشق الأعمال، وتطول عدة أيام. أول ملحمة في الحي كانت ملحمة عزو ثم تبعه أبو بكري الحموي. وكان الإثنان من مدينة حماه في سوريا، وقد عرف عن أهل تلك المدينة إتقانهم تلك المهنة. أما فؤاد طربيه فقد افتتح دكانا لتصليح الأحذية وصناعتها لأولاد دار الأيتام الإسلامية التي تقع في طرف الحي. ومع دكان البقالة والحلاقة والسمكرية واللحام أو الجزار والكندرجي والطبال والفران والداية، اكتملت ملامح الحي وصورته. ومن سيفد إليه بعد ذلك سوف يعتبر طارئا أو من السكان الجدد، وكان بعض العمال الموسميين من عمال البناء من دروز سوريا ينزلون في "حوش" وسط الحي ولا يستقرون فيه.

    كان للأدب والقراءة وجودهما أيضا في تلك البيئة التي تكونت حديثا. فقد كان والدي يحتفظ بكتب عدة ومخطوطات،وكان محبا للقراءة، لدرجة أنه سبب الضيق لوالدتي، فأجبرته أن يقرأ في صوت مرتفع ليشركها في ما يقرأ وكنت أنا المنصت الأكبر . وما أذكره من تلك الكتب "شمس المعارف الكبرى" و"فتوح الشام" و"فتوح اليمن" و"سيرة عنترة" و"الزير سالم" و"ضرار وأخته خولة"، وكان والدي جميل الخط، يحسن تدبيج العرائض وكتابة الرسائل لمن يقصده لكتابتها.

    الطمليس ونكبة فلسطين

    كانت نكبة فلسطين تسببت بعملية نزوح كبيرة ليس الى المخيمات فقط، بل إلى المناطق المحيطة بها ايضاً. فمن كان يمتلك من اللاجئين الفلسطينيين مهنة يستطيع أن يعتاش منها، ويدفع أجرة بيته الخاص، سكن خارج المخيمات. ولم تكن النكبة لتطال سكان فلسطين فحسب، بل طالت أيضا سكان جنوب لبنان الذين كانت تربطهم علاقات إقتصادية عميقة بالبلدات والقرى الفلسطينية المجاورة. وعندما انقطعت تلك العلاقة كان على الجنوبيين أن يبحثوا عن مصدر رزق آخر وجدوه في التوجه نحو بيروت. ومع تدفق الأعداد الغفيرة من الفلسطينيين والجنوبيين، كان من الطبيعي ازدياد الطلب على المساكن للإيجار، ما دفع أصحاب المساكن في حي الطمليس وفي غيره من الأحياء، إلى توسيع مساحة البناء في أرضهم. فكان أن اقتلعت عشرات الأشجار من حدائق المنازل لتبنى في مكانها غرف للإيجار. وهكذا تم تخريب حدائق البيوت وتدميرها، لتحل محلها أحجار الباطون. وفجأة تحول حي الطمليس الذي كان هادئا وساكنا تحلو فيه ليالي الأنس والسمر وتبادل الزيارات والسهرات بين سكانه، الى ما يشبه خلية النحل في ازدحامها وضجيجها. كان أول من سكن عندنا عائلة فلسطينية تتألف من أم وأب وصبية وبنت صغيرة وشاب، اسمه صبحي الذي ما لبث أن سافر إلى الكويت ليحصل رزقه ورزق أهله. فوالده كان كهلا لا يقدر على العمل. وكانت صبحية، هي الصبية، تذهب باكرا كل يوم لتحضر سطل الحليب من مركز "الأونروا" الذي استحدث في أعالي التلة لتقديم المعونة والغوث للاجئين الفلسطينيين. غالبا ما كنت أحب أن أصحب صبحية التي كنت أحس بأنها باتت أختاً كبرى لي، وكانت أمي غالباً ما تحب أن تشتري الحليب الذي تحضره صبحية فتصنع لنا منه أكلات مختلفة. ما كان يلفتني في هذه العائلة الفلسطينية، هو اسماء ابنائها التي لم تكن متداولة أو مألوفة في بيئتنا. لكن عائلة صبحية لم تلبث طويلا في سكناها في حينا، فحل مكانها رجل فلسطيني دائم السعال والبصق، وامرأته تركية كان قد تزوجها في هجرته الأولى إلى تركيا، ولكنه لم يمكث هناك طويلا حين نفدت منه النقود، فعاد بزوجته ليعيش بين أهله كما قال. وبقدر ما كان الرجل دميما وسيء الخلق والطباع، كانت المرأة جميلة هادئة ومرتبة ونظيفة. وكان لحرصه عليها يمنعها من مغادرة الغرفة. لكن والدتي تدخلت واعترضت على هذا، فسمح لها الرجل بأن تقوم بزيارتها، ولكن إقامتهم لم تدم طويلا أيضا. كان الحي قد بدأ يعتاد وجود اللاجئين الفلسطينيين فيه، فأصبحوا بعد مدة وجيزة جزءاً من النسيج الإجتماعي للحي.

    كان"أبو مصطفى نامرو" يخرج بعربته بعد ظهر كل يوم، وعليها "صدر" النمورة والشعيبيات. والحقيقة أن الفلسطينيين ساهموا بتطوير وإنعاش صناعات عدة في بيروت ولبنان، أولاها صناعة الحلويات، وزراعة الليمون. وكانوا في غالبيتهم نشطاء يحبون العمل ويرفضون الكسل. كان "أبو ابراهيم أزموز" قد افتتح مطعما للفول، ذاع صيطته في المحيط. وتلك كانت وجبة الفول المدمس التي ساهم الفلسطينيون في تطويرها لتصبح منذ ذلك العهد فطور الصباح الأكثر شيوعا. لقد ترك عامة الفلسطينيين بصمات واضحة في العمل الذي قاموا به. ففي الجنوب كانت لهم مساهمة كبيرة في تطوير زراعة الحمضيات. وفي بيروت كانت لهم مساهمة كبيرة أيضا في صناعة الحلويات، عدا عن مساهمتهم في إدخال صحن الفول كوجبة صباحية.

    لكن الأهم من ذلك كله، هو الدور الذي لعبته المرأة الفلسطينية حين أتت رافعة النقاب عن وجهها، لتعطي مثلا لأهل بيروت عامة، ولنساء حي الطمليس خاصة، حيث اقتدت نسوة الحي بسفور النسوة الفلسطينيات.

    النزوح الجنوبي

    بعد أشهر قليلة بدأت موجة النزوح من الجنوب في اتجاه بيروت، وكان النازحون الجدد أشد فقرا، وأقل خبرة ودراية بالصناعة والمهن. وإذا كان أصحاب المهن من الفلسطينيين استطاعوا أن يتفلتوا من المخيمات، وأحدثوا ما أحدثوه من تطور سريع في الحياة الإجتماعية في الحي، فإن النازحين الجنوبيين اللبنانيين كانوا أكثر انتشارا في كل أرجاء العاصمة، وبدا تأثيرهم وتأثرهم في البيئة التي نزحوا إليها بطيئا. وكانت درجة النمو التي وصلت إليها بيروت تتطلب يدا عاملة غير مدربة، فكانت الإستعانة بالنازحين الجنوبيين الجدد، في أعمال التنظيفات والتفريغ والتحميل في المرفأ وباقي الأعمال من هذا النوع اليدوي. ولما كان الجنوبيون يملكون بيوتاً وأملاكاً في موطنهم الأصلي في قراهم، لم تعن لهم المدينة أكثر من مكان عمل، وليس منزل استقرار. لذا ظلت مساكنهم متواضعة، فاختاروا السكن في الأحياء الفقيرة التي ازدحمت بهم مثل حي الطمليس الذي راح يتغير تغيرا كبيرا، وبدأ البناء العشوائي فيه حتى ضاقت الطرق وبات الحي برمته فاقدا للسكينة والهدوء، وأصبح في حاجة إلى أكثر من فرن وبقالة وملحمة، مع تضاعف عدد السكان. ثم بدأ العمال الجنوبيون يستقدمون عائلاتهم بعد أن استقر بهم العمل. أما الفلسطينيون فقد هاجر معظمهم إلى دول الخليج ليحل محلهم الجنوبيون في السكن. فتغيرت الخارطة العمرانية والسكانية للحي. كانت خبرة الجنوبيين المتميزة في صناعة الخبز قد أدت الى افتتاح أكثر من فرن في حينا، فإحدى العائلات الجنوبية أحضرت معها "صاج المرقوق"، فأفسحت لها والدتي مكانا في وسط الدار الذي كان حديقة، لتخبز خبزها وتتبعه بخبزة لنا أيضا. ومنذ ذلك الوقت بدأت والدتي تتخفف من أعباء العجين. ثم ما لبث عمل الرجال الجنوبيين في الأفران، أن حول مهمة تلك الأفران من الخبيز بالأجرة، إلى إنتاج الخبز وتصنيع الرغيف. وهكذا بدأت صناعة الرغيف وبيعه في الأسواق كأي سلعة أخرى، وتوقفت عملية العجن في البيوت. ولا يزال الجنوبيون هم أهل هذه الصناعة وأربابها، وقد أبدعوا فيها، حتى أصبح رغيف الخبز اللبناني ذا شهرة عربية وعالمية أيضا. أما المهنة الثانية التي أسسها الجنوبيون، فكانت صناعة الأحذية، نظراً لعملهم في مهنة مسح الأحذية وتصليحها في البداية. لذا استطاعوا أن يكتسبوا خبرة في هذه الصناعة، وطوروها حتى أضحى قطاع صناعة الأحذية من اختصاصهم. وكانت فئة منهم تشتغل بتجميع الكتب المستعملة وبيعها، وسرعان ما أصبحوا أصحاب دور نشر معروفة في بيروت.

    الشيخ إبراهيم

    في تلك البيئة التي أصبحت منفتحة على موجات متتالية من النزوح والهجرة، كانت هنالك حالات فردية وشخصيات شكلت معالم في اجتماعيات الحي. أول تلك الشخصيات هو الشيخ إبراهيم البنا، إمام مسجد عثمان بن عفان في منطقة رأس النبع. كان الشيخ يسكن في أعلى الحي، وعندما يذهب إلى عمله كان عليه أن يدلف نزولا فيعبر الحي كله من أوله إلى آخره. كان الشيخ إبراهيم يقوم منفردا بتنظيف المسجد ودورة المياه وأماكن الوضوء، ويقوم بترتيب القباقيب. وعندما يحل موعد الأذان، يؤذن، ثم يقيم الصلاة، ويؤم المصلين، طوال الأسبوع. أما صلاة الجمعة وخطبتيها، فكان ينتدب لهما شيخ من دار الإفتاء، يقوم بأداء خطبة مكتوبة ويؤم المصلين ثم يعود الى حيث أتى. وكان الشيخ إبراهيم يتقاضى 62 ليرة ونصف الليرة، من دون تململ أو اعتراض في عمله. وقد اعتاد بعض الموسرين على تقديم المساعدة له، فيما درج أهل الحي على الإستعانة به لإصدار فتاوى لحل مشكلاتهم. فعندما يقع "يمين الطلاق" على إحدى النساء كانت تطلبه المرأة أو زوجها لفك يمين الطلاق، فيصدر فتواه بأن يشتري الرجل لزوجه ثوبا أو ما تحتاج إليه، ويعتذر منها، وتعود المياه إلى مجاريها. أما مشكلات الشيخ الخاصة مع زوجته، فكان عليه هو أيضا أن يحلها. فقد كثر أفراد اسرته بين بنت وولد، وكثرت طلبات زوجته من المأكل والملبس، فقرر مرة أن يمثل دور الميت ويدعي الموت. وحينما اختار الوقت المناسب لادعائه، تمدد على الفراش من دون حراك بعد أن دهن وجهه باللون الأصفر. وحين شرعت زوجته بإيقاظه، لم يبدِ حراكا، وانطلت عليها الخديعة، فصرخت مولولة بأعلى صوتها حتى تجمع الجيران وتحلقوا حول مرقده، وأخذت المرأة تعدد محاسن زوجها وتطلب له الرحمة وتسامحه وتقول له أنها لاتريد منه شيئا، وأنها مذنبة لأنها كانت تلح عليه، فما كان منه إلا أن نهض، وخاطب المتحلقين "إشهدوا عليها في ما قالت إنها لن تعود إلى طلباتها وإلحاحها". وهكذا ذهبت تلك الواقعة نادرة وعبرة لنساء الحي اللواتي يكثرن من طلباتهن.

    النهار
    الأحد 18 نيسان 2010

  9. #8
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    حكايات عن هجرات المسيحيين وتوطنهم واقتلاعهم من "ساحل النصارى"(1)

    "عبد" الأمير فخر الدين في بئر العبد وقلعة "شعبانة" في الليلكي


    في أثناء نشر فصول من ذكريات مدرّس من سكان الشياح "الأصليين" تحت عنوان "مرثاة الزمن الزراعي في الشياح" في هذه الصفحات (كانون الثاني الماضي)، أرسل خليل خالد الفغالي تعقيباً أو مشاركة في هذه الفصول من ذكريات المدرس. وقد نشرت مشاركته تحت عنوان "ذكريات عن ساحل النصارى وكرخانات الحرير وصحراء الشويفات". استزادة من ذكريات الرجل الثمانيني عن أحوال "ساحل النصارى" وأخباره، أي الساحل الجنوبي لمتصرفية جبل لبنان (1860-1914)، وعن ضيعته المريجة، اضافة الى برج البراجنة المتاخمة لها، التقينا (الفغالي)، فإذا به حكّاءٌ من الطراز الرفيع، وصاحب أسلوب مسرحي حي في سرد الحوادث والحكايات، ولديه ذاكرة حادة ومنظمة في التاريخ الشفوي الذي ترقى مروياته الى عهد الإمارة المعنية في الشوف، وصولاً الى أخبار حية شهدها بنفسه عن تهجير أهالي المريجة المسيحيين في العام 1983، ومروراً بروايات عن حوادث في عهد المتصرفية وعهد الانتداب الفرنسي، تنقل وقائع وصوراً عن الاجتماع البلدي، وعن عمل الأجهزة الادارية الحكومية. الحق أن (الفغالي) خزان حكايات ومرويات عن الاهالي والعائلات والاعيان وموظفي الادارة، وجرائم القتل. وهو ايضاً نسّابة أجيالٍ من الموظفين الاداريين الحكوميين، وراوية لمسالكهم وسيرهم العائلية ونعراتهم ومناكفاتهم في ما بينهم. حتى ان المستمع الى حكايات الرجل ومروياته، ينتبه كم هو مغيّب التاريخ الشفوي الحي للحوادث والاجتماع من التداول والرواية والكتابة. نبدأ هنا بنشر بعض من مرويات وحكايات خليل خالد (الفغالي) التي استمر تسجيلها ساعات. وهذه حلقة أولى

    على مثال قدامى الرواة والحكائيين اصحاب الذاكرة الحادة، الشغوفين برواية حوادث عاصروها وشهدوها وكانوا من الفاعلين أو اصحاب دور ما فيها، أو تناهت اليهم اخبارها بالمشافهة، والشغوفين كذلك برواية حكايات قديمة شبيهة بأخبار الاعيان وتماثل بنيتها بنية القصص الشعبي العامي المجهولة المصدر، فيتشارك رواتها الكثيرون في توليفها وصناعتها، فيما هم يتناقلونها ويتراوونها جيلاً بعد جيل - على هذا المثال يروي خليل خالد (الفغالي) حكايته عن بدايات التوطن المسيحي في ما سمي ساحل النصارى في القرن التاسع عشر.


    تدافع الأسماء والسكان

    ساحل النصارى هي التسمية التي عرف بها السهل الساحلي الجنوبي لقائمقامية المتن الممتد بين خلدة وحرج بيروت الذي كان حدود ولاية بيروت ايام كان جبل لبنان متصرفية تتمتع بحكم ذاتي في ظل السلطنة العثمانية. وربما عرف الساحل التسمية هذه قبل عهد المتصرفية (1860 1914)، لكن الارجح انها (تسمية ساحل النصارى) كانت ترجمة وتتويجاً لواقعة ديموغرافية بطيئة، هي كثافة توطن المسيحيين في ساحل المتصرفية الجنوبي، وغلبتهم السكانية في قرى هذا الساحل. قيام دولة لبنان الكبير العام 1920، ادى الى غياب هذه التسمية "الاهلية" تدريجاً، وغلبة تسمية أخرى ادارية "محايدة"، هي ساحل المتن الجنوبي، من دون دون أن تُفقد التسمية الادارية هذه، القرى الساحلية الكثيرة اسماءها الخاصة والمستقلة وطابعها البلدي والمحلي.

    عشية الحرب في لبنان العام 1975، كانت بدأت تغلب على ساحل المتن الجنوبي تسمية ضاحية بيروت الجنوبية. وذلك بفعل كثافة موجات المهاجرين الريفيين من جنوب لبنان والبقاع الشمالي الى مناطق سكنية قريبة من العاصمة.

    ثم لم تلبث ان فقدت قرى هذا الساحل وبلداته طابعها السكاني المحلي، وتحولت ضواحي سكنية لبيروت، قبل ان بدأت تفقد اسماءها الخاصة والمستقلة في اواسط ثمانينات القرن الماضي، فبدأت تغيب عنها هذه الاسماء، كما نُزعت عن الضاحية كل صفة وإضافة منذ انشأ "حزب الله" ما سماه "المربع الأمني" في البلدة الأكثف سكناً مسيحياً في ساحل المتن الجنوبي وغرب طريق صيدا القديمة، اي في حارة حريك التي أُخليت تماماً من مسيحييها مع غيرهم من مسيحيي البلدات الواقعة غرب هذا الطريق.


    حادثة برج البراجنة المسرحية

    في مرويات (الفغالي) الشفوية، تعود بدايات التوطن المسيحي في هذا الساحل الى عهد الامير فخر الدين المعني الثاني في العقود الثلاثة الاولى من القرن السابع عشر. "يؤرخ" الراوي للبدايات هذه بحادثة رواها، بل استعادها على منوال حكايات القصص الشعبي العامية القديمة. تقول الحكاية ان طريق القوافل الخاصة بمؤن الامير المعني الابرز، وبريده، بين عاصمة امارته دير القمر ومدينة بيروت، كانت تمر في الساحل قرب قرية برج البراجنة الشيعية، صعوداً في قرى الجبل، وصولا الى عاصمة الامارة الشوفية. واحدة من هذه القوافل تعرضت مرة لاعتداء في اثناء مرورها قرب القرية الشيعية. كان في عداد القافلة العابرة في طرق ضيقة بين البساتين "عبد" من خدم الامير اقترب من بئر ماء ليشرب، فأخاف نسوة يغسلن الاواني والثياب قربها. صراخ النسوة الخائفات من "العبد" الغريب الذي اشعرهن اقترابه منهن بهتك حرمتهن، ادى الى حضور رجال من برج البراجنة، فاعتدوا على القافلة وقتلوا "العبد" ورموه في البئر الذي سماه الاهالي لاحقاً بئر العبد.

    اذا كان لهذه الحادثة من دلالة، وهي غنية الدلالات والكنايات، فهي تشي اولاً بأن الذاكرة والحكايات العامية، حين تروي وقائع او حوادث التاريخ الاجتماعي، فإنها تقوم باختصاره وتكثيفه في حادثة تصنعها صناعة مسرحية وتجعلها بداية لذلك التاريخ وتحولاته. وهي، اي الحكاية، تنقل ثانياً، تصوراً مسرحياً عن المشاركين في الحادثة بوصفهم كنايات عن الجماعات التي يمثلونها. فخادم الامير عبد اسود البشرة. ونساء برج البراجنة الشيعيات، لم يخفهن سواد العبد الغريب فحسب، بل انه عرّض حرمتهن النسوية الى الانكشاف لغريب، مما استدعى حضور الرجال القيّمين على حرمة النساء، فثأروا لشرفهن الذي عرّضه العبد للانتهاك.

    الامير المعني، وفقاً للحكاية، ثأر بدوره لخادمه. فبعد اعتداء اهالي برج البراجنة على قافلته، امر جنده القيام بحملة تأديبية على المعتدين، ثم أخذ يشجع مسيحيي الجبل على النزول الى الساحل للعمل في تربية دودة القز (الحرير) وقطف الشرانق، تمهيداً لاقامتهم الدائمة، وضماناً لطريق القوافل. لتعزيز ما ذهب اليه، قام الأمير ببناء قلعة صغيرة على طرف مزرعة الليلكي التي كانت اقدم نواة سكنية مسيحية قرب برج البراجنة. في هذه القلعة التي سُميت "قلعة شعبانة"، وضع الأمير شرذمة من جنده الخيالة، مهمتها القيام بدوريات على طريق القوافل وحمايتها. وفقاً لـ(الفغالي) ظلت بقايا القلة قائمة في الليلكي ويتداول الأهالي إسمها، حتى آخر عهد إقامته في قريته ومسقطه، المريجة التي هُجّر منها مع عائلته وسائر أهلها المسيحيين في ثمانينات القرن الماضي.


    التوطن والأعمال

    موجات التوطن المسيحي المتلاحقة والأقدم زمناً في ما سيصير ساحل النصارى وفقاً لمرويات (الفغالي)، استقرت في قرى: وادي شحرور، الشويفات، بطشيه، المرداشية، بسابا، بعبدا، الحازمية (كانت تسمى أيضاَ سطليه)، كفرشيما، الحدث، فرن الشباك...

    بعض من المستوطنين في هذه القرى أو الضيع التي كانت مزارع صغيرة قبل أن تتزايد الإقامة فيها، وكذلك الوافدون الجدد من القرى الجبلية الى القرى والمزارع الساحلية، أخذوا يوسعون استيطانهم في غرب الساحل، الى برج البراجنة الشيعية التي نشأت على تخومها مزرعة الليلكي، ثم تحولت قرية مسيحية، قبل نشوء مزارع المريجة وتحويطة الغدير (نسبة الى مجرى نهر الغدير الصغير، وحيث حي السلم اليوم) وحارة حريك والشياح. هذه المزارع تحولت بدورها قرى يغلب عليها سكن مسيحي يخالطه سكان شيعة أخذوا يخرجون من قرية برج البراجنة الشيعية الوحيدة والأقدم في الساحل كله، وينتشرون في القرى الجديدة.

    أشجار التوت ومزارعها الملازمة لتربية دود القز وشرانق الحرير، إضافة الى تربية الأبقار، من المزروعات والأعمال ومصادر العيش الأقدم في برج البراجنة. وليس في الساحل كله من شجر أقدم من التوت سوى الزيتون في صحراء الشويفات. مع توطن المسيحيين في المزارع والقرى تزايدت زراعة التوت واتسعت، وازدهرت مواسم دود القز وأعمال الحرير، فنشأت في الساحل ثلاث كرخانات لحلّ شرانقه وتوضيب خيوطها، فتوافرت لدى بعض مزارعي الحرير وتجاره مبالغ مالية أدت الى تكاثر العمران في القرى وتزايد الوافدين المسيحيين الى الساحل، للعمل والاقامة والتملك.

    مقالع الحجار الرملية في غرب الساحل، وكذلك بعض الجمّالين (مربو أو مقتنو الجمال) لنقل الحجار من المقالع واستخدام الحيوان الصحراوي في تجارة القوافل التي كانت تصل الى دمشق وحلب، قد تكون مزامنة للعمل في الحرير، أو أقدم منه قليلاً. لكن الأكيد ان مقالع الحجر الرملي قديمة في الساحل، وكان يعمل فيها ويملكها أهالي برج البراجنة الشيعة وغيرهم من أهالي القرى المسيحية الذين برع كثيرون منهم في أعمال تشييد البيوت الحجرية القديمة، ليس في قرى الساحل فحسب، بل في غيرها من المناطق والبلدات. فالأرجح ان مسيحيي الساحل حملوا معهم خبراتهم وبراعتهم في البناء من مواطنهم السابقة في القرى الجبلية، فيما كان أهالي برج البراجنة يعملون في تطيين جدران البيوت الداخلية، أو ترقيعها وتلييسها، على ما يقال في العامية الدارجة.

    سجادة دمشق العجمية

    ظلت مقالع الحجر الرملي واستخدام الجمال في النقل من الأعمال الناشطة في الساحل حتى أربعينات القرن العشرين. فجد الراوي الذي عاد من البرازيل الى أهله في قريته المريجة العام 1903، ملك بعد عودته مقلعاً للحجار قرب طريق صيدا القديمة، مستخدماً الجمال في نقل الحجار. وفي واحدة من أسفاره مع قافلة جمال الى دمشق عاد منها بسجادة عجمية كبيرة اشتراها من هناك، فظلت مفروشة في صالون بيته وبيت ولده أبو خليل خالد (الفغالي) من بعده، وحتى وفاته غماً وكمداً العام 1980 في بيته الذي نُهبت السجادة منه مع أثاثاته وسائر أثاثات بيوت مسيحيي المريجة، بعد نهار واحد على تهجيرهم الجماعي الكبير من بلدتهم في ليلة من ليالي العام 1983..

    رواية خليل خالد (الفغالي) - كتابة محمد أبي سمرا


    النهار
    الأحد 11 نيسان 2010

  10. #9
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    حكايات عن هجرات المسيحيين وتوطنهم واقتلاعهم من "ساحل النصارى"(2)

    من وادي شحرور الى برج البراجنة والبرازيل: ضياع النسب العائلي والعودتان


    الحلقة الثانية من ذكريات الرجل الثمانيني خليل خالد (الفغالي) عن "ساحل النصارى" وعن ضيعته المريجة منذ مطالع القرن الماضي وحتى العام 1985.

    في تذكرة الهوية التي يحملها، ولد خليل خالد (الفغالي) في برج البراجنة حي المريجة في 27 حزيران 1934، وفي السنة 1931 وفقاً لمدونات والده الاستاذ انطون خالد على الخزانة في بيتهم العائلي القديم. وفي منزله حيث يقيم وحيداً اليوم في الطبقة الارضية من بناية في الشارع الرقم 11 في البياضة بين الرابية وقرنة شهوان في المتن، روى صاحب التاريخ المزدوج لولادته، ان جده اخبره نقلا عن جده ان آل خالد في برج البراجنة يعودون بنسبهم الى خالد منصور الفغالي الذي ترك موطن اهله في وادي شحرور، ربما في القرن الثامن عشر، ووفد الى برج البراجنة ليعمل في قطف شرانق القز وجمعها. ولأن خالد منصور الفغالي لم يعد الى موطن اهله وديرتهم (وادي شحرور)، فقد أولاده في موطنه وموطنهم الجديد (برج البراجنة) كنيتهم العائلية (الفغالي)، فصاروا يعرفون بآل خالد، نسبة الى اسم العلم الشخصي للذي غادر ديرته وأهله وانفصل عنهم ليقيم ويستقر ويعمل في ديار "غريبة" أو جديدة بين اهل جدد اسقطوا عن ذريته نسبهم العائلي الذي كان يحمله والدهم، واكتفوا بنسبتهم الى اسم ابيهم الشخصي الذي صار كنية عائلية (خالد) لنسله وذريته في برج البراجنة حي المريجة.

    الهجرة والتملك

    تشير هذه الواقعة، وغيرها الكثير من امثالها الى ان الانتقال من وادي شحرور الى برج البراجنة على مسافة لا تزيد عن 2 - 3 كلم، كان هجرة كاملة، وانقطاعاً كاملاً في مقاييس ذلك الزمن البطيء، زمن امارة جبل لبنان السابق على عهد المتصرفية، حينما كانت فروع من العائلات المسيحية، وخصوصا المارونية، في حال من الترحال والهجرات من اعالي الجبال الشمالية نحو المنخفضات والروابي والسهول الساحلية الجنوبية التي ستسمى "ساحل النصارى" بين انطلياس والدامور.

    جد الراوي - اي جد خليل خالد الذي يستعيد اليوم كنيته العائلية القديمة (الفغالي) ويضيفها الى اسمه، بعد خمسة اجيال او ستة على سقوطها، وبعد الكثير من الهجرات والتهجير - هاجر مع زوجته من برج البراجنة الى البرازيل في اواسط العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وهناك عمل تاجر "كشة"، قبل ان يؤسس متجراً وينجب ثلاثة اولاد، عبدالله وجنفياف وليندا. ومن ما وفره من اموال الهجرة، بعث الى والده مبلغا اشترى به قطعة ارض (عودة) في سقي برج البراجنة. والد جد الراوي، وهوعبدالله ديب خالد، كان يعمل وكيل املاك رئيس مجلس ادارة جبل لبنان، الذي يدعوه الاهالي "المير فندي" شهاب، ويدعون زوجته عليا شهاب (الست عليا). وكان الوكيل عبدالله خالد، هو الذي يقوم بتقدير مواسم بساتين "المير فندي" و"الست عليا"، وتضمينها للمزارعين الذين يجنون محاصيلها.

    الأولاد وضياع الملك

    في ذكريات الراوي العائلية المتناقلة عن الاجداد كان لقصر "المير" و"الست" عشرون قنطرة على تلة كاشفة في سبنيه. وكانت املاكهما التي تمتد ما بين الدامور جنوبا ونهر بيروت شمالا والكحالة شرقا، تحدرت اليهما من اواخر عهد الامارة الشهابية، ولا يعرفان حدودها الفعلية الا بواسطة الوكلاء والنواطير والمضمنين الذين يعملون فيها. وكان عدد ابناء سليلي الامارة الشهابية هذين، ثمانية شبان وفتاة واحدة اسمها مريم او ماري التي تزوجت الامير حارث فارس شهاب المنحدر من سلالة الامير بشير الشهابي الثالث الذي كان ضريرا وقتل في حوادث 1860 التي انهت الامارة الشهابية. اما الامير حارث زوج مريم، فكان مديراً لساحل النصارى عشية الحرب العالمية الاولى وفي نهاية عهد المتصرفية في جبل لبنان.

    وفي رواية الراوي التي تشبه بنيتها بنية القصص الشعبي، ان والد جده، عبدالله خالد، كان جالساً الى "الست عليا" على شرفة قصرها، لما شعر انها في حال من الغم، فسألها عمّا بها، فشكت له همها قائلة انها و"المير فندي" شارفا على السنوات الاخيرة من عمريهما، وانهما خائفان على املاكهما الكبيرة من الضياع. وشرحت "الست عليا" خوفها في قولها ان اولادها الثمانية مثل حزمة من قضبان التوت، وهي و"المير فندي" مثل قشرة التوت التي تجمعهم وتربطهم، وفي حال موتهما سوف تنقطع القشرة التي تجمع شمل القضبان، اي الاولاد، فيتفرقون وينفرط عقدهم، وتتفرق الاملاك وتتوزع وتضيع.

    الكناية ومرجعها المادي

    يأبى الراوي ان يترك حكايته هذه من دون سندها او مرجعها في الحياة المادية التي صدرت عنها ايام كانت اللغة والمعاني والقيم والعبارة اقرب الى كنايات عن زمن الحياة المادية واشيائها، حينما كان البشر يتعقلون حياتهم وعلاقاتهم وادوارهم واوقاتهم وتقلباتها، ويعبرون عنها بالكنايات، او على نحو رمزي يستعيرونه او يستمدونه من اعمالهم وصنائعهم وخبراتهم ومن الطبيعة وتحولاتها. هكذا يصير الكلام اقرب الى الحِكَم والامثال التي تفسر الوقائع وتشرحها وتقولها وتكني عنها في وقت واحد.
    فقضبان التوت وحزمها والقشور التي تحزم القضبان في حكاية الراوي نقلاً عن "الست عليا"، هي صنيعة الزمن الزراعي لصناعة الحرير ومواسم القز التي تبتدىء، وفق الراوي، في نيسان وتنتهي في حزيران من كل عام. وفي هذه المواسم كان المزارعون يقصون من اشجار التوت قضبانها النامية الكثيفة الاوراق فيعرّونها ويضعونها في اخصاص (هي غرف صغيرة لتربية دود القز) ليطعموا الدود. اما قضبان التوت اللينة والمستقيمة، فكانوا يقشرونها ويجمعونها ويربطون بالقشور حُزمها ويعلقون الحزم طوال الصيف في أماكن مشمسة، كي تجف ويتبس. وفي فصل الشتاء يفكون حزم القضبان اليابسة، وينقعون القشور بالماء في مستنقع صغير يسمونه الغبّيط، كي تلين وتصير قوية متينة كحبال الليف، فيستعملونها لحزم صناديق الفواكه والخضر، ولرتق اكياس الخيش التي يملأونها بالملفوف والقنبيط والباذنجان، ويربطون الاكياس بالقشور، قبل نقلها الى أسواق الخضر. أما قضبان التوت اليابسة فيستعملونها لإشعال مواقد الطبخ والخبز وتحضير المؤونة من رب البندورة والمربيات وسلق القمح قبل تشميسه وتجفيفه وجرجه برغلاً.

    العودة والبئر

    استلهمت "الست عليا" شطراً من أدوار الحياة الزراعية (حزم قضبان التوت وقشورها)، للعبارة عن شعورها الداهم باقتراب أجلها وأجل زوجها، وعن خوفها من انفراط عقد أولادها وتفرقهم كتفرق حزم قضبان التوت اليابسة والمربوطة بالقشور في فصل الشتاء الذي يكني، في عبارتها وكلامها، عن شتاء عمرها وعمر زوجها. وتكني المرأة الهرمة (الشديدة السمنة في حكاية الراوي نقلاً عن أجداده) بانفراط حزم القضبان نفسها، عن مصير أملاكها الواسعة (ميراثها) بعد رحيلها وزوجها الى العالم الآخر. وكما تنفرط القضبان قبل أن تأكلها نيران المواقد الشتائية، تتوقع "الست عليا" أن تضيع الاملاك وتتبدد، بعد رحيل واسطة عقد الاولاد والاراضي الفسيحة المجتمعة والمتصلة بمالك واحد.

    والرواية هذه ليست من تأليف "الست عليا"، قدر ما هي استعادة حرفية لحكاية قديمة ومجهولة المصدر، يجري تداولها كالحِكَم والامثال الشعبية.

    لا تكذب رواية الراوي مخاوف "الست عليا". فالذي كانت تبثه مخاوفها على شرفة قصرها على تلة سبنيه، أي وكيل أملاكها عبدالله ديب خالد، والد جد الراوي، سرعان ما فكر بـ"استغلال الظروف" لصالحه، فيما كانت "الست عليا" تقول له: إذا متنا، أنا والمير فندي، سوف ينفرط عقد أولادنا الثمانية، وتضيع أرزاقنا. ولم يتأخر الوكيل في التهيؤ لاستغلال الظروف، فبعث لإبنه المهاجر في البرازيل (جد الراوي) خبراً ينبئه فيه بأنه سوف يشتري له أعظم قطعة أرض (عودة) في برج البراجنة، وهي الارض القريبة من بئر الضيعة. وطلب الأب من إبنه المهاجر أن يرسل له المال اللازم لذلك، فاستجاب الابن طلب أبيه.

    ما أن توفي "المير فندي" وزوجته "الست عليا"، وآلت أملاكهما الى أولادهما الثمانية - ومنهم "المير خليل" الذي كان يتنقل في حصته من أملاك أبيه على صهوة فرس في سقي برج البراجنة - حتى نفّذ الوكيل مأربه. وفي رواية الراوي أن "المير خليل" كان في كل رحلة أسبوعية له على فرسه، يصل الى قرب بئر الضيعة، حيث يترجل ويقعد على كرسي قرب البئر، فيأتي له الوكيل بنرجيلة يروح "المير" يدخنها طالباً إحضار زجاجة ويسكي. لكن الويسكي لم تكن متوفرة في برج البراجنة، لذا كان الوكيل يحضر له زجاجة منه من فرن الشباك. وهنا علّق الراوي قائلاً إن "المير خليل" وإخوته الثمانية، شأنهم شأن جميع الابناء الورثة الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من الذهب. واشترى الوكيل من "المير" الوارث ومدخن النرجيلة وشارب الويسكي قرب البئر، قطعة الارض الموعودة، فحسده أهالي برج البراجنة عليها، وأرسل لابنه المهاجر خبراً يفيده فيه بأنه سوف يحرص على (العودة) إكراماً له وللبئر، حتى عودته من مهجره البرازيلي، لتؤسس (العودتان) جذراً ونسباً ثابتين للعائلة في برج البراجنة و"ساحل النصارى".

    مسيحيو الليليكي والمريجة

    كان ما سيسمى لاحقاً ساحل المتن الجنوبي، جزءاً من "ساحل النصارى" في عهد المتصرفية. وكان هذا الساحل الممتد شمال بيروت وجنوبها، كناية عن ضياع ساحلية زراعية يغلب عليها السكان المسيحيون، يخالطهم الدروز في القرى المنتشرة على الروابي المطلة على السهل جنوب بيروت. وحدها ضيعة برج البراجنة في السهل الجنوبي كان يغلب عليها السكان المسلمون الشيعة. والأرجح، وفق الراوي خليل خالد (الفغالي)، أن أقدم تجمع مسيحي نشأ في برج البراجنة، هو ما يسمى الليلكي التي ورد ذكرها مع تحويطة الغدير في كتاب لابرهيم بيك الاسود، يحصي فيه "الضريبة على الرؤوس"، وصادر في العام 1880. لكن هذه التسميات - أي الليلكي وتحويطة الغدير، اضافة الى المريجة التي لم يرد ذكرها في الكتاب المذكور، وشأن بئر العبد وصفير والمعلم والمعمورة والرادوف وحي ماضي وحي الابيض - ليست سوى تسميات لأحياء أو نواحٍ غير مستقلة إدارياً وسكانياً، بل هي أجزاء إما من برج البراجنة وإما من حارة حريك. وحالها في هذا حال الطيونة وعين الرمانة ومارون مسك في الشياح، وحال بدارو القريبة من فرن الشباك.

    ويرى خليل خالد (الفغالي) أن مسيحيي الليلكي الأوائل تمددوا أو خرج قسم منهم للعمل والاقامة في اراضي السهل الزراعية القريبة، فنشأ عن تمددهم وخروجهم هذين حي جديد هو المريجة الذي غلب عليه السكن المسيحي، لكن من دون أن يستقل عمرانياً وإدارياً عن برج البراجنة. وفي رواية الراوي نفسه أن إقبال المسيحيين واجتهادهم وصبرهم على العمل الزراعي وميلهم الى الإدخار والهجرة الداخلية والخارجية، هي ما أدت الى توطنهم في الليلكي وفي تحويطة الغدير أولاً، وفي المريجة تالياً، بعد شرائهم أملاكاً زراعية وسكنية من الملاك الشيعة في برج البراجنة.

    رواية خليل خالد (الفغالي) - كتابة محمد أبي سمرا

    النهار
    الأحد 18 نيسان 2010

  11. #10
    Orange Room Supporter Picasso's Avatar
    Join Date
    Fri Apr 2006
    Posts
    4,753
    Likes (Given)
    3049
    Likes (Received)
    2143
    Slaps (Given)
    89
    Slaps (Received)
    45
    Mentioned
    31 Post(s)

    Default


    سيرة عائلية عن الفقر والزواج وأحلام الثراء

    من بيت الصفيح في لبنان الى حرفة الشبق والألم في الخليج

    هذه رواية عن الفقر، وتهديم أمهات لحيوات بناتهن بأطيب النيات، وتجارة النساء التي لا زالت تمارس في مجتمعاتنا وفق اعراف وقوانين عائلية شرعية. انها اعترافات شهادة لامرأة لبنانية، ساقها قدرها الى زواج من رجل خليجي، تحت الحاح امها الحالمة بالخلاص من الفقر والحرمان.

    رافقتني أحلام الثراء منذ نعومة أظافري. لم تغب عن ذهني العبارة التي كان يرددها أبي مستشهداً بحديث للرسول محمد: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته". والدي لم يقتل الفقر، إنما الفقر قتلنا، نحن العائلة الصغيرة التي كانت تقطن في بيت سقفه من صفيح. 16 عاماً أمضتهم والدتي في تلك العباءة السوداء نفسها شتاءً وقميص نومها القطني الأزرق سماوي صيفاً. قبل أن يصبح لنا حمام بعد طول صبر، كنا نقضي حاجتنا خارجاً في "الخرابة" التي أقمنا فيها مع رائحة البزار والنفايات التي يرميها المارون على طرف الطريق الجبلية وهم عائدون من نزهاتهم.

    عمل والدي في الزراعة والفلاحة "شغيل فاعل"، كلما تسنت له الفرصة. ملامح وجهه المضطرب تسبق فراغ يديه عندما يضنيه يوم بطالة آخر، ويرافق حزنه توتر وعصبية نشعر كما لو أنها تجره الى الحضيض. كرامته تمرغت في القمامة التي فتش فيها عن رغيف خبز يسد جوعنا به او حذاء مستهلك يغطي به أقدامنا العارية.

    أذكر تماماً أنين أمي وصراخها عندما ولدت أخي الصغير. كما أذكر صوتها وهي تشكو مطولاً لأختها حظها العاثر وزوجها الذي لا ينفع سوى للفراش. كانت قد حملت بولدها الرابع والأخير. لم تكن تريد أن تلد مجدداً، ولكن وسط صراعها ما بين الحلال والحرام، لم تكن شجاعة بما يكفي للتخلص من جنينها. دست لها خالتي القليل من المال في "عبّها" كي تدبر امورنا وشجعتها على الاحتفاظ بالمولود فـ "الولد بتجي رزقتو معو"، على ما يقولون.

    اعتادت أمي أن تعد النقود مرات عدة متى حصلت عليها، ثم تدسّها في "صدريتها" قرب نهدها المترهل من شدة ما مصصنا حلماته، ولم تبعدنا عنه إلا في سنوات متأخرة من طفولتنا بعد اقتناعها بأنه ضمر وفرغ من الحليب. المولود الجديد كان بالنسبة لها مجرد فاه فاغر آخر. ولم تعد ترضى أن يقربها والدي أو يلمسها خوفاً من الحمل مجدداً. ازدادت عصبيته وعجزه وازداد تمردها.

    قدماي المحشورتان في حذاء الرياضة الضيق كانا يهلكانني وأنا في طريقي الى المدرسة الرسمية التي تبعد 20 دقيقة عن منزلي سيراً على الأقدام. معظم زملائي وزميلاتي في مدرسة الضيعة الرسمية كانوا في مثل حالي، ولكن نظري كان مشدوهاً دوماً بالآنسة رنا معلمتنا التي نالت نصيبها من إعجابي وافتتاني بحظها وغيرتي العمياء من ملابسها النظيفة، أنا التي لم يلامس جلدي الميت والوسخ شيء غير الذباب والقمل الذي كان يترعرع في طول شعري كأنه جزء من بصيلاته أو بصيلاته نفسها. لم يكن بوسعنا الاستحمام الا نادراً، ولكن والدتي كانت تصر على أن أغسل يدي ووجهي وقدمي وتحت إبطي كل صباح.

    قبيلة الفقر

    كنت أرى نسوة شبيهات بمعلمتي في التلفزيون الذي كنا نشاهده في المناسبات عند خالتي او جارتنا. صور نساء جميلات بقوام ممشوق ومتناسق ظلت ترافق أحلام يقظتي ونومي، فيما كنت انضج ملامح اجسامهن في داخلي. عمّا كنت أبحث وأين أبحث... لم أكن أدري. خلف تلك الأوساخ التي أخفت جمالاً لم أكتشفه بسبب ذاك الجرب الذي شوّه ملامح جسمي وأحكم قبضته عليّ. كان دعاء امي بأن أجد ابن حلال ثري يستر عليّ، يرافقني دوماً. "الله يجعل حظك احسن من حظي"، كانت تردد بحرقة مسعورة بالضغينة والحقد على الرجل الذي لم يؤمن لها شيئاً من رفاهية العيش، لا بل لم يكن يرضيها أو "يعبي عينها" كزوج أختها "المريّش" و"يلي ما في منو"، والذي كان دوماً موقع حسدها وغيرتها التى لا تعرف الرضى ولا يشبعها أي امتلاء.

    في التجمع القبلي الذي انتميت اليه، كان الفقر المصير المقدّر لكل الأشخاص الذين يرفضون حتى الاعتراض عليه، كأنه بات جزءاً من ثقافتهم، أو كأنهم توحدوا فيه وبات من الصعب عليهم أن يجدوا أنفسهم خارج حدوده.

    سافر أبي أخيراً الى إحدى دول الخليج، بعدما أضناه تذمر زوجته وأشقاه عجزه. ساعده جارنا لكي يذهب الى بلاد الغربة ويعمل في ورشة بناء. تحسنت أحوالنا قليلاً وأصبح يرسل لأمي مبلغاً شهرياً كي تعيلنا وتؤمن لنا حاجاتنا. أمي التي لم تكن معتادة أن تصرف الأموال أو تشتري الأغراض، راحت تخبئ نصف المبلغ وتنفق النصف الآخر على متطلباتنا. بقيت ملتزمة سياسة الشح والحرمان وهي مذعورة من أن تفقد القليل الذي يرسله زوجها بداية كل شهر. كرهت أمي من شحّها وحرصها الشديد. كلما تحسنت أوضاعنا المالية، ازداد بخلها وأصرّت على ألا نحسّن مستوى معيشتنا، حنى أنها لم تخبر خالتي أو عائلتها أن حالنا تحسنت. بقيت تخبئ المال وتخفي الأمر لخوفها الشديد من العوز مجدداً.

    عندما كنا نطلب منها الانتقال من الكوخ، كانت تعنفنا وترفض الأمر بشدة. على قدر ما كرهته، كان لوالدتي رغبة لا أفهمها بالبقاء في ذاك المكان البدائي. مرت سنتان قبل أن يعود أبي لقضاء عطلة الصيف في لبنان. ولما عاد، تفاجأ لحالنا واحتدم الصراع بينه وبين أمي. لا أذكر تماماً ما جرى تلك الليلة، ولا الى ماذا انتهى الأمر بوالدي يبكي مرتمياً على الأرض. كان ضعيف الشخصية. ذاك لا شك فيه. كان يريدها أن ترغبه، كما ترغب امرأة رجلاً انقطع عنها لمدة طويلة. بدا مستعداً أن يفعل أي شيئ لتشعره بأنها تريده، تريده بشغف وشبق ووله. ولكنها لم تكن تريده. كانت منشغلة عنه بصراعها ما بين دونيتها ورغبتها في التفوق وفي التملك. كم أشفقت عليك يا والدي وأنت تئن بدلاً عنها، لشعورك بأنك مهما فعلت، لن ترضيها، وستبقى في نظرها ذاك الفاعل الذي يبحث في القمامة عن بقايا طعام، وبقايا عائلة، وبقايا وجود وبقايا حياة.

    زوج الاحلام

    لا أذكر أيضاً كيف جعلته يوافق على زواجي من العريس الخليجي الذي أوصى لي به جارنا. كانا يتجادلان ليلاً، ولكن أمي نجحت في الوصول الى تسوية مع والدي. يوافق هو على العريس مقابل أن تنتقل العائلة من بيت الصفيح الى شقة صغيرة وتفرج أمي عن النقود التي اختزنتها. فهي تعلم أن أموالاً طائلة ستنسكب علينا فور تزويجي بذلك الثري الذي بدأت أسمع عنه من أحاديثها مع خالتي وجارتنا.

    بدأت ملامح زوج الأحلام تظهر بعد انتقالنا الى شقة صغيرة دفع والدي القسط الأول من ثمنها على أن يسدد الباقي في ما بعد، فانقلبت حياتي رأساً على عقب. صابون وماء وطعام، واهتمام من أمي بابنتها الكبرى. اهتمام غير مسبوق بنظافتي وهندامي واظهار جمالي. لم أكن أعلم أن في إمكاني أن أكون جميلة وأنيقة. أشهر مضت فصرت فتاة أخرى. خالتي وجارتنا وأمي يقلمن أظافري ويعتنين بشعري و "ينتفن" حاجبيّ. حتى أن خالتي أهدتني زجاجة عطر وأحمر شفاه زهري اللون. اختلفت نظرات أمي الي. صرت كنزها، مغارة علي بابا التي ستفتح مصراعيها لها بمجرد أن يحين الوقت المناسب. كنت الخيط الذي يمسك علاقة أمي بأبي ويوحدهما، هو في رغبته بأن تستلطفه، وهي في توقها الى أن أعوض لها حياتها السابقة وأستحوذ على ما كان ينقصها طوال عمرها.

    جارنا الذي ساعد والدي على ايجاد عمل هو الذي سعى في زواجي من رجل مقتدر يعيش أيضاً في إحدى البلدان العربية. اعترض والدي في أول المطاف على الأمر، ولكن وسط الحاح زوجته ونصائح جاره وثقته العمياء به بعدما قلب مسار حياته رأساً على عقب، رضخ شيئاً فشيئاً للفكرة.

    في إحدى ليالي ربيع 2001، وبعد حين من انتقالنا وتغير أحوالنا، كان إخوتي نياماً وكنت انهيت للتو غسل الصحون المكومة في المجلى. استأذنت أمي كي أدخل الى الفراش فإذ بها تطلب مني أن اجالسها قليلاً لأن لها رغبة في أن تحدثني في موضوع هام. على طرف الكنبة جلست، بينما راحت تحكي عن عذاباتها وشبابها الذي ضاع سدىً في الفقر الذي أثقل كاهلها ورغبتها بأن تكون حياتي أفضل من حياتها. راحت تحدثني عن الزواج وتقول أن الرجال جميعهم متشابهون وأن المرأة الذكية هي التي تعرف كيف تستغل شبابها وصباها لاصطياد عريس يؤمن لها رغد العيش وكل مستلزماتها المادية. ثم صارحتني بأن جارنا على صلة برجل خليجي ميسور الحال في بداية العقد الرابع من عمره، له زوجة أولى وولدان ولكن امرأته مريضة وهو يريد أن يستمر في حياته بطريقة طبيعية ويريد أن يتزوج مجدداً.

    أغرتني الفكرة. زوجته الأولى مريضة ولن تتدخل في حياتنا. وماذا أريد أكثر من ذلك: زوج لا أعرف عنه شيئاً سوى أنه ثري. لم أكن افهم ما هي الحياة الزوجية ولا لماذا يتزوج البشر. لم يتسن لي التفكير مطولاً في الموضوع. فالحوادث المتتالية بسرعة توجتني عروساً بلا مقدمات. أعلم أنهم أرسلوا صوري لزوجي المستقبلي وهاتفني بضع مرات. كنت خجولة جداً وبدا صوته عذباً ولطيفاً. كان يسألني كم عمري وكيف أقضي أوقاتي وإن كانت لي أية تجارب سابقة. محادثاتنا كانت مقتضبة وعمّ الخجل معظمها. في بداية الصيف، جاء على أن يبقى ثلاثة أيام في لبنان ثم نعقد قراننا ويصطحبني معه الى مكان إقامته.

    كان مهري 15 ألف دولار أميركي ومؤخري ضعف هذا المبلغ. هذا فضلاً عن الهدايا التي أغرقنا بها حين أتى. كانت أمي مذهولة به. زارنا مرتين واختلى بي في زيارته الثانية. راح يتغزل بجمالي وشعري الكستنائي الطويل وعيني السوداوين وجسدي الممشوق. بين لهجته المختلفة عن لهجتي وخجلي الشديد، كنت قليلة الكلام. وعلى قدر ما طمأنه خجلي، لم يشجعني على أن أفتح له قلبي. "سوف تصبحين زوجتي"، كان يردد كولد سيحظى بدمية جديدة أو ينتظر بقارغ الصبر صباح رحلة مدرسية. كنت خائفة وصارحت خالتي بخوفي. طمأنتني وشرحت لي قليلاً عن الزواج. بدأت تحضرني لليلتي الأولى التي كنت أجهل كل شيئ عنها. أخبرتني أن دماً سيسيل من بين فخذي ولكن لا داعي للخوف فهذا أمر طبيعي. كنت عديمة الخبرة. عدا عن بعض قبلات شاهدتها في الأفلام المصرية، ورواسب مشاجرات والديَّ، لم أكن أعرف شيئاً عن الموضوع.

    عندما قبضت والدتي ثمني، كادت تجن من الفرح وكنت أشاركها ذاك الحبور. على خلافها كان والدي خائفاً ومتردداً. جاء الشيخ الى منزلنا يوم أربعاء على أن أعقد قراني في لبنان وأمضي ليلة في فندق مع زوجي قبل أن نسافر في اليوم التالي.

    شهوة محمومة

    ذكريات ليلتي الأولى أشبه بضباب. لا أذكرها تماماً كما لو أنها دفنت في إحدى فجوات الذاكرة وأبت الظهور مجدداً. شعرت بالألم في اليوم التالي. بت امرأة أخرى نصفها غريب عني ونصفها الآخر مصاب بغيبوبة وسط أحداث متسارعة. أقلعت الطيارة وغادرت لبنان، الذي لم أعرف منه سوى منزل الصفيح والمدرسة الرسمية والفقر المقيت الذي التصق بطفولتي كشبح، قبل انتقالنا الى شقة مشاجرات والدي. جلس زوجي الى جانبي في الطائرة. كنا ما بين السماء والأرض وأنا أنظر الى عالم لا اعرف عنه شيئاً. في المطار كان ينتظرنا سائقه الخاص. تسلّم حقائبنا وذهبنا الى المنزل.

    دخلت عش الزوجية برجلي اليمين. ستائر ممتدة بطول الحائط وعرضه، أثاث فخم وغرفة نوم تفوح فيها رائحة الشهوة. في الأسبوع الأول، كان يلجني ليلاً ونهاراً، كرجل متعطش للنساء كأنني زهرة يجب امتصاص رحيقها حتى آخر رمق. أحسست بالوجع والخوف والخدر يسري في جسدي. صارحته بألمي فنظر الي بعينيه المتسعتين وبشرته الداكنة وقال: لم تتألمين؟ ما زلنا في البداية يا صغيرة وسوف ترين الكثير. كان كلامه مخيفاً وتصرفاته أيضاً. وبدأ يزداد غرابة يوماً بعد يوم. كان يتجرع الكحول ليلاً وطلب مني أن أجاريه في تناول كأس من الويسكي. رفضت فأثرت بذلك أولى نوبات غضبه وجنونه. جذبني من شعري الى الأسفل واتهمني بأنني أمثل البراءة. عنفني وحذرني لأني كنت قد بدأت أزعجه وأستنفذ صبره. على حد علمه، اللبنانيات يتقن فن الاهتمام بالزوج، ومجبولات برحيق الغواية والإثارة. فلمَ لا أمتّعه كما ينبغي. كانت شهوته محمومة وغريبة، وليس لها مثيل. شعرت بالقرف ولكني لم أتوان عن الرضوخ لرغبته. كنت أبكي تارة وأحبس الدمع والغصة تارة أخرى خوفاً من أن يسمعني ويستيقظ ويطلب مني المزيد.

    زوجة ثالثة

    قبل أن يتوجه الى عمله، اخذ يطلب مني أن ألبس له قميص نوم مثيراً ليلاً وأنتظره. أخبرته أني أريد مهاتفة أمي فربط الأمر بسلوكي ليلاً. إن كنت فتاة رغباته المطيعة، سأتمكن من الاتصال بذوي. على الهاتف أخبرت امي بأني بخير، وما كان يعنيها فعلاً أن أستفسر عن مدى ثراء زوجي وعما ان كنت زرت أماكن التسوق. كرهت أمي. أقفلت السماعة بهدوء واستسلمت للواقع. لا معارف لي في هذه البلاد. القوانين صارمة ولا مفر من قبضة الرجل الذي وقعت اسيرته. شربت الويسكي ليلاً وصرت امرأته. توالت الأيام واتقنت الحرفة التي اشتراني من أجلها. حتى أنني حصلت على امتيازات مادية من مهنتي الجديدة، تسوق وبطاقة مالية. هربت من وحشتي ووحدتي الى التسوق، الى شراء ما لم يكن بامكاني الحصول عليه من قبل. شاهدت برفقته افلاماً اباحية أمقتها، وانسقت وراء متطلباته من دون ممانعة. لم يكن يوماً لطيفاً. هددني وابتزني. كنت لعبته الجنسية. سنتان مرتا على هذه الحال رفض خلالها أن يدعني أعود الى بلدي لكي أزور اهلي. كان يغيب لفترات ثم يعود. يعزو غيابه لانشغاله بأعماله وزوجته الأولى.

    المفاجأة الكبرى التي تدهورت إثرها الأمور كانت حين اكتشافي اني زوجة ثالثة، وليس كما زعم، زوجة ثانية. جلبها الى بيتي، في يدها حقيبة فيها بضع أثواب وانكسار فاق انكساري. يا لفظاعة ذاك الرجل، الذي ضاجعنا معاً على سرير واحد. كانت جميلة هي أيضاً وقوية. ولكن أي قوة؟

    ضربني حين رفضت الامتثال الى اوامره. حرمني من التسوق. الزوجة الثالثة كانت أكثر خنوعاً مني. ومستعدة لفعل اي شيء من أجله. لم تكن تحبه. كانت خائفة منه. وشربنا معاً حتى الثمالة. كيف انحدرت هكذا؟ مشاعر السخط والعار تآكلت بقايا جسدي الذي استهلكه. اتصلت بأمي هاتفياً ورحت اصرخ. لم أعد أحتمل. كنت منهارة. زوجته الثالثة رق قلبها لحالي، هي التي بدت كما لو أنها تآلفت مع الجحيم. اشتقت الى فقري. صرخت في وجهه أيضاً. أردت أن يطلقني. أصررت على ذلك. ضربني وأهانني أما الزوجة الثالثة فراحت تستقبله مفتوحة الذراعين. هي التي أقنعته بأن يمنحني حريتي. أكان ذكاؤها أم مكرها؟ لم أعد أفهم. ولكنها كانت حنونة. كانت سورية الجنسية. وهمست لي في غيابه: "خلصي منو طالما فيكي، انا بساعدك". أخبرتني قصتها التي كانت أبشع من روايتي بكثير. فهي حتى لو شاءت الخلاص، لن تسلم من زوج أمها الذي اغتصبها. على الأقل، كان لي أب.

    طلقني أخيراً. كان كريماً كفاية لكي يشتري لي تذكرة عودة الى وطني. عدت الى لبنان. مع رواية عن القهر والعذاب. عدت ببضعة قمصان نوم عليها آثار جريمته. أبي عاد أيضاً ليستقبل ابنته بعد طول غياب. لم يكن يعلم أني عدت خائبة ولكنه لم يكن يبالي أيضاً. وحدها تلك المرأة التي كانت تدعى أمي صرخت "وين بدي خبي وجي، يا فضيحتي، بنتي مطلقة". "طلقك هيك، وين المؤخر؟". أين ستخبئ وجهها من شماتة الجيران والأقارب. "يا حمارة"، راحت تصرخ الى أن ثار عليها ابي أخيراً. "سدي بوزك"، صرخ في وجهها حتى أنه ضربها. احتدم عراكهما ودخلت اخيراً كي تنام. أقفلت باب غرفتها بالمفتاح، فيما جلس والدي في غرفة الجلوس ودفن رأسه بين يديه. جلست قبالته أنظر اليه. رحت أبكي. اقترب مني وأسند رأسي الى كتفه وقال "شو عمل فيكي هالابن الكلب، شو عمل فيكي. فوتي نامي يا بنتي، فوتي". دخلت أنا أيضاً كي أنام. دسست جسدي في الفراش. لم أغفُ بسرعة. شعرت به حين دخل الى غرفتي كي يغطيني. تظاهرت بأني نائمة. قبل جبيني وخرج. سمعته أيضاً يجر الكنبة كي ينام عليها في غرفة الجلوس. كانت دموعي تنساب على الوسادة. غرقت في سبات عميق متمنية ألا أستفيق منه.

    جنى الحسن

    النهار
    الأحد 23 أيار 2010


Tags for this Thread

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •  
All times are GMT +3. The time now is 16:40.
Powered by vBulletin® Version 4.2.1
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Resources saved on this page: MySQL 10.00%
Parts of this site powered by vBulletin Mods & Addons from DragonByte Technologies Ltd. (Details) Runs best on HiVelocity Hosting.