• Before posting an article from a specific source, check this list here to see how much the Orange Room trust it. You can also vote/change your vote based on the source track record.

مسيحيّــــــة

Picasso

Picasso

Legendary Member
Orange Room Supporter
مسيحيّــــــة

أنسي الحاج

أفهم ـــــ وغالباً ما كنته ـــــ مسيحيّاً يتألّم من دينه ويشكّك فيه ويهاجمه. كذلك البوذي واليهودي والمسلم والماركسي وسائر المنتمين. ولكن كيف يُشكّك ويكفر ويظلّ يشكّك ويكفر إذا كان في مجتمع أكثريّته الساحقة من غير دينه؟ كيف يفعل دون أن يبدو مداهناً للأكثريّة؟ كيف يفعل، بدايةً، وكونه أقليّة يؤهّله، بحكم ردّ فعل الاحتماء والحماية أو الشهامة، لمسايرة غرائز انتمائه المذهبي أو الطائفي أو العقائدي أيّاً يكن؟

هذه العقدة، التي قد أعانيها كمسيحي في محيطي الإسلامي، يبدو أن آخرين من مذاهب أخرى لا يعانونها في الغرب، وتحديداً في صناعة السينما الغربيّة. إلّا إذا لم يكونوا من الأقليّات بل من أكثريّات مختلطة بأقليّات، وهذا هو الأرجح خصوصاً في الولايات المتحدة. وإلّا، وهذا هو الأهمّ، إذا كانوا أقلّية، عنصريّة أو دينيّة، تمارس ضغينتها ضدّ أكثريات لها عليها ثارات أرضيّة وسماويّة.

لماذا هذا الحديث الآن؟ لأنه لا يمرّ يوم إلّا تعرض الشاشات الصغيرة (وطبعاً قبل ذلك الشاشات الكبيرة) أفلاماً من المستحيل أن لا يكون أحدها، على الأقلّ، موجّهاً، بطريقة مكشوفة أو مبطّنة، ضد المسيحيّة عموماً وضدّ الكاثوليكيّة على الأخصّ.

تُدغدغ هذه الأفلام مشاعر الانتهاك والتجديف عند الراغب، وتضيف إلى الملحد قرائن، وتزرع الشكّ في البريء، وتزعزع، مرّة بعد مرّة، إيمان أشدّ المؤمنين إيماناً. ولم تترك وسيلة ولا ذريعة لإظهار الكنيسة الكاثوليكيّة بؤرة فساد في كلّ الاتجاهات إلّا استعملتها، والأصحّ استنبطتها، وبينما كانت هوليوود، مثلاً، في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين لا تزال تراعي على الأقل بعض الشكليّات في مقاربتها لهذه الموضوعات، ولو كان كل ما يتعلّق باليهوديّة ماضياً وحاضراً هو الهمّ الأول والمقدَّس الدائم لديها، فقد جنحت السينما الغربيّة منذ السبعينات جنوحاً تصاعديّاً صارخاً في إنتاج الأفلام الكارهة للكنيسة خاصة وللمسيحيّة عامةً، وأشدّها ذكاءً، ربّما، تلك الأفلام التي توهم الجمهور أنها تستند إلى أسس تاريخيّة. وفيما كانت نوعية هذه السينما هي العنصر البارز باتت كميّتها الهائلة الوتيرة هي الظاهرة الأبرز، وآخر الدارجات فيها مشاهد القتل والصراع الناري داخل الكنائس وما يرافقها من سفك دماء وتحطيم صلبان وأيقونات ومذابح، فضلاً عن شرشحة الرهبان والراهبات والأساقفة (وقد باتت تهمة التحرّش بالأولاد مرادفة لهم بفضل الإعلام) بمَن فيهم حَبْرهم الأعظم، وصولاً طبعاً ودائماً إلى المسيح وقيمه.
■ ■ ■

أكتبُ بتردّد. مَن يعبأ بموضوع كهذا؟ وهل تقترف السينما ذنباً إنْ هي تصدّت للتابوهات وأعملت فيها تشنيعاً؟ أليس هذا ممّا يثقّف ويسلّي؟ بل أليس هذا مدعاةً للإعجاب؟ والأسخف، أليس كاتب هذه السطور هو أحد الذين تسلّقوا على ظهر مناوأة أمثال هذه المحظورات؟

صحيح. السؤال هو فقط: لماذا لا يتجرّأ هؤلاء الأبطال إلّا ضدّ جهة واحدة؟ لماذا لا أحد في هذه السينما يتصدّى لتابوهات الأديان والمذاهب والعقائد الأخرى؟ ولماذا لا يرى هؤلاء في المسيحيّة الكاثوليكيّة إلّا مكاتب التفتيش والحروب الصليبيّة وشذوذ الكَهَنة الشاذين وتخلّف رهبان القرى؟ لماذا ولا مرّة شاهدنا فيلماً يروي قصّة مضيئة من تاريخ هذا الوحش الذي يُراد إظهار الكنيسة به وتثبيت هذه الصورة إلى الأبد في الأذهان؟ وهل المسيح هو إمّا هذا الغليظ البليد أو المازوكي المهووس أو الساحر الأُلعبان الذي تتناوب على تجسيده أفلام الغرب؟

أشعر، مرّة أخرى، أنّني أكتب لغةً خرساء وأُرسلها إلى عالمٍ أعمى. إلى لا أحد. ولكنّه ثقلٌ ضاغط ولا بدّ أن أتخلّص منه.
■ ■ ■

يستطيع المراقب أن يقول إن أبلغ دليل على تسامح الكنيسة والمسيحيّين عموماً هو أن صوتاً واحداً لم يرتفع باستنكار هذه الحروب المستمرّة لا سينمائيّاً فحسب بل أدبيّاً وفلسفيّاً وإعلاميّاً، مباشرةً ومداورة، والعمل المنهجي المسخّر لجميع الإمكانات من أجل إلصاق أبشع التُهم والرذائل بهذا الدين وبمؤسّسه ورموزه. ويستطيع مراقب آخر أن يقول العكس، أن يقول إن هذا الاستسلام التام لتلك الحروب هو الدليل القاطع على انحطاط عَصَب الفكر المسيحي واكتفاء الكنيسة بدور المتَّهَم الذي ينبغي له أن يشكر ربّه لعدم التشهير به أكثر من ذلك.

لكنّ المسيحيّة، ولو روّعتنا الدعاية، ليست هذه التي تصوّرها لنا الكتل الأنتي كاثوليكيّة الأنتي أرثوذكسيّة الأنتي روح المسيحيّة عموماً. تاريخ المسيحيّة مليء بالأخطاء تخلّلته صراعات أهليّة معظمها أحمق أو ذو خلفيّات وأهداف سلطويّة لا علاقة لها بالمسيح، ولطّخته ممارسات ظلاميّة وانحرافات يعرفها القاصي والداني، ولا يخلو دين ولا معتقد من أمثالها، زادت أو نقصت. لكنّ تاريخ المسيحيّة، والمسيحيّة الكاثوليكيّة على وجه الحصر، عامرٌ بأضخم المساهمات الحضاريّة، وإذا كان لا يُحكى عن عصور مظلمة إلّا يُقرن بتخلّف فكري كنسي ما، لا يحكى عن عصور النهضة إلّا يُقرن بدور الكنيسة والمسيحيّين عموماً، بمَن فيهم الذين لم يمارسوا طقساً وبمَن فيهم المشكّكون والملاحدة.

لو لم تكن أعمال الرسّامين والنحّاتين والمعماريين والمؤلفين الموسيقيّين والشعراء والأدباء والفلاسفة (وعلى رأسهم المشككون والملحدون) والمؤرّخين واللغويّين والمعلّمين والنُسّاك والشهداء مدوّنة في التاريخ وماثلة في يوميّاتنا إلى الساعة لظننّا، ونحن نشاهد أفلام الغرب، أننا كنّا نحلم، وأن المسيحيّة ليست سوى كذب وخداع وخرافة وبشاعة، وأن الحضارة لم يَبْنِها إلّا ضحايا المسيحيّة.
■ ■ ■

أسوأ المتعصّبين هم الذين يجعلونك تعتقد أن المتعصّب هو غيرهم وأنهم هم وُلاة التحرير. والحقيقة أن العبوديّة الأشدّ فتكاً هي الحقد. وشرّ ما يكون الحقد عندما يتسلّط على التوجيه التربوي والفكري والفنّي والإعلامي ويمعن منهجيّاً في مصادرة التاريخ وتشويه الحقائق. السلاح الأكبر ليس الذرّة ولا النفط ولن يكون الماء بل هو، دائماً، الإعلام. كان في ما مضى يُسمّى التثقيف، أو التوجيه، أو تدوين التاريخ، ويكاد اليوم يصبح وقفاً على التلفزيون والسينما والإنترنت، وخلفها تجرجر الكتب والجرائد أذيالها لاهثة. لقد بات الإعلام في قبضة فئتين تجمعهما مصالح متشابهة: فئة الانتهازيين وفئة أصحاب الثأر. ولا مواجهة لغرضيّته وتحامله إلّا بالتوعية.
■ ■ ■

إذا كانت المسيحيّة كمؤسسة قد ضاقت أحياناً وربما غالباً بعُصاتها الداخليّين فرحابُ الروح المسيحيّة لم تضق ولن تضيق. المسيحيّة هي بولس كما هي نيتشه، وهي لاهوت يوحنّا الذهبي الفم وأغسطينوس وتوما الإكويني كما هي لاهوت تيلار دو شاردان ولاهوت التحرير في أميركا اللاتينيّة. المسيحيّة هي دوستيوفسكي العبثي وهي دوستيوفسكي الصوفي. المسيحيّة هي أفرام السرياني كما هي بودلير وهي السلام كما هي القلق المبرّح والتيه والتناقض. أنتجتْ وأُعيد إنتاجها. ولعلّ أقوى عناوينها، بعد المحبّة، أن الإلحاد، في الفكر الغربي على الأقلّ، لا يزال يُقاس بها.

هذه الكلمة ليست أكثر من حرقة ألم حيال التمادي في تزوير الحقائق حيث كنّا، في مثاليّتنا الساذجة، نحسب أن كلَّ شيء قابل للتدنيس إلّا الحقيقة.

«لكنّي أعود»

نحن سكون في حركة كبرى أم حركة في سكون أكبر؟ إذا قسنا على اللغة، «المحرِّك» في العربيّة يُكنّى به عن اللّه، والاستنتاج بديهي: الكائنات «شخوصٌ وأشباح تمرّ وتنقضي» كما يقول الشاعر، و«تفنى جميعاً والمحرِّكُ باقِ».
لكنّ اللغة تتناقض والغريزة أحياناً، والغريزة تُصوِّر للمرء أن اللّه، بسرمديّته، هادئٌ الهدوء كلّه. الحياة البشريّة، بل حياة كلّ ما هو حيّ في الطبيعة، انعكاسٌ لطاقة تبدو لمخيّلة هذه المَنْمَلة التي هي الأرض وسكّانها، تبدو، في لاحدودها ولانهايتها، مُطْلَقَة السكون، وكأن المصدر لا يشبه الفرع، على عكس ما تقول التوراة إن الله خلق الإنسان على صورته. حَرَاك الإنسان نفحةٌ من سكون اللّه لا امتداد لحراكه. «المحرّك باقٍ» لأنّ طاقته لا تنفد، وطاقته لا تنفد لأنّه «نبع الينابيع» كما تغنّي فيروز. المحرّك يُحرّك انطلاقاً من صلابة جذوره المطْلَقة، الجذور التي لا أوّل لها ولا آخر. الجذور لا تتحرّك. وحدها الأوراق (وأحياناً الأغصان في الشدائد) تذهب وتعود، ترتعش وتتبلّل، تخضرّ وتَصْفرّ. أيّتها الأوراق والثمار، أسفاً عليكِ، تأخذين خيرَ المياهِ وروحَ الرياح وتلمعينَ كالعرائس المبتهجة، وفجأةً إلى التراب. لا أسألكِ كيف ترضين بانطلاء الخدعة عليكِ، بل أسألُ صانعيكِ بأيّ قلبٍ يقدرون أن يكتبوا لكِ هذا المصير؟
وأسمعكِ تصرخين بي شامتة:

ـــ لكنّي في موسمي أعود! وأنا مَن يعود، لا شَبَهي! لا شَبَهي ولا ذكراي! لا شَبَهي ولا ذكراي ولا خلودي! أنا! أنا بنفسي أعود، أيّها المخلوق على صورة اللّه...


جريدة الأخبار
عدد السبت ٧ آب ٢٠١٠

 
  • Advertisement
  • shadow1

    shadow1

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    You have the darwinists and you have the hedonists. They both atatck christianity to justify their own beliefs and convictions. The catholic church being the most dominant of those christian institutions is naturally the one that bears the brunt of these attacks.

    If Christianity is however built on the solid foundations it claims to be it shouldnt be worried about these things. It has faced doubters and atheists since its inception and will still face them until christianity itself is proven to be either built on shaky foundation and it withers away or to be a true religion and , in that case, all this is just art.

    One of the basic tenets of christianity is: The truth shall set you free.
    So if there is truth, it shall survive all these glitches. If there isn't, then its own foundation is shaky and I see no reason why it shouldnt be treated like any other cults that might exist in the world today.
     
    Darwish

    Darwish

    Well-Known Member
    Interesting article and interesting point Shadow1

    Chrisitians in the East tend to look at Christianity in the West from their eastern perspective based on these few eastern realities:

    - Christians are minority in the east and live in the phobia of being persecuted or extinct. They think the whole Christian world is like them a menaced minority....
    - Christians in the east are rooted in Catholic (+ affiliated Churches) and Orthodox concervateurism
    - The Nakba + Arabo-Israeli war and the Judeo-phobia and all the ancient myths around it, makes them squeeze the fate of Jesus along with these events by reviving and keeping the ancient fundamental Christian thought : "Jews killed Christ, the son of God" therefore they believe that "the jewish conspiracy is still aiming at destroying Christianity through different means..."
    - etc....

    Indeed the west is a different story, they lived under dark Church rules + minorities were smashed + liberals were terrorized for their thinking and theories etc...

    Christians in the east either live in the negationism of the western church past acts or they try to play it down... or they are simply not aware of its bloody mark on western history... Yet the late Pope made a straight forward apology in the name of the Church etc...

    Same goes for children abuse cases... It is played down or associated with cliché conspiracy theories.... Yet it is a sad reality...

    Christianity in the West is now a pale wallpaper on the wall of modern liberal cosmopolites... Minorities got finaly the mouth free to speak so indeed some frustration is still being thrown at what is left in the Christian church...

    Also I personaly believe that Christianity is not standing on solid grounds but I will stop here because this topic seems an endless debate in another thread :)
     
    JB81

    JB81

    Legendary Member
    Interesting article and interesting point Shadow1

    Chrisitians in the East tend to look at Christianity in the West from their eastern perspective based on these few eastern realities:

    - Christians are minority in the east and live in the phobia of being persecuted or extinct. They think the whole Christian world is like them a menaced minority....
    - Christians in the east are rooted in Catholic (+ affiliated Churches) and Orthodox concervateurism
    - The Nakba + Arabo-Israeli war and the Judeo-phobia and all the ancient myths around it, makes them squeeze the fate of Jesus along with these events by reviving and keeping the ancient fundamental Christian thought : "Jews killed Christ, the son of God" therefore they believe that "the jewish conspiracy is still aiming at destroying Christianity through different means..."
    - etc....

    Indeed the west is a different story, they lived under dark Church rules + minorities were smashed + liberals were terrorized for their thinking and theories etc...

    Christians in the east either live in the negationism of the western church past acts or they try to play it down... or they are simply not aware of its bloody mark on western history... Yet the late Pope made a straight forward apology in the name of the Church etc...

    Same goes for children abuse cases... It is played down or associated with cliché conspiracy theories.... Yet it is a sad reality...

    Christianity in the West is now a pale wallpaper on the wall of modern liberal cosmopolites... Minorities got finaly the mouth free to speak so indeed some frustration is still being thrown at what is left in the Christian church...

    Also I personaly believe that Christianity is not standing on solid grounds but I will stop here because this topic seems an endless debate in another thread :)
    Had the church been that bad, how come democracy, freedom and liberalism survived this evil church? How come these idealogies emerge in first place?
    The author of this article questioned the media's approach of church role in European History. They forget to mention that the Renaissance started in Italy by the church. Universities, arts, libraries were all supported by the church. The church built schools all over Europe, encourage education. Is that the dark age that the media refer too?
    However, the media do not mention the atrocities of the athiests. In the name of justice and equality, The French Revolution slaughtered hundreds of thousands of people, from Royals to clergy to anyone who oppose their ideologies. They did not stop here, they started to kill each others off. What other non religous role model could we take? The USSR or Communist China?
    You can't blame why many christians questions media's resources and ambition when the media intentionally falsefy history by speaking only half of the truth if not less.
     
    Darwish

    Darwish

    Well-Known Member
    Had the church been that bad, how come democracy, freedom and liberalism survived this evil church? How come these idealogies emerge in first place?
    The author of this article questioned the media's approach of church role in European History. They forget to mention that the Renaissance started in Italy by the church. Universities, arts, libraries were all supported by the church. The church built schools all over Europe, encourage education. Is that the dark age that the media refer too?
    However, the media do not mention the atrocities of the athiests. In the name of justice and equality, The French Revolution slaughtered hundreds of thousands of people, from Royals to clergy to anyone who oppose their ideologies. They did not stop here, they started to kill each others off. What other non religous role model could we take? The USSR or Communist China?
    You can't blame why many christians questions media's resources and ambition when the media intentionally falsefy history by speaking only half of the truth if not less.
    Democracy and liberalism defied the establishment and were not the direct inspiration of the Church rule...

    Building schools and then burning those who oppose the church on sticks or torturing liberal thinkers during the inquisition is one part of the dark eras media refer to (and also the late Pope apologized about as well...)

    Renaissance in Europe developed in an atmosphere where the Church was still operating with power... Yet Renaissance or at least the mainstream side of it, did not defy the Church directly... I personaly think it used it for its own needs for artistic, architectural and literary technical researches... (Yet some underground movements were trying to dig in the forbidden; DaVinci was certainly someone who had some underground researches going on the side of the Church requests...)

    Yes of course Secular social and political movements / revolutions did not do better... But do not forget, in the history of societies, a new extreme is a reactionary answer to an older opposite extreme... They are clear extremist answers to the Church extremism...

    And yes of course Medias give you what they decide for you to know and not all what you need to know... cliché but true...
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    زيـــــارة لـــقـــريــــة فـلـــســــطــــيـــنـــيــــة فـــي وســـــــط أوروبــــــــــا

    تفريغ المسيحية من الاناجيل الاربعة
    واستخدام الاناجيل المنحولة لتبرئة يهوذا


    "لا يجوز ان تغادر بافاريا قبل ان تزور القرية الفلسطينية الموجودة في هذه المنطقة منذ سنة 1643. وانا على يقين انها القرية الفلسطينية الوحيدة في كل اوروبا".

    هذا ما قاله لي يوهان هولز مولر، قنصل لبنان الفخري في ميونيخ، عندما علم بموعد سفري القريب.

    وكان طبيعياً ان تثير حكاية القرية الفلسطينية فضولي، فلم اتمالك من ابداء علامات التعجب والاستفهام: "قرية فلسطينية في بافاريا"؟ وقام القنصل من مكانه ليفتح درج مكتبه ويضع بين يدي كتيباً صغيراً تتصدر غلافه صورة تمثل يسوع المسيح وهو ينوء تحت حمل صليبه الثقيل. وفوق هذه الصورة الكئيبة قرأت عنوان الكتيب بأحرف بارزة: تمثيلية آلام المسيح في أوبرامرغو".

    وقبل ان استرسل في استيضاح أهمية هذا المكان الذي يستدعي تأجيل سفري، فاجأني القنصل هولز مولر، بسرد حكاية تاريخية مؤثرة قال إنها تبرر اصراره على حضوري التمثيلية.

    وراح يروي من ذاكرته بعض الوقائع، مستعيناً أحياناً بالتفاصيل المنشورة في الكتيب المترجم الى اللغة الانكليزية. كان صوته الهادىء مشبعاً بنبرة الورع، وخصوصاً كلما اتى على ذكر القسم الجماعي الذي اعلنه الناجون من وباء الطاعون في قرية اوبرامرغو.

    قال، وهو يشير بيده عبر النافذة الى الجبل الاخضر الذي تتكىء عليه ميونيخ (ميونشن): "هناك في الاعالي وخلال الفترة المعروفة بحرب الثلاثين سنة، عندما كان جيش السويد يحاصر اوبرامرغو ومحيطها، انتشر سنة 1633 وباء الطاعون وقضى على مئة من سكان قرية لا يزيد عدد سكانها على 600 شخص. وتقول الرواية ان الابتهالات الى الله كي يصون سكان تلك القرية المسالمة، كانت تتردد اصداؤها داخل الكنيسة طوال النهار والليل. وبعد زوال المحنة، أعلن الكاهن ان الاستجابة الربانية لدعاء المصلين يجب ان تقابل بالشكر مدى الدهر. لذلك اتفق مع الاهلين على اقامة مهرجان مسرحي يصور مراحل حياة السيد المسيح من المهد الى يوم القيامة. وارتأى الكاهن الكاثوليكي ان يصار الى تجميد الزمن بحيث تصان الطقوس والعادات والمظاهر الخارجية ووسائل العيش التي كانت معروفة في العصر الروماني. وعملاً بهذا المبدأ، تخلى سكان القرية عن لباسهم الجرماني التقليدي، وارتدوا الثياب الفضفاضة الشبيهة بالقفاطين. اما عدد سكان القرية في هذه الايام، فلا يزيد على ستة الاف نسمة بينهم 2200 رجل وامرأة وطفل يمارسون التمثيل والاداء وحفظ السيناريوات، ويشتركون في بناء المسرح الضخم الذي يتسع لهم جميعاً".

    وتوقف القنصل عن الكلام عندما شعر بأن التمثيلية اثارت فضولي، ثم قدم لي بطاقتين وزاد: "منذ سنة 1643 وهذه التمثيلية تعرض كل عشر سنين مع بداية شهر ايار حتى 21 تشرين الثاني بمعدل خمس مرات في الاسبوع. ويأمل المجلس البلدي ان يجمع هذه السنة مبلغاً لا يقل عن ثلاثين مليون دولار. وهكذا اصبحت تمثيلية آلام المسيح مصدراً لجذب آلاف السياح من كل اقطار العالم". الدليل الى أوبرامرغو كان الشاب كارل الذي اختاره القنصل لمرافقة معارفه من زوار ميونيخ. وبما انه ولد في هذه المدينة، ودرس في جامعتها، فقد اتيحت له فرص الالمام بأدق تفاصيل تاريخها السياسي والثقافي.

    ولاحظت من طبيعة المواقع التي انتقاها كارل، انه ينتمي الى الشبيبة الجرمانية الرافضة كل أساليب الاعتذار عن ماضي المانيا المعيب. وفي اليوم الاول من جولة التعرف الى معالم المدينة، اختار عمارة قديمة ليدشن بها زيارتي. وعندما أوقف السيارة وترجل منها، حرص على تجاهل فضول المارة، وتظاهر باصلاح سيارته المتوقفة أمام المبنى. واخبرني بصوت خفيض كالهمس ان هذا القبو شهد اطلالة ادولف هتلر على اجتماعات الحزب الوطني الاشتراكي (نازي) حيث تسلق الى الزعامة فوق اكتاف المعجبين بادائه الخطابي. وقال ان هتلر خطط من هذا المخبأ لانتفاضته الاولى على النظام بحركة عصيان في 8 تشرين الثاني 1923 عرفت بـPuteh-Rising.
    الموقع الثاني الذي حرص كارل على ايلائه الكثير من الاهتمام، كان المبنى الذي استقبل فيه هتلر وزير خارجية بريطانيا آرثر تشامبرلن. قال وهو يشير الى المكان من الرصيف المقابل كي لا يسترعي انتباه المارة: في هذا المكان عقد تشامبرلن مع نظيره الفرنسي ادوار دالادييه معاهدة ميونيخ بغية استرضاء الفوهرر (30 ايلول 1938). يومها وافقت بريطانيا وفرنسا على ان تضم المانيا النازية منطقة السوديت غربي تشيكوسلوفاكيا. وخلاصة الاتفاق ان بريطانيا وفرنسا تطلقان يد المانيا للاستيلاء على جبال السوديت وضمها الى الرايخ خلافاً للمعاهدات التي تضمن استقلال هذا البلد.
    وتذكرت اثناء العرض الذي قدمه المرافق كارل، الفصول الغنية بالمعلومات التي كتبها شاهد على تلك الحقبة الخطيرة الاستاذ اميل خوري في كتابه "آثار اقدام". وهو مؤلف قيم زود المكتبة العربية ثقافة تاريخية صحافية ميدانية قل نظيرها.

    هتلر وشابيرو

    الطريق الى بلدة أوبرامرغو يشبه الى حد كبير طرق جبال لبنان في التواءاتها وتعرجاتها ومنحدراتها. لكنها تتميز عنها بمراعيها الخضراء وحظائر البقر المنتشرة قرب المنتجعات المائية. وكان المشهد مثيراً للسياح الذين رأيتهم يلتقطون الصور التذكارية مع الرعاة والابقار المزينة بالاجراس النحاسية الضخمة المعلقة في رقابها. مع غياب الشمس كانت الحافلات وسيارات الاجرة والخاصة، تفرغ المئات من الركاب أمام البوابة المؤدية الى المسرح القائم في الهواء الطلق. ومع ان الرؤية كانت متوافرة لاكثر من أربعة آلاف مشاهد ومشاهدة، الا ان القنصل هولز مولر حرص على حجز مقعدين في الصف الامامي المخصص لضيوف الدولة ورجال السلك الديبلوماسي. وقد استغل كارل فترة التحضير والاجراءات الاعدادية ليخبرني عن التبدل الجذري الذي تعرضت له هذه التمثيلية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.
    قال بلهجة محاذرة، مستغلا الضجة الصادرة عن المسرح المكشوف من دون ستائر ولا عوازل: سنة 1933 قام هتلر بزيارتين لهذا المكان دليلاً على اعجابه بالتمثيلية وبالاهداف السياسية والثقافية التي تتضمنها. وكان ذلك بمثابة حافز لاعضاء الحزب لان يقتدوا بزعيمهم. واللافت ان الاقبال الكبير لم يتأثر ولم يتضاءل بعد الحرب. والسبب ان أهل أوبرامرغو جعلوا التمثيلية صناعة سياحية متكاملة. أي انهم اصبحوا أسرى الزوار الذين يتحكمون بايقاع حياتهم، وبكل مصادر الرزق التي يجنونها من بيع التذاكر وخدمات الفنادق والمطاعم والتذكارات والخشبيات المحفورة ووسائل الاتصالات والمواصلات. وعندما زارها البروفسور جيمس شابيرو، استاذ الادب المقارن في جامعة كولومبيا الاميركية، اكتشف ان هذه المسرحية تمثل مصدراً خصباً لانتاج روح العداء لليهود. وكان يرمي من وراء زيارة هذه البلدة الالمانية الى اجراء دراسة ميدانية تتعلق بمدى قدرة الفنون على تحريك مشاعر الكراهية ضد الشعب المتهم بصلب المسيح. وفي كتابه المثير للجدل، لخص شابيرو الانطباعات السيئة التي حملها معه الى الولايات المتحدة تحت عنوان: أوبرامرغو... الحكاية المقلقة لاشهر تمثيلية في العالم.

    طريق الآلآم

    فجأة، اطفئت أنوار الممرات، وتركزت أجهزة الاضاءة على المسرح الطبيعي الذي انقشعت عنه شمس المساء تاركة في الافق غيوماً حمراء كأنها آخر لحظات افتراق النهار عن الليل.

    واشرأبت اعناق المشاهدين عند ظهور مذود البقر، حيث ولد يسوع، وقد بانت في الأفق البعيد نجمة اصطناعية رأيناها تنساب في العتمة وتستقر فوق المغارة كأنها الدليل للمجوس الذين حملوا الى الطفل هدايا من المر واللبان.

    ومع انني لا افقه كلمة واحدة من الالمانية، الا انني بحكم اطلاعي على نصوص الاناجيل، كنت اتابع باهتمام تسلسل فصول حياة السيد المسيح. والمدهش حقاً ان الجمهور كان يعبر عن فرحه أو غضبه بصرخات جماعية ذات ايقاع مشترك. وهكذا يشعر المتفرج طوال خمس ساعات، بارتباط وثيق مع اداء الممثلين والممثلات وكل حركة تطرد النعاس من الاعين الجاحظة.

    بعد استراحة الفصل الاول، بدأت تظهر ملامح لوحات الموضوع الدرامي العنيف، أعني الموضوع المركزي الذي بنيت فكرة التمثيلية عليه منذ 320 سنة.

    أي فكرة محاكمة المسيح واضطهاده وصلبه.

    ولاحظت ان المحارم بدأت تخرج من جيوب الرجال وحقائب ايدي النساء استعداداً لمسح الدموع.

    وعندما ظهر قيافا رئيس الكهنة بقبعته الملونة الضخمة كأنها مظلة مثبتة فوق رأسه، راح الجمهور يعبّر عن غضبه بهمهمات السخط كأن تياراً كهربائياً سرى في أوصال الحاضرين.

    ثم انتقل المشهد المثير الى لوحة الآلآم التي تكاملت عناصرها بوجود بيلاطس البنطي، الوالي الروماني، الذي سأل الكهنة: أي شكوى على هذا الانسان؟

    أجابه قيافا: يدعي انه ملك اليهود. ليس لنا ملك سوى قيصر. نريدك ان تأمر بصلبه.

    ولما أدرك بيلاطس اصرار الكهنة والشعب على الانتقام من يسوع، حرص على غسل يديه أمام الجمهور الهائج وخاطبه قائلاً: اني بريء من دم هذا الصديق.

    وجاءه الجواب كالرعد المدوي: دمه علينا وعلى أولادنا.

    وظهر في الطرف الآخر من المشهد يسوع المسيح، وقد البسوه عباءة قرمزية زاهية اللون كتلك التي يلبسها الملوك. وقبل ان يبدأ صعوده طريق الآلآم وضع الجمهور فوق رأسه اكليلاً من الشوك امعاناً في السخرية والاذلال. ثم حملوه صليبه الثقيل كما تقضي عقوبة المحكوم عليه بالموت صلباً. وتناوب الشامتون على البصق في وجهه كلما تعثر تحت سياط الجنود، أو كلما توقف ليمسح الدماء عن جبينه وعينيه. ولما غرزوا المسامير في راحتي يديه، ورفعوه على الصليب شوهدت من بعيد مريم المجدلية ومريم ام يعقوب وأم زبدى.

    وعلمت لاحقاً ان ابنة المهندس الشهير ورسام الكاريكاتور في المانيا جورج لانغ، هي التي اضطلعت بدور مريم المجدلية نظراً الى سمرة ملامحها، وشعرها الاسود الطويل. وربما كانت الممثلة الوحيدة التي اختيرت من خارج بلدة أوبرامرغو للقيام بهذا الدور.

    ردود فعل المشاهدين كانت معبرة على نحو لم تألفه صالات المسارح. وقد انعكس اثر الظلم على النساء بحيث اجتاحت الرابية موجة من البكاء كأن العقوبة الفظة لامست مشاعر كل الحضور. وكان لافتاً ان الجمهور الآتي من مختلف القارات يرفض معاقبة انسان بريء كل جريمته انه جاء لينقض لا ليكمل.

    بداية التغيير

    العرض الذي صادف تاريخه نهاية الالفية الثانية، خضع لتغيير كامل في السيناريو بحيث ظهر يسوع في ادائه أكثر يهودية وأقل مسيحية. ورأى معدل النصوص استاذ الدراما أوتو هوبر، ان مرور 376 سنة على احياء سيرة يسوع الناصري كما روتها الاناجيل، كافٍ لتحميل يهود ذلك الزمان مسؤولية الصلب. لذلك استند الى اعلان تبرئتهم الصادر عن الفاتيكان في عهد البابا يوحنا الثالث والعشرين، لاجراء مزيد من التعديل في الاسلوب والجوهر.

    أما مخرج المسرحية كريستيان شتاغل، فقد أشرف على اعداد معرض في برلين من اجل شرح جوانب التغيير في سيرة السيد المسيح. ومن أبرز مظاهر التعديل في النصوص، ان المسيح راح يوصي تلاميذه بضرورة المحافظة على طقوس عيد الفصح اليهودي. كما ان التلاميذ استبدلوا مصطلح مخاطبته من "السيد المسيح" الى "الحاخام يسوع". والواضح من نقل صورة المتمرد على طائفته الى صورة المعتنق ايديولوجيتها من طريق الانتساب الى سرب الحاخامين، ان المشرفين على عملية التغيير يريدون الغاء المرحلة السابقة من سيرة يسوع الناصري. ومثل هذا التبديل في مواقف المسيح لا يستند الى مراجع موثقة، بقدر ما يستند الى تخيلات يفترض ان تخدم اليهود المعاصرين الذين شوهوا سيرة المسيح والمسيحية في المسرحيات الغنائية والافلام الهادفة.

    والغاية من التعديل، كما يراه المؤرخون العمل على تضليل جمهور المشاهدين والطعن في صحة الاناجيل وصدقها. كل هذا، بغرض زعزعة ايمان المسيحيين بمسيحهم. او على الاقل اظهار انقسام المطالبين بصلبه، والغاء الموقف الموحد الداعي الى معاقبته. وأهم ما جاء في التعديل محو العبارة القائلة من النص الجديد: "دمه علينا وعلى أولادنا". اي العبارة التي تحمل بذور العداء للسامية كونها تقدم البرهان الساطع على نشوء مفهوم هذا العداء.

    باختصار، انتهت تمثيلية سيرة حياة المسيح عبر تلاميذه مرقس ومتى ولوقا ويوحنا، الى حكايات ساذجة ومختلفة لغسل الاثم التاريخي عن اليهود والصاق تهمة القتل بالرومان. علماً بأن تلاميذه الاربعة قدموا رواية متجانسة في وصف وقائع طريق الآلآم وعملية الصلب. كما قدموا نصوصاً تروي تورط رجال الدين في ادانة المسيح، الامر الذي دفع روما الى الرضوخ لمشيئتهم. وكل ما فعلته أقلام مراقبي الحساسيات، هو استبدال احداث التمثيلية التي تعرض أمام الجماهير بحسب نصوص اناجيل تلاميذه الاربعة، بأحداث مشوهة مستندة الى الاناجيل المنحولة الزائفة.

    يؤكد المطلعون على تفاصيل الممارسات التي استخدمت في هذا السياق، ان تبرئة اليهود من دم المسيح كانت الغاية الاساسية من وراء حذف أهم النصوص من سيناريو تمثيلية أوبرامرغو. لذلك قضى العمل بموجب هذه القاعدة بتبرئة يهوذا الاسخريوطي من الخطيئة التاريخية التي ارتكبها. اي خطيئة خيانة معلمه وتسليمه الى اعدائه بثمن بخس لا يزيد عن ثلاثين من الفضة. وبسبب من نزعة الجشع والحسد التي قادته الى تسليم المسيح الى جلاديه، الصقت بشخصيته أحقر الصفات وأبشعها. وعامله المؤرخون والكتاب كمثال للطمع بحيث ان الصلاة التي ترافق الاستعداد لتناول القربان المقدس تكرر رفض فعلته الشنعاء بالقول: "ولا اعطيك قبلة غاشة مثل يهوذا". وذلك بالاشارة الى الرمز الشفري الذي اعطاه (يوضاس) للقائد الروماني، بأن الشخص الذي أقبله يكون هو يسوع المسيح!

    صوّر تيم رايس ولويد – وابر، مخرجاً المسرحية الموسيقية "يسوع سوبر – ستار"، شخصية يهوذا الاسخريوطي كتلميذ مهمش بين رفاقه، الامر الذي حوله الى انسان غاضب، حاقد على استعداد للانتقام.
    وكما جرى انتاج المسرحية في فيلم يحمل العنوان ذاته سنة 1973، تبلورت الفكرة بحيث اصبح يهوذا ضحية أكثر منه نذلاً.

    لكن المنتج والمخرج ميل غيبسون لم يقبل التبرير الذي اعطته القيادات اليهودية ليهوذا، لذلك صوره في فيلم "آلام المسيح" كشخص مسكون بالشيطان. وهكذا أظهره كأنسان يطارده شياطين في الشوارع ويدفعونه الى الموت وسط بحر من الحشرات والديدان. أما المخرج الشهير سيسيل ب. ديميل، فقدمه في فيلمه الصامت كعاشق متيم بمريم المجدلية. ولما تجاهلته والتصقت بمعلمه، أكلت الغيرة قلبه، وقرر بعد ذلك ارتكاب فعل الخيانة للتخلص منه. ويرى عدد من المحللين ان الزاوية الجديدة التي استخدمها المخرج الاميركي لتفسير نزعة الثأر لدى "يوضاس"، هي التي شجعت سواه من المخرجين على تصوير المسيح زير نساء، لا صاحب رسالة انسانية. وهذا هو الغرض الاساسي من تشويه سيرة الناصري وتجريده من هالة القداسة التي تمتع بها.

    وفي ملحمة "الكوميديا الالهية" يصف الشاعر الايطالي دانتي الياري، طبقات الجحيم حيث يقبع يهوذا الاسخريوطي في اسفل دركاتها. ثم يرسم بالكلمات عذابه المتواصل ازاء وحش بثلاثة رؤوس يعمل على التهامه ونهشه شيئاً فشيئاً.
    ويستدل من عمق البشاعات التي صورت خيانة هذا التلميذ العاق، ان الاثم الذي ارتكبه كان مثار تساؤلات مختلفة: هل صحيح انه لم يدرك عاقبة عمله؟

    يستدل من الوقائع التي ذكرت في الاناجيل ان المسيح كان يشك في اخلاص الاسخريوطي، ويطلق امام التلاميذ تلميحات تنم عن معرفته بحقيقة دوره كطابور خامس زرعه الكهنة والكتبة.

    وفي انجيل لوقا وصف للعشاء السري الاخير تخللته مؤشرات تؤكد شكوك المسيح في ولاء يهوذا. قال من غير ان يسميه: ويل لهذا الشخص الذي سيسلم ابن الانسان بواسطته. خير له لو لم يولد.

    ثم التفت نحوه وزاد قائلاً: يا صديقي، أفعل ما أنت هنا كي تفعله!

    ولما انصرف يهوذا من العلية الخفية حيث اشترك في العشاء السري، عاد بعد فترة قصيرة ومعه جمع غفير بسيوف وعصي من رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب. وكانت العلامة ان الذي يقبّله هو المسيح. وقال له قبل ان يقبّله: السلام يا معلم.

    ولما رأى يهوذا ان الجمهور الغاضب قد أوثق المسيح ليقضي عليه، ندم ورد الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة، وهو يصرخ: اني اخطأت اذ سلمت دماً زكياً.

    ثم انصرف وذهب ليشنق نفسه.

    واتفق الكهنة على رفض الفضة واعادتها الى "بيت التقدمة" لانها ثمن دم. وبعد التشاور ابتاعوا بها "حقل الفخار" وجعلوه مقبرة للغرباء.

    قبل نصف قرن تقريباً عثر في نجع حمادي (مصر) على انجيل نسب الى يهوذا الاسخريوطي، الذي ثبتت الاناجيل الاربعة موته انتحاراً.

    ويتألف انجيل يهوذا من 62 صفحة مكتوبة على ورق البردى. وقد بيع لتاجر آثار من مؤسسة مايسينس في بازل (سويسرا).

    وأكد الخبراء انه واحد من الاناجيل المنحولة مثل انجيل فيليبس وانجيل مريم اللذين ترفض الكنيسة الاعتراف بصحتهما.

    بعض علماء اليهود تبرع لتنظيف سيرته بالادعاء ان سلوكه كان تعبيراً طبيعياً عن خيبة امله من المسيح المنتظر. ذلك انه كان مثل غيره، يتوقع ان ينضم الى ركب منقذ اليهود من الاحتلال الروماني، فاذا به يفاجأ بكرازة رسول يقول إن مملكته ليست من هذا العالم. والثابت ان الاختراق الخارجي للمسيحية كان عملاً هادفاً من اليهود الذين شعروا بأن المسيح لم يكن هو "المسيا" مسيحهم المنتظر. لذلك استخدموا كل الوسائل الملتوية لتشويه "العهد الجديد" واحياء "العهد القديم".

    وفي سبيل المحافظة على هذا الهدف اصدرت المنظمات اليهودية سلسلة كتب أهمها كتاب: "معرفة يسوع من خلال العهد القديم" لمؤلفه كريس رايت. ويشدد واضع هذا الكتاب على ابراز خلفية الثقافة اليهودية المتجذرة في المسيحية، مع محاولة التوفيق بين النبوءات القديمة وكيفية تحقيقها في "العهد الجديد".

    كيف ينظر اليهود الى المسيح!

    استناداً الى ما ورد في "التلمود"، أعدم المسيح تنفيذاً لحكم صادر عن محكمة دينية اتهمته بعبادة الاوثان وتحريض اليهود على ممارسة هذه العبادة، وتشجيعهم على احتقار سلطة الحاخامين والكهنة. وهذا ما نكتشفه في الحكايات الشعبية اليهودية التي تتهم المسيح بالشعوذة واستخدام السحر لنشر ديانته المسيحية.

    واللافت ان القصص التلمودية لا تأتي على ذكر دور الرومان في عملية الصلب، وكأنها ترسخ القول: "دمه علينا وعلى أولادنا". لهذا السبب وسواه يرى علماء اللاهوت لدى اليهود ان المسيحية هي ديانة وثنية. ومثل هذا الادعاء يقوم على اساس التفسير للعقيدة المسيحية التي تؤمن بالثالوث المقدس (الآب والابن والروح القدس). وعليه يعتبر اليهود الايقونات وكل رموز المسيحية المصورة مجرد اوثان. وفي ضوء هذا الاقتناع، اصبح من المألوف ان يبصق اليهودي ثلاث مرات عندما يرى كنيسة او صليباً او ايقونة.

    مؤرخو الديانات يفسرون هذا السلوك على ضوء الاسم العبري الذي اطلقه اليهود على المسيح، والذي يرمز الى كل ما هو رديء وسيىء. هو اختصار لكلمة مركبة تستخدم اثناء التعبير عن yesha ويسوع الشتم والسباب والتي تعني حرفياً: "ليمسح اسمه وذكره".

    وفي اشارات عدائية ليسوع، منع اليهودي من الاطلاع على الاناجيل الاربعة، او حتى الاستشهاد بها في المدارس.

    أما بالنسبة الى نظرة اليهود الى الاسلام، فان القرآن الكريم ليس محكوماً بالحرق مثلما يعامل كتاب "العهد الجديد" الذي يضم أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. وانما يعامل ككتاب عادي يضم بين صفحاته مراجع دين لا يعتبر وثنياً كالدين المسيحي.

    تهويد المسيحية

    السنة 2000 كانت سنة تشذيب النصوص وازالة آثارها المعبرة واسقاط الانطباعات الافتراضية.

    وبما ان مسرحية "صلب المسيح" اصبحت محطة تاريخية يتكرر عرضها كل عشر سنين، فان التغيير الذي طرأ على نصوصها تناول أهم عبارة رمزية في انجيل متى: "دمه علينا وعلى أولادنا".

    ومنذ الفي سنة ظلت هذه العبارة تطارد اليهود كالكوابيس المرعبة. وبعد نجاح أوتو هوبر في محوها من نصوص السيناريو، قال إنه يفتح صفحة جديدة لمنع نشر مفاهيم معاداة السامية.

    رئيس بلدية أوبرامرغو، قال إن هذه المسرحية تخضع دائماً للمراجعة والتعديل بحسب الظروف. ففي بداية تنفيذ الفكرة، مثلت المسرحية حول مقابر القرية احياء لذكرى الذين ماتوا بمرض الطاعون. ولم يتوقف العرض سوى سنوات قليلة خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت شركة "توماس كوك" البريطانية أولى وكالات السفر والسياحة التي شجعت على حضور المسرحية عبر اعلاناتها في الصحف العالمية بحيث قفز عدد الحضور سنوياً من 250 الفاً الى ستمئة الف.

    ومن الشخصيات البارزة التي واظبت على حضور هذه المسرحية: الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور والفيلسوف الوجودي جان – بول سارتر وصديقته الاديبة سيمون دو بوفوار والممثلة الالمانية الشهيرة رومي شنايدر.

    عندما أدرك المخرج – المنتج ميل غيبسون عمق التحول السلبي الذي فرضته اليهودية العالمية على سيرة يسوع الناصري، قدم لجمهور المشاهدين فيلم "آلام المسيح".

    وركز في لقطات طريق الجلجلة على العذاب النفسي والجسدي الذي عاناه يسوع المسيح في مواجهة صلف محفل الاحبار وفظاظة مجمع الكهنة.

    ومع ان غيبسون استبدل نص عبارة الاثم الجماعي (دمه علينا)... بالنص الارامي كي يتحاشى تهمة العداء للسامية، الا ان هذا التبديل لم يعفه من الانتقاد اللاذع، لأنه أعاد عقارب الزمن الى ما قبل الفي سنة. بل أنه أظهر لزعماء اليهود ان ملايين المشاهدين تبنوا معتقده الديني، وتعاطفوا مع طروحاته السياسية المتعلقة بقرار ذبح المسيح. آخر الشهر الماضي (تشرين الثاني 2010) أوقف نصف سكان أوبرامرغو عملهم في مسرحية "آلام المسيح" على أمل اعادة عرضها سنة 2020.

    وكما تعرضت المؤسسات الدينية المسيحية للاهتزاز والتشكيك بعد سنة 1965، كذلك تعرضت الاناجيل الاربعة للافتراء والتشويه، وخصوصاً انجيل متى. ذلك انه نقل صراخ الجماهير التي تحدّت بيلاطس البنطي قائلة بصوت واحد: "دمه علينا وعلى اولادنا". وقد أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني باسم الكنيسة الكاثوليكية، تبرئة يهود العالم من طريق عفو المسيح عنهم وهو على الصليب: "اغفر لهم يا ابتاه لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون".

    نهاية أطول مسرحية في التاريخ

    أقفلت الستارة آخر شهر تشرين الثاني الماضي بعد مرور نحو خمسة أشهر من الاداء المتواصل (خمس مرات اسبوعياً). وبذلك تكون سنة 2010 شهدت آخر عرض لاطول تمثيلية عرفها تاريخ المسارح في العالم (376 سنة)!

    ويعترف الممثلون الجدد الذين توارثوا نصوص السيناريوات عن الاباء والاجداد، ان النص التوراتي طغى على سيرة يسوع المسيح الناصري. والسبب ان الذين تناوبوا على عزل المسيحية عن ارثها الديني والتاريخي، تعمدوا أيضاً تفريغها من نصوص الاناجيل الاربعة كي تنسجم مع مفهوم تطور العلاقات الكاثوليكية – اليهودية منذ سنة 1965. اي المفهوم الذي يستند الى مرجعية الاناجيل المنحولة أكثر مما يستند الى مفهوم أناجيل تلاميذه مرقص ويوحنا ومتى ولوقا. كل هذا في سبيل تنقية المسرحية من كل نص يعزز طروحات معاداة السامية ويؤكد معارضة المسيح لقواعد الشريعة اليهودية.

    ويرى النقاد ممن رافقوا عمليات التأويل التحريفي للنصوص الجوهرية في المسيحية، ان التعديلات القاطعة صيغت بطريقة تخدم التلمود لا الأناجيل.

    ويتوقع سكان قرية أوبرامرغو خلال العرض المقبل – اي في سنة 2020 – ان تتعرض مسرحية "آلام المسيح" لمزيد من التشذيب الصارم لكل ما يتعلق بثورة الناصري في أنجيل يوحنا.

    وهم لا يستغربون تحوّل أهم وأطول مسرحية في التاريخ، الى حكاية خيالية يحتمل ألا يموت فيها المسيح على الصليب، بل نتيجة سقوطه من شجرة تين في بستان يملكه يهوذا الاسخريوطي!

    سليم نصار


    النهار
    الخميس 23 كانون الأول 2010


     
    orange infection

    orange infection

    Active Member
    Interesting article and interesting point Shadow1

    Chrisitians in the East tend to look at Christianity in the West from their eastern perspective based on these few eastern realities:

    - Christians are minority in the east and live in the phobia of being persecuted or extinct. They think the whole Christian world is like them a menaced minority....
    - Christians in the east are rooted in Catholic (+ affiliated Churches) and Orthodox concervateurism
    - The Nakba + Arabo-Israeli war and the Judeo-phobia and all the ancient myths around it, makes them squeeze the fate of Jesus along with these events by reviving and keeping the ancient fundamental Christian thought : "Jews killed Christ, the son of God" therefore they believe that "the jewish conspiracy is still aiming at destroying Christianity through different means..."
    - etc....

    Indeed the west is a different story, they lived under dark Church rules + minorities were smashed + liberals were terrorized for their thinking and theories etc...

    Christians in the east either live in the negationism of the western church past acts or they try to play it down... or they are simply not aware of its bloody mark on western history... Yet the late Pope made a straight forward apology in the name of the Church etc...

    Same goes for children abuse cases... It is played down or associated with cliché conspiracy theories.... Yet it is a sad reality...

    Christianity in the West is now a pale wallpaper on the wall of modern liberal cosmopolites... Minorities got finaly the mouth free to speak so indeed some frustration is still being thrown at what is left in the Christian church...

    Also I personaly believe that Christianity is not standing on solid grounds but I will stop here because this topic seems an endless debate in another thread :)
    christians are aware of all this history , as if not enough movies were made about it already .... but history is long , yet one specific period in history is what drags the attention of everyone . church gained power and great power especially after crusades . and crusades are the most misunderstood events in the history .
    have you ever saw movies about islamic conquest of europe ? have you ever saw movies about the muslim invaders raping an abbey of nuns in sicily ?
    etc. etc. actually the famous crusades movie kingdom of heaven shows christians as the ruthless and salahuddin as the merciful defender (which is not very far from truth but is also not the complete story as they are trying to show)
    i can go forever but i only want to prove a point . all the focus is on one era , including your focus .in history everything leads to another ..... yet the only part of history that is shown and promoted are the dark ages where the church did what it did , personally i think it's a normal part in the evolvement of people and if the entire history is to be told the church wont seem as horrible as they are trying to make it look like . history did not start with the churches in europe , neither with the crusades .what if the crusades never happened ? entire europe would be muslim and no progress on the intellectual / social level would have ever happened and you will see a replica of the middle east and the entire islamic world in europe ...........
    the point is that you cant take one part in history without taking into consideration what came before and after , and i think that the pope's apology and the state of freedom that europe reached is very relieving and you cant exclude the church (not only the catholic church) from that .


    Also I personaly believe that Christianity is not standing on solid grounds but I will stop here because this topic seems an endless debate in another thread :)
    imagine a debate that lasted 2010 years being solved in this forum .....
    but i must comment , while i am not interested in the theological debate (and don't pretend any knowledge whatsoever) , i think that christianity is standing on very solid grounds just because they are not so insecure and violent about it (at least not anymore) , while i don't need to state the tyranny against minorities (or critics of islam) in the islamic world which all muslims (and their imams and scholars) accept and believe is essential and part of their "culture" and preserves honor , i think that it reflects an insecurity between muslims towards their religion and an incertitude towards the future of this religion in a free society .
    i can say the same about jews in israel , those people and their rabbis sometimes promote and justifies some really violent and unexplainable acts , they don't go as extreme as muslims do but they still have their extremism.
     
    Darwish

    Darwish

    Well-Known Member
    have you ever saw movies about islamic conquest of europe ? have you ever saw movies about the muslim invaders raping an abbey of nuns in sicily ?.
    True but the crusaders had a cross on their chest and shields and they also raped etc etc... One works by the standard of his doctrine. Islam never raised the bar of idealistic forgiveness and love as Christianity did, same for Judaism... yet Christianity mistakes are the flagrant contradiction between the ideal ideological propaganda and the horrific acts commited in the name of Christ etc... I hope you see the difference...

    the dark ages where the church did what it did , personally i think it's a normal part in the evolvement of people and if the entire history is to be told the church wont seem as horrible as they are trying to make it look like .
    Same answer as above...

    what if the crusades never happened ? entire europe would be muslim and no progress on the intellectual / social level would have ever happened and you will see a replica of the middle east and the entire islamic world in europe ...........
    Absolutely wrong... Muslim scholars, scientists, architects, philosophers etc were a major influence on the West with and without the conquests... Just one example, Ibn Sina, he clearly influenced many of the churche's doctors and theologians...

    It is the Church that blocked evolution in the West and if it was not for the free thinking rebels who defied the burning stick and the many revolutions including the industrial one and the enlightment etc, the church's agenda in the west was dominance, fascism and clear obscurentism... As for Islam dark ages, they are unfortunately happening now not before..


    imagine a debate that lasted 2010 years being solved in this forum .....
    but i must comment , while i am not interested in the theological debate (and don't pretend any knowledge whatsoever) , i think that christianity is standing on very solid grounds just because they are not so insecure and violent about it (at least not anymore) , while i don't need to state the tyranny against minorities (or critics of islam) in the islamic world which all muslims (and their imams and scholars) accept and believe is essential and part of their "culture" and preserves honor , i think that it reflects an insecurity between muslims towards their religion and an incertitude towards the future of this religion in a free society .
    i can say the same about jews in israel , those people and their rabbis sometimes promote and justifies some really violent and unexplainable acts , they don't go as extreme as muslims do but they still have their extremism.
    To summarize, I shall repeat what I stated in the beginning of this reply, Jews and Muslims both work by the laws and shari3as of their books and they did not contradict their books as Christians did... In other words the eye for an eye was applied as it is prescribed... The Church applied all the Shari3a and the tribal laws of moses while contradicting what its doctrine pretends to preach: love, forgiveness, equality etc...

    I just hope you see the whole thing clearer... If you set down to earth rules and you work by them you are safer than setting super idealistic principles, foricing people to apply it and yet you yourself contradict it by applying the avsolute opposite of these rules... The Church did just that unfortunately...

    Cheers
     
    orange infection

    orange infection

    Active Member
    True but the crusaders had a cross on their chest and shields and they also raped etc etc... One works by the standard of his doctrine. Islam never raised the bar of idealistic forgiveness and love as Christianity did, same for Judaism... yet Christianity mistakes are the flagrant contradiction between the ideal ideological propaganda and the horrific acts commited in the name of Christ etc... I hope you see the difference...



    Same answer as above...
    i see the difference , so we cannot judge both of tje based on the same standards ?
    is rape by crusaders wrong because christianity doesn't allow rape while rape by muslims isn't because islam clearly allow muslims to take sex captives in war ? (and the same applies for the other horrible acts)
    people evolve , and the point is to learn from all these mistakes to live a better life . so now the church is being blamed for all the horrible things that happened more than a thousand years ago while islam cant be blamed for things happening in 2010 because religion allows them ?
    if that's the case then the solution would be by allowing all the tribal laws by the church and the next time a crime is commited we can refer to a paper of hatred written by a lunatic that someone considers holy .



    Absolutely wrong... Muslim scholars, scientists, architects, philosophers etc were a major influence on the West with and without the conquests... Just one example, Ibn Sina, he clearly influenced many of the churche's doctors and theologians...

    It is the Church that blocked evolution in the West and if it was not for the free thinking rebels who defied the burning stick and the many revolutions including the industrial one and the enlightment etc, the church's agenda in the west was dominance, fascism and clear obscurentism... As for Islam dark ages, they are unfortunately happening now not before..
    yes the church blocked evolution , until a certain point where reformation happened and the role of the church is now more defined . as for the islamic dark ages (i never expected you to admit that they are living in dark ages because all of them think that what's happening is really normal nowadays) , don't you think that it's abnormal to live a dark age when the entire world got over it centuries ago ? i can see the christian dark ages as a lesson because they are the reason behind evolution , they represent what people should avoid and how to define religion in life , evolution is normal ...... so after all these lessons don't you find it very dangerous to live a dark age in 2010 ? and what will make islam evolve to become civilized if an entire history couldn't do it ?


    To summarize, I shall repeat what I stated in the beginning of this reply, Jews and Muslims both work by the laws and shari3as of their books and they did not contradict their books as Christians did... In other words the eye for an eye was applied as it is prescribed... The Church applied all the Shari3a and the tribal laws of moses while contradicting what its doctrine pretends to preach: love, forgiveness, equality etc...

    I just hope you see the whole thing clearer... If you set down to earth rules and you work by them you are safer than setting super idealistic principles, foricing people to apply it and yet you yourself contradict it by applying the avsolute opposite of these rules... The Church did just that unfortunately...

    Cheers
    forcing people to apply it ??
    you just contradicted the "super idealistic principles" because "forcing " is not part of these principles .....
    and what the church did which opposed their values is a valid reason for apology , i really don't see why it's a big debate while it should be an example to follow for all religions because religion is meant to organize your life and make you higher than animals , not act like a wild animal and think that you're civilized .
    by the way all these values "love , equality etc.." and all the values that jesus represents cannot be promoted by the church if the church want to act like a legal authority (matra7 el dawleh) because being in that position means that these values will be breached , that's why the church now cant be an official authority or government .
     
    Darwish

    Darwish

    Well-Known Member
    i see the difference , so we cannot judge both of tje based on the same standards ?.
    Yes we must judge all religions based on the same standards but ideologies have ups and downs and some aer unfortunate to live in the down ages of a specific ideology while forgetting that other ideologies had their dark ages once upon the past...

    is rape by crusaders wrong because christianity doesn't allow rape while rape by muslims isn't because islam clearly allow muslims to take sex captives in war ? (and the same applies for the other horrible acts)
    No i did not say that... It is wrong indeed. Muslim extremism is absolutely wrong but as I said, dark ages come and go.... Those who lived under other dark ages can tell you otherwise...

    people evolve , and the point is to learn from all these mistakes to live a better life . so now the church is being blamed for all the horrible things that happened more than a thousand years ago while islam cant be blamed for things happening in 2010 because religion allows them ?
    The fundamentalist branches of Islam can be blamed, not the global faith, yet it is wrong to demonize the Islamic religion and call it the religion of Hatred! It is somehow ignorance and fundamentalism to cry out such claim...

    if that's the case then the solution would be by allowing all the tribal laws by the church and the next time a crime is commited we can refer to a paper of hatred written by a lunatic that someone considers holy .
    I am not sure I understand 100% what you ment. But if you refer to the paper of hatred as being the holy book of Islam and the prophet than I think you are talking from a conservative Christian view... The Gospels are not 100% peace and love, the traditional Christian theology and doctrine claims to be.

    As for lunatics, I think if you refer to the prophet of Islam as being one, Jesus fits this category based on Jewish tradition (as you can see older religions try to riduculize and diminish new ones)


    yes the church blocked evolution , until a certain point where reformation happened and the role of the church is now more defined . as for the islamic dark ages (i never expected you to admit that they are living in dark ages because all of them think that what's happening is really normal nowadays) , don't you think that it's abnormal to live a dark age when the entire world got over it centuries ago ?
    My friend, the Roman and Greek civilization had their improtant piece of philosophers and thoughts, intellectual thinking, liberalism (sexualy speaking) etc etc... Christianity came and blocked all these and got Europe into hardline puritin ages... Well someone living back then would have said the same as you said now... And look what is hapening now, many of the ancient ways of life are back to the west after the church's rules are over and i am speaking about sexual liberalism and diversity of philosophical thoughts that the ancient pagan world have started to initiate...


    i can see the christian dark ages as a lesson because they are the reason behind evolution , they represent what people should avoid and how to define religion in life , evolution is normal ...... so after all these lessons don't you find it very dangerous to live a dark age in 2010 ? and what will make islam evolve to become civilized if an entire history couldn't do it ?
    As I said before and before before, you must use some relativity rules and apply them to the whole forumla of religion vs what was before and what is hapening now at the time you are living....

    forcing people to apply it ??
    you just contradicted the "super idealistic principles" because "forcing " is not part of these principles .....
    You are twisting things to a point of confusion my friend :/

    and what the church did which opposed their values is a valid reason for apology , i really don't see why it's a big debate while it should be an example to follow for all religions because religion is meant to organize your life and make you higher than animals , not act like a wild animal and think that you're civilized .
    Again please use relativity rule of thumb...

    by the way all these values "love , equality etc.." and all the values that jesus represents
    This is a complicated debate but we are not sure historicaly that Jesus represent all these values since the Gospel shows contradiction in Jesus deeds, behavior and speeches...

    ...cannot be promoted by the church if the church want to act like a legal authority (matra7 el dawleh) because being in that position means that these values will be breached , that's why the church now cant be an official authority or government
    Yes true this is why the Church failed and contradicted its doctrine when it was the government. You can't govern if you are Mother Theresa...

    And Happy new Year
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    بناء الكنائس في دار الإسلام

    المطران جورج خضر

    سأرى الى هذه المسألة في جانبيها النظري والعملي منذ بدء ظهور الإسلام. جاء في التنزيل: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً" (سورة الحج، ٤٠). يقول الله هنا ان البيع وهي الكنائس يذكر فيها اسم الله. هذا موقف من المعابد المسيحية ودي.

    عند الفتح لدينا العهود العمرية التي تنهى عن هدم الكنائس في الكلام الآتي: "هذا ما أعلن عبد الله عمر، أمير المؤمنين، اهل ايلياء (هذه كانت التسمية الرومانية للقدس)، من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم. ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم. ولا يضار أحد منهم...". وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين.

    وهذا طبعا يتمشى مع اعتبار التنويع الديني قصدا من مقاصد الله: "ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة" (هود، ١١٨) بحيث لم يشأ الوحي أن ينصهر الموحدون في ملة واحدة على قول الوحي: "ورضيت لكم الإسلام دينا". وقبل نزول هذه الاية لم ترد كلمة الإسلام مرة واحدة بمعنى ان اهل الاسلام هم حصرا الذين اتبعوا رسالة محمد. واذا كان اليهود والنصارى يصلون على طريقتهم فهذا يفترض اماكن تجمع لهم للصلاة. وفي حال اعتبر عمر ان العهد الذي اعطاه اهل ايلياء عهد الله أفهم من هذا انه لا يتبدل بتبدل الأزمان.

    فيما كنت اتأمل في هذا سمعت منذ ايام معدودات ان دولة المغرب تمنع بناء كنيسة فلم أفهم القصد من ذلك اذ ليس في هذا البلد الطيب شقيق مواطن مسيحي واحد. من يخشى المغرب في حالة الفراغ الكامل من المسيحيين؟

    المملكة العربية السعودية تحرم تحريما قاطعا بناء كنائس ربما استنادا الى حديث شريف مفاده ان لا تجتمع ديانتان في الجزيرة. ولست اظن ان المملكة تمنح جنسيتها لغير مسلم. فالمنع يقع تاليا على المسيحيين الأجانب الذين يقصدون المملكة للارتزاق. غير ان دولة الإمارات تشاد فيها كنائس بمعرفة السلطات وإذنها. وبهذا تكون اجتمعت غير ديانة في جزيرة العرب.

    في هذا الاتساق نشرت "لجنة العمل ضد عدم التسامح في البلدان الاسلامية" في 17 كانون الثاني 1997 في باريس لصالح المسيحيين المميز ضدهم (وهذا تعبيرها) في المملكة العربية السعودية طالبين من السلطات منحهم الحق لممارسة دينية موافقة لإيمانهم الحق في المجمعات للصلاة.

    بعد هذا التداخل نشر الشيخ أبو بكر جابر (أو الجابر) رئيس قسم الدعوة الاسلامية (انقل عن الفرنسية) في جامعة المدينة في "لوموند" (20 /8/ 87) ردا أهم ما ورد فيه ان المملكة العربية السعودية ككل يعتبرها الاسلام مسجدا لا يمكن ان تجتمع فيه ديانتان.

    في زمن هذه المناقشة الصحافية كان في المملكة ثلاثمئة ألف مسيحي من العرب والهنود وغيرهم قصدوا ذلك البلد للارتزاق وربما بلغوا اليوم عددا أعظم من هذا. فالمنع من صلاة الجماعة يقع على هؤلاء وهم يتوقون ان يقتربوا الى الله حسبما يعرفون وتعرف السلطات هناك ان لا خطر منهم على الاسلام اذ "لا ردة في الاسلام".

    أليس من الممكن في احترام متبادل بين السعوديين والأجانب ان يسمح لهؤلاء بما هو الحد الأدنى من الاعتراف بحريتهم، ان يسمح بدعوة قس أو بضعة قسوس لإقامة الصلاة في أيام الآحاد او أقله بدعوتهم مرة أو مرتين في السنة أي في الميلاد والفصح لإقامة الصلاة للمسيحيين وذلك بتخصيص قاعات لهم في المناسبات؟

    هذا لا يكون الا اعترافا رمزيا بوجود انسانية كامل الاعتراف بها في هؤلاء المهاجرين ويكون هذا تطبيقا للقاعدة القرآنية: "لا اكراه في الدين".

    أما في مصر فالمسيحيون كانوا يصلون حتى فترة قصيرة متى شاء لهم رئيس جمهوريتهم ان يصلوا. يشيدون معابدهم ويرسمونها اذا أراد ومتى أراد. والآن انتقلت المشيئة في كل محافظة الى المحافظ أعني المشيئة المطلقة بلا شرط ولا معيار قانوني ولا سؤال عن حاجة أصحاب الاستدعاء وعددهم. السيد المحافظ مرجع نفسه. ونفسه مرجعها مزاجه.

    كل جزئية في حالة الكنيسة بأمر السلطة فالترميم قد تقتضيه حالة البناء وقد يسقط على رؤوس العباد. من الترميم المطلوب مثلا ابدال حنفية ماء معطلة بحنفية جديدة. هذا يتطلب استئذانا.

    للدولة المصرية الحق في اتخاذ الاسلام دينا لها ولكن هذا الدين هو يقول انه لا يقيد الآخرين بحيث يبيح لهم حق العبادة ويعتبر ان الاختلاف والتعدد مشيئة الله. أنا لا أود ان اتكلم هنا على الديموقراطية وحقوق الإنسان. هذه لغة غريبة احترمها. اني أريد ان أخاطب دولة اسلامية لشعب عزيز وشقيق من ضمن المنطق الاسلامي، من سورة الحج، من ايام فجر الاسلام كما سماه احمد أمين كان أعظم سماحة من أيامنا هذه. أنا في إطار التعامل المسيحي - الاسلامي أتحدث انطلاقًا من لغة الاسلام.

    لقد فهمت دولة الامارات وربما دولة البحرين ان الاعتراف بالضيف هو أولا الاعتراف بحريته ان يصلي حسب قلبه.


    النهار
    السبت 22 كانون الثاني 2011
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    التاريخ يعيد نفسه في مصر أيضاً

    فـــصـــــــول مــــن حـــيـــــــاة الأقـــــبــــــــاط


    بقلم محمود الزيباوي

    هل يعيد التاريخ نفسه؟ سؤال يثير فينا الخوف والهلع، كلما طُرِح علينا نحن العرب. لكنه للأسف، سؤال حقيقي وواقعي جداً، إذ نجد الجواب عنه في الكثير من الامثلة، وخصوصاً من خلال العودة الى التاريخ نفسه، لاستقراء حوادثه الدموية المتواصلة في أكثر من مكان. في هذا البحث، يغوص زميلنا الباحث محمود الزيباوي في التاريخ المصري، حديثه والقديم، مدججاً بجعبة مليئة بالكتب التاريخية والأسانيد والوقائع والوثائق التي لا يرقى اليها شك، متسلحاً بموضوعية المؤرخ، وبحياديته المطلقة، متجنباً الإثارة، ومتفادياً في الآن نفسه إيراد الكثير من الأمثلة الأشدّ إيلاماً في هذا التاريخ. كأنه يدعونا، من دون وعظ، الى قراءة مصائب الدهر بدلالاتها، تفادياً للولوغ مجدداً في دمويتها القاتلة، كما كانت عليه الحال في الأمس القريب، من خلال تفجير كنيسة القديسَين في الإسكندرية

    يحمل رئيس الكنيسة القبطية لقب "بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية"، والبابا هو أسقف الإسكندرية، أما الكرازة المرقسية فهي البشارة التي حملها الإنجيلي مرقس في منتصف القرن الأول إلى الإسكندرية، ومنها بلغت سائر الأراضي المصرية. تُعرَف كنيسة مصر منذ العصر الإسلامي بالكنيسة القبطية، و"القبطي" لفظ محوَّر من اليونانية، معناه "المصري"، اعتمده الرواة والإخباريون العرب منذ البداية بهذا المعنى، وهو في كتب التراث مرادف لمسيحيي مصر كما هو مرادف للمصريين القدامى، وإن غلب المعنى الأول على الثاني.

    انطلقت المسيحية من الإسكندرية في زمن طبعت به الهلنستية الثقافةَ المصرية منذ عهد البطالمة، وتمثل هذا التمازج بولادة لغة "جديدة" تعتمد الأحرف اليونانية إضافة إلى سبعة أحرف من الكتابة المصرية "الشعبية"، وتُعرَف هذه اللغة باللغة القبطية، وهي بهذا المعنى آخر تعابير اللغة المصرية القديمة قبل اندثارها. لم تحمل كنيسة الإسكندرية طابعاً قومياً في عصرها الذهبي الأول، واعتمدت اليونانية بشكل أساسي، وتراثها "اليوناني" معروف ومكرّس شرقاً وغرباً. لعب آباء كنيسة الإسكندرية دوراً محورياً في تأسيس العقيدة المسيحية في القرون الأربعة الأولى، وظلت الكنيسة "واحدة" في مواجهة مذاهب أخرى اعتُبرت من "الهرطقات" و"البدع". تبدّلت الحال في القرن الخامس حيث أدّت الخلافات العقائدية المتصلة بشخص المسيح وطبيعته إلى انقسام الكنيسة في الشرق، ولم تنجح السلطة البيزنطية في رأب هذا الصدع. أخذ الصراع طابعاً دموياً عنيفاً، وتمدد في أنحاء مصر حتى القرن السابع. تنازع على حكم الكنيسة في ذاك الزمن بطريركان، واصطفّت الغالبية العظمى من المصريين خلف البطريرك المناوئ للروم، ولم يهدأ هذا الصراع إلا عند دخول العرب إلى مصر تحت راية الإسلام. يصعب اختصار أحداث تلك المرحلة في مقالة، وقد اختلف أهل الاختصاص في تقويمها إلى يومنا هذا، والأسئلة التي تثيرها لا تزال مرفوعة.

    تناول مؤرخو "الفتوح" المسلمون هذه الأحداث بالتفصيل، وطرحوا السؤال: هل فُتحت مصر بصلح، أم فُتحت عنوةً؟ من جهتهم، قدّم المؤرخون المسيحيون روايات أخرى لهذه الواقعة، تقاطعت في كثير من الأحيان. استسلم الروم أمام جيش الإسلام في عام 641، ورأى المسيحيون المناوئون لهم في هذه الهزيمة عقاباً إلهياً. بحسب الرواية المسيحية التي نقلها ساويروس بن المقفع في "تاريخ بطاركة الإسكندرية"، أعطى عمرو بن العاص عهداً للبطريك بنيامين بـ"الأمان والسلامة من الله"، وبعث له بكتاب يقول: "فليحضر آمناً مطمئناً ويدير حال بيعته وسياسة طائفته"، فعاد البطريرك إلى الإسكندرية بعد غيبة ثلاث عشرة سنة فرضها عليه الروم، واستُقبل في احتفال عظيم، وكان الناس "فرحين مثل العجول الصغار إذ حلّ رباطها، وأطلقت على ألبان أمهاتها". تحت عنوان "دخول النصارى في طاعة المسلمين"، يستعيد المقريزي هذه الحقبة في "المواعظ والاعتبار" حيث يقول: "اعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى، وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم، أحدهما أهل الدولة وكلهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الروم، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاثمئة ألف روميّ. والقسم الآخر عامّة أهل مصر، ويقال لهم القبط، وأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطي من الحبشيّ من النوبيّ من الإسرائيليّ الأصل من غيره، وكلهم يعاقبة، فمنهم كتّاب المملكة ومنهم التجار والباعة، ومنهم الأساقفة والقسس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة. وبينهم وبين الملكية أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، ويوجب قتل بعضهم بعضاً، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّاً، فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها. فلما قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الروم حمايةً لملكهم ودفعاً لهم عن بلادهم، فقاتلهم المسلمون وغلبوهم على الحصن. وطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية فصالحهم عليها وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها، وصاروا معه عوناً للمسلمين على الروم، حتى هزمهم الله تعالى وأخرجهم من أرض مصر. وكتب عمرو لبنيامين بطريرك اليعاقبة أماناً في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك وقدم على عمرو وجلس على كرسيّ بطريركيته بعدما غاب عنه ثلاث عشرة سنة، منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر، فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلها، وانفردوا بها دون الملكية".

    من الأمويين إلى العباسيين

    أصبحت مصر جزءاً من الأمبراطورية الأموية في عام 650، وتبدّلت أحوال الأقباط في ذلك العهد بحسب تبدل الأحوال الاقتصادية، وتمثّل هذا التبدل بشكل أساسي في الضرائب المفروضة باسم الخراج والجزية. بحسب رواية نقلها المقريزي، أمر الخليفة عبد العزيز بن مروان "بإحصاء الرهبان فأُحصوا وأُخذت منهم الجزية عن كلّ راهب دينار، وهي أوّل جزية أُخذت من الرهبان. ولما وُلِّي مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان اشتدّ على النصارى، واقتدى به قرّة بن شريك أيضاً في ولايته على مصر، وأنزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا قبلها بمثلها، وكان عبد اللّه بن الحبحاب متولّي الخراج قد زاد على القبط قيراطاً في كلّ دينار، فانتقض عليه عامّة الجوف الشرقيّ من القبط، فحاربهم المسلمون وقتلوا منهم عدّة وافرة". "واشتدّ أيضاً أسامة بن زيد التنوخيّ متولّي الخراج على النصارى، وأوقع بهم وأخذ أموالهم، ووشم أيدي الرهبان بحلقة حديد فيها اسم الراهب واسم ديره وتاريخه، فكل من وجده بغير وشم قطع يده". تبعت هذه القرارات سلسلة من الإجراءات التعسفية اتخذها الحكّام بدافع الجشع كما يبدو، و"لما قام هشام بن عبد الملك في الخلافة، كتب إلى مصر بأن يجري النصارى على عوايدهم وما بأيديهم من العهد". وتتفق هذه الرواية مع قول صاحب "تاريخ البطاركة": "كان هشام رجلاً خائفاً من الله على طريق الإسلام وكان محبّاً لسائر الناس". تبدلت الأحوال من جديد مع عودة "حنظلة بن صفوان أميراً على مصر في ولايته الثانية"، كما يشير المقريزي، "فتشدّد على النصارى وزاد في الخراج، وأحصى الناس والبهائم، وجعل على كلّ نصرانيّ وسماً صورة أسد، وتتبعهم، فمن وجده بغير وسم قطع يده".

    أدّت هذه السياسة إلى سلسلة من الانتفاضات تواصلت بعد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، وهم في كتاب "تاريخ البطاركة" الخراسانيون الذين ضاعفوا الخراج "وأكملوه على النصارى ولم يوفوا بوعودهم". شهدت مصر في النصف الأول من القرن التاسع سلسلة من الاضطرابات عرضها المقريزي بشكل متسلسل: "انتقض أسفل الأرض بأسره، عرب البلاد وقبطها، وأخرجوا العمال، وخلعوا الطاعة لسوء سيرة عمّال السلطان فيهم، فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب امتدّت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر". سخط الخليفة العباسي على والي مصر عيسى بن منصور الرافقي، وأمر بخلعه، وقال له: "لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل أعمالك، حمّلتم الناس ما لا يطيقون، وكتمتني الخبر حتى تفاقم الأمر واضطرب البلد". عادت الاضطرابات، وبلغت الذروة في زمن ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر. هُزم القبط، وأصدر الخليفة المأمون حكمه عليهم، فأمر "بقتل الرجال وبيع النساء والذرية فبيعوا، وسبى أكثرهم. ومن حينئذ ذُلّت القبط في جميع أرض مصر، ولم يقدر أحد منهم بعد ذلك على الخروج على السلطان". أدّت هذه الأحداث إلى هزيمة الأقباط لكنها لم تنه وجودهم. يختم المقريزي الحديث بقوله: "غلبهم المسلمون على عامّة القرى، فرجعوا من المحاربة إلى المكايدة، واستعمال المكر والحيلة ومكايدة المسلمين، وعملوا كتاب الخراج، فكانت لهم وللمسلمين أخبار كثيرة".

    العصر الفاطمي

    شيئاً فشيئاً، تقلص عدد المسيحيين مع تحوّل الكثير منهم إلى الإسلام، فصاروا أقلية، لكن هذه الأقلية بقيت حاضرة وفاعلة في المجتمع المصري كما يشهد مؤرخو تلك العصور. بين عام 870 وعام 905، حكم الطولونيون مصر، واستقلّوا إدارياً عن العباسيين، ووصل الأقباط في عهدهم إلى تبوؤ مناصب عالية، لا سيما في الإدارة المالية. تواصلت هذه السياسة في عهد الإخشيديين، وأبلغ صورها مشاركة الإخشيد محمد بن ظغج في إحياء "ليلة الغطاس". شهد المسعودي هذه الاحتفالات، ووصف في "مروج الذهب" خروج "آلاف من الناس من المسلمين والنصارى" في ليلة العيد، "منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط". وقال: "هي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سروراً، ولا تُغلَق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ للداء".

    بعد الإخشيديين، بسط الفاطميون سلطتهم على مصر عام 969، واستمر حكمهم حتى عام 1171. عرف الأقباط خلال تلك الفترة سنوات رخاء نالوا فيها المجد والثروة والحظوة، وأخرى عجافاً تهاووا فيها إلى الحضيض. في القرن الثالث عشر، كتب المؤرخ السرياني ابن العبري في وصف تلك الحقبة: "كان المسيحيون يومئذ متولّين شؤون الوزارة في الدولة العربية المصرية دون أن يضطرهم احد إلى جحود دينهم، بخلاف ما يجري في عصرنا، إذ أن العرب لا ينيطون الوزارة إلا بمن ينضم إلى الإسلام". في المقابل، يجزم المقريزي أن الكثير من النصارى تمكّن "في أعمال الدولة حتى صاروا كالوزراء وتعاظموا لاتساع أحوالهم وكثرة أموالهم، فاشتدّ بأسهم وتزايد ضررهم ومكايدتهم للمسلمين". تقلبت سياسة الخلفاء الفاطميين إزاء المسيحيين وتبدلت يشكل جذري بين عهد وعهد. ألغى المعزّ لدين الله احتفالات "ليلة الغطاس" وحدّ من مظاهر إحياء الأعياد المسيحية. خلفه العزيز بأمر الله، وعُرف برعايته الذميين وتقرّبه من النصارى، فأحيا احتفالات "ليلة الغطاس" من جديد، وشارك فيها، وبحسب المؤرخ ابن إياس، "كان يشعل على الشطوط في تلك الليلة أكثر من ألف مشعل وفانوس"، "ويتهادى المسلمون والنصارى بأصناف الطعام والحلوى".

    بعد العزيز، جاء الحاكم بأمر الله، وصبّ جام غضبه على النصارى. وفقاً لرواية المقريزي، قبض الحاكم "على عيسى بن نسطورس النصرانيّ، وهو إذ ذاك في رتبة تضاهي رتب الوزراء، وضرب عنقه، ثم قبض على فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان وضرب عنقه، وتشدد على النصارى وألزمهم لبس ثياب الغيار وشدّ الزنّار في أوساطهم، ومنعهم من عمل الشعانين وعيد الصليب والتظاهر بما كانت عادتهم فعله في أعيادهم من الاجتماع واللهو". "وأحرق عدّة صلبان كثيرة، ومنع النصارى من شراء العبيد والإماء"، وخرّب كنائس عديدة في القاهرة وخارجها، "وأباح ما فيها للناس، فانتهبوا منها ما يجلّ وصفه". "ومنع النصارى من عمل الغطاس على شاطئ النيل بمصر، وأبطل ما كان يُعمل فيه من الاجتماع للهو، وألزم رجال النصارى تعليق الصلبان الخشب التي زنة كل صليب منها خمسة أرطال في أعناقهم، ومنعهم من ركوب الخيل، وجعل لهم أن يركبوا البغال والحمير بسروج ولجم غير محلاّة بالذهب والفضة، بل تكون من جلود سود". "ثم ألزم اليهود والنصارى خروجهم كلهم من أرض مصر إلى بلاد الروم، فاجتمعوا بأسرهم تحت القصر من القاهرة واستغاثوا ولاذوا بعفو أمير المؤمنين حتى أعفوا من النفي، وفي هذه الحوادث أسلم كثير من النصارى". بحسب الروايات المتناقلة، انتهج الحاكم سياسة مغايرة في السنوات الأخيرة من عمره، و"اختفى" بشكل غامض في 1021، فخلفه الظاهر لإعزاز دين الله الذي حكم حتى عام 1036، وتسلّم السلطة من بعده تباعاً المستنصر بالله، ثم الآمر بأحكام الله، والحافظ لدين الله.

    أذن الظاهر لمن اظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى المسيحية، فرجع إليها كثير منهم. وسلك المستنصر سياسة مشابهة، وسلّم بعض المناصب الرفيعة إلى المسيحيين. كذلك، تميز عهد الآمر بالعودة إلى التسامح الديني، ويبدو أن المسيحيين لم يحسنوا استغلال هذه الفرصة كما يجب. يروي القلقشندي في "صبح الأعشى": "في أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي بالديار المصرية، امتدّت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالخيانة، وتفنّنوا في أذي المسلمين وإيصال المضرة إليهم. واستعمل منهم كاتب يُعرَف بالراهب، ولُقّب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي الآباء، وسيد الرؤساء، مقدم دين النصرانية، وسيد البتركية (أي البطريركية)، صفي الرب ومختاره، وثالث عشر الحواريين، فصادر اللعين عامة من بالديار المصرية، من كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوّفه بعض مشايخ الكتاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذّره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سبباً لهلاكه. وكان جماعة من كتّاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطباً له ومسمعاً للجماعة: نحن ملاّك هذه الديار حرثاً وخراجاً، ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها وغصبوها، واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حل لنا، وهو بعض ما نستحقه عليهم، فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم". بحسب الراوي، لم يهنأ الراهب بما جناه طويلا: ثارت "الغيرة المحمدية" في النهاية، "فغضب لله غضبة ناصر للدين، وثار للمسلمين، فألبس أهل الذمة الغيار، وأنزلهم بالمنزلة التي أمر الله أن ينزلوا بها من الذل والصغار، وأمر أن لا يُولّوا شيئاً من أعمال الإسلام، وأن ينشأ في ذلك كتاب يقف عليه الخاص والعام".

    في عهد الحافظ لدين الله، برز مسيحي آخر وصل إلى رتبة الوزير، ويدعى برهام الأرمني. عنه يقول المقريزي: "كان نصرانياً، فاشتد ضرر المسلمين من النصارى، وكثرت أذيتهم، فسار رضوان بن وَلَخْشي، وجمع الناس لحرب بهرام، وسار إلى القاهرة، فانهزم بهرام، ودخل رضوان القاهرة، واستولى على الوزارة، فأوقع بالنصارى وأذلّهم، فشكره الناس".

    النكبة الكبرى

    بعد الحافظ، تضعضع حكم الفاطميين وانحلّ، وتزامن هذا الانحلال مع دخول الفرنجة وصعود الأيوبيين. حفرت الحروب الصليبية هوة عميقة بين المسيحية والإسلام، وارتدّت بشكل أساسي على النصارى، بالرغم من اختلافهم المذهبي عن الفرنجة. واجهت مصر حملة ملك أورشليم جان دو بريين، ثم حملة الملك لويس التاسع، ودفع الأقباط ثمناً باهظاً نتيجة لهاتين الحملتين التي لم يشتركا فيها ولم ينصراها، لكنهم عادوا واحتلّوا مناصب رفيعة في السلطة، لا سيما في عهد الكامل. انتهى عهد الأيوبيين في عام 1251، وتزامن صعود المماليك مع نهاية الصليبيين وصدّ تمدّد المغول. أدت المواجهة الطويلة مع الصليبيين إلى كره عام للنصارى تجلّى في سلسلة من الأحداث شهدتها مصر بين عام 1309 وعام 1341، في زمن حكم السلطان قلاوون. قدّم المقريزي عرضاً موسعاً لوقائع هذه الحوادث، واستفاض في نقل أدقّ تفاصيلها. تقول الرواية إن عامة المسلمين خرجوا يوم الجمعة وشرعوا في هدم الكنائس، "وتواتر الخبر من الوجه القبليّ والوجه البحري بكثرة ما هدم في هذا اليوم وقت صلاة الجمعة وما بعدها من الكنائس والأديرة، في جميع إقليم مصر كله". "فاشتدّ حنق السلطان على العامّة خوفاً من فساد الحال، وأخذ الأمراء في تسكين غضبه وقالوا: هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله، ولو أراد السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما قدر عليه، وما هذا إلا بأمر الله سبحانه، وبقدره لما علم من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة وعذاباً لهم". اشتد خوف العامّة من رد فعل السلطان، "ففرّ عدّة من الأوباش والغوغاء، وأخذ القاضي فخر الدين ناظر الجيش في ترجيع السلطان عن الفتك بالعامّة".

    "لم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر في مواضع عدة، وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس". وتبيّن أن بعض رهبان "دير البغل" أشعلوا هذا الحريق انتقاماً منهم لما رأوه من هدم الكنائس، وعندما وصل هذا الخبر إلى البطريرك، بكى وقال: "هؤلاء سفهاء النصارى، قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس". لا تنتهي فصول الرواية هنا. طالبت العامة بالانتقام، فطُوّق دير البغل "وقُبض على من فيه، وأُحرق من جماعته أربعة"، و"اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم". وانقض بعدها "جمهور الناس على النصارى وفتكوا بهم، وصاروا يسلبون ما عليهم من الثياب حتى فحش الأمر وتجاوزوا فيهم المقدار، فغضب السلطان من ذلك، وهمّ أن يوقع بالعامّة، واتفق أنه ركب من القلعة يريد الميدان الكبير في يوم السبت، فرأى من الناس أمماً عظيمة وهم يصيحون: نصر الله الإسلام، أنصر دين محمد بن عبد الله. فخرج من ذلك". في الخلاصة، يمكن القول إن محمد بن قلاوون كان يعطف على النصارى ويرغب في حمايتهم، لكنه "اضطر" إلى مسايرة الجماهير الخانقة، فسلّم بما حدث.

    ينقل المقريزي روايات أخرى تماثل هذه الحوادث، ويبدو أن هذه النكبات المتسلسلة ترافقت مع انتقال الكثير من الأقباط إلى الإسلام. يتحدث أشهر مؤرخي مصر عن "كثرة دخول النصارى من أهل الصعيد والوجه البحريّ في الإسلام، وتعلّمهم القرآن"، ويضيف "إن أكثر كنائس الصعيد هُدمت وبُنيت مساجد، وأنه أسلم بمدينة قليوب في يوم واحد أربعمئة وخمسون نصرانياً، وكذلك بعامة الأرياف، مكراً منهم وخديعة حتى يُستخدموا في المباشرات، وينكحوا المسلمات، فتمّ لهم مرادهم واختلطت بذلك الأنساب حتى صار أكثر الناس من أولادهم".

    الإرث الثقافي

    تعرّبت الكنيسة القبطية منذ القرن العاشر، ويشهد لهذه الحركة قول صاحب "تاريخ البطاركة" في مقدمة كتابه أنه استعان "بمن أعلم استحقاقهم من الإخوة المسيحيين" وسألهم مساعدته على نقل ما وجده "من الأخبار بالقلم القبطي واليوناني إلى القلم العربي الذي هو اليوم معروف عند أهل الزمان بأقاليم ديار مصر، لعدم اللسان القبطي واليوناني من أكثرهم". انتقل المقرّ البطريركي عام 1065 من الإسكندرية إلى القاهرة من دون التخلي عن اسمه الأصلي، وترافق هذا الانتقال مع بزوغ حركة ثقافية كبيرة انتهجت العربية لغة لها، واستمرت هذه الحركة في العطاء حتى منتصف القرن الرابع عشر، وأبرز أعمدتها البطريرك خراسطادلو واضع مجموعة الأنظمة الكنسية الإثنين والثلاثين في القرن الحادي عشر، وخليفته كيرلس الثاني صاحب الكتاب الرعوي المعتمد في النظام الكنسي العام. أكمل جبرائيل بن تريك هذا المسار في القرن الثاني عشر، ولمع في تلك الحقبة سمعان بن كليل، مؤلف "روضة الفريد وسلوة الوحيد"، وأبو صالح الأرمني، صاحب التاريخ المعروف باسمه. في القرن الثالث عشر، وضع كيرلس بن لقلق سلسلة من المؤلفات الكنسية، وألّف الرشيد أبو الخير بن الطيب كتاباً حمل عنوان "جلاء العقول في علم الأصول"، وكتب الراهب بطرس السدمنتي مقالات عقائدية، وعُرف الأنبا بطرس البوشي بخطابته العربية البليغة. واشتهر "أولاد العسال" بالآداب والتصنيف، وهم المؤتمن والصفيّ والأسعد، وأصلهم من الفيوم، دخلوا في دواوين الدولة المصرية في عهد المماليك، وكان لهم أثر في إدارة الكنيسة. في المقابل، شهدت الفنون القبطية بين العصر الفاطمي والعصر المملوكي نشاطاً خلاقاً واسعاً في فن الكتاب كما في فنون النقش والرسم، وشواهد هذا النشاط لا تزال حية في العديد من كنائس مصر، وفيها يتجلى الأثر الإسلامي المحلي في الزخرفة والتزيين.

    بين المماليك والعثمانيين

    دخل الأقباط في الظلّ في القرن السادس عشر، واستمروا على هذه الحال بينما تنافس العثمانيون والمماليك على حكم مصر. في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ينقل عبد الرحمن الجبرتي بعضاً من أخبار الأقباط بين منتصف القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. ويتبيّن من خلال هذه الأخبار أن السلطة الحاكمة أطلقت كما في الماضي القريب سلسلة من الأحكام التمييزية، منها تلك التي صدرت خلال عام 1758، مثل: "نودي على طائفة النصارى بأن لا يركبوا الدواب ولا يستخدموا المسلمين ولا يشتروا الجواري والعبيد، ومن كان عنده شيء من ذلك باعه أو أعتقه وأن يلزموا زيّهم الأصلي". وجاء في موقع آخر: "نودي على طائفة النصارى بالأمان وعدم التعرض لهم بالإيذاء، وسببه تسلط العامة والصغار عليهم". وقيل أيضا: "نودي على النصارى واليهود بأن يغيّروا أسماءهم التي على أسماء الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى ويوسف واسحق، وأن يحضروا جميع ما عندهم من الجواري والعبيد، وإن لم يفعلوا وقع التفتيش على ذلك في دورهم وأماكنهم، فصالحوا على ذلك بمال، فحصل العفو وأذنوا لهم في أن يبيعوا ما عندهم من الجواري والعبيد ويقبضوا أثمانهم لأنفسهم ولا يستخدموا المسلمين، فأخرجوا ما عندهم وباعوا بعضه وأودعوه عند معارفهم من المسلمين".

    لم تتبدل هذه الأحوال في ظل الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، والدليل رواية للجبرتي تقول "إن نصارى الشوام رجعوا إلى عادتهم القديمة في لبس العمائم السود والزرق وتركوا لبس العمائم البيض والشيلان الكشميري الملونة والمشجرات، وذلك بمنع الفرنسيس لهم من ذلك، ونُبّهوا أيضاً بالمناداة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عادتهم مع المسلمين أولاً، ولا يتجاهرون بالأكل، ولا يشربون الدخان ولا شيئاً من ذلك بمرأى منهم، كل ذلك لاستجلاب خواطر الرعية. حتى أن بعض الرعية من الفقهاء مرّ على بعض النصارى وهو يشرب الدخان فانتهزه، فردّ عليه ردّاً شنيعاً، فنزل ذلك المتعمّم وضرب النصراني واجتمع عليه الناس، وحضر حاكم الخطة فرفعهما إلى قائمقام، فسأل من النصارى الحاضرين عن عادتهم في ذلك، فأخبروه أن من عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يأكلون في الأسواق ولا بمرأى من المسلمين أبداً، فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله".

    مصر الحديثة

    تبدلت هذه الأحوال تبدلاً جذرياً في عهد محمد علي باشا، وباني مصر الحديثة. أبطل مؤسس الأسرة الملكية قيود الزيّ المفروضة على الأقباط منذ قرون، وشرع في تحقيق المساواة بين المسلمين والأقباط في الحقوق والواجبات، وقام بتعيين مسيحيين كمأمورين على مراكز مهمة في مصر. من جهة أخرى، ألغى الباشا الكبير كل القيود التي كانت تُفرَض على الأقباط لممارسة طقوسهم الدينية، ولم يرفض للمسيحيين أي طلب تقدموا به لبناء الكنائس وإصلاحها. دخل العنصر القبطي في صلب الأمة في ظل حكم الوالي سعيد باشا الذي ألغى الجزية المفروضة على الذميين في نهاية 1855، وشرّع في مطلع عام 1856 قبول النصارى في الجيش وتطبيق قانون الخدمة العسكرية عليهم. أكمل الخديوي إسماعيل هذه الإنجازات، وقام بترشيح الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، كما عيّن قضاة منهم في المحاكم. من جهة أخرى، كان خامس حكّام الأسرة الملكية أول حاكم يطلب رتبة الباشوية لرجل مسيحي، كما كانت له علاقات ممتازة مع البطريرك ديمتريوس، وقد دعم المدارس القبطية مادياً، وساهم مساهمة فعالة في تقويتها.

    دخل الأقباط عالم السياسة بشكل واسع من خلال الحزب الوطني. نادى مؤسس هذا الحزب مصطفى كامل بالوحدة الوطنية، وقال "إن المسلمين والأقباط شعب واحد مرتبط بالوطنية والعادات والأخلاق وأسباب المعاش ولا يمكن التفريق بينهما مدى الأبد‏"، وضمّ تحت لواء هذا الشعار عدد كبير من أعيان الأقباط، مثل ويصا واصف، ناصر الآداب والفنون، والمحامي مرقس حنا باشا، ابن القمص يوحنا بن مرقس أسعد دميان. رحل مصطفى النحاس في ريعان شبابه عام 1908، واختلّت موازين حزبه بعد وفاته مما أدى إلى خروج عدد من العناصر المهمة من الحزب، منهم ويصا واصف. ظهر الخلاف بين الأقباط والمسلمين من جديد بسبب فكرة إنشاء "الجامعة الإسلامية"، وفجّر الأزمة مقال نشره الشيخ عبد العزيز جاويش في جريدة "اللواء" الناطقة بلسان الحزب الوطني تحت عنوان "الإسلام غريب في بلاده". تجلى هذا الخلاف في الكتابات الصحافية المتبادلة بين عام 1908 وعام 1911، وتأزّم بعد اغتيال رئيس الوزارة بطرس باشا غالي في شباط 1910 على يد الورداني، أحد أتباع الحزب الوطني. تجاوز الفريقان خلافاتهما في زمن سعد زغلول، وظهرت وحدة "عنصرَي الأمة المصرية" في ثورة 1919 حيث راح المشايخ يخطبون في الكنائس، وراح القساوسة يخطبون في المساجد، وارتفعت الأعلام التي تجمع بين الهلال والصليب. أثمرت هذه الثورة، وكانت ثمرتها دستور 1922 القائل بمساواة تامة بين جميع المصريين، ودخل الأقباط يومها مجلس الوزراء بصورة "طبيعية".

    جذب حزب الوفد عدداً كبيراً من الأقباط، وجسّد هذا الحزب "الوحدة الوطنية" في حقبة متوترة عالميا. عام 1936، ألغى مصطفى النحاس المعاهدة القائمة بين مصر وانكلترا، بينما أُعلن الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني في قناة السويس. لمع نجم جماعة "الإخوان المسلمين" في تلك الفترة، وترافق ذلك مع نموّ للمدّ الديني أدى إلى بعض التعديات ضد إحدى الكنائس القبطية في مدينة السويس في 4 كانون الثاني 1952، قبل الاحتفالات بعيد الميلاد بحسب التقويم القبطي. إثر هذا الاعتداء، عُقد المجلس الملي العام، وأعلن الحداد العام "بسبب الحوادث العامة المحزنة المفجعة التي وقعت بمدينة السويس"، وتمّ إلغاء الاحتفال بالأعياد.

    بعد بضعة أشهر، قام "الضباط الأحرار" بالثورة، ولم يكن ضمن هذا التنظيم أي قبطي. وجد المسيحيون أنفسهم في الهامش بعد إعلان قانون الإصلاح الزراعي وقيام التأميمات وإلغاء سائر الأحزاب السياسية. لكن هذه الإجراءات لم تهدد الوجود القبطي. شهدت الكنيسة نهضة عامرة في زمن بابا الإسكندرية كيرلس السادس، بين 1959 و1971، وبات لها مركز كبير في الحياة العامة. في تموز 1964 وضع عبد الناصر الحجر الأساس في بناء الكاتدرائية البطريركية في العباسية، وبعد أربع سنوات تم افتتاح الصرح لمناسبة مرور تسعة عشر قرناً على استشهاد مرقس الإنجيلي البشير. استقبلت الكاتدرائية يومها رفات شفيعها بعدما أعاده اليها البابا بولس السادس، وكان أهل البندقية قد استولوا عليه خلسة في زمن الصليبيين. وتم حفظ الرفات المقدس في الكنيسة في احتفال حضره الرئيس عبد الناصر والأمبراطور هيلاسيلاسى إلى جانب بطريرك الكرازة المرقسية. شكل هذا الاحتفال عنواناً لمرحلة جديدة لم تستمر طويلا للأسف.

    المسلسل البائس

    اعتلى أنور السادات السلطة في عام 1970، وكان التياران الناصري واليساري شبه مسيطرين في الجامعات والنقابات والإعلام. أطلق الرئيس الجديد على نفسه لقب "الرئيس المؤمن"، وحرّر التيار الديني الأصولي لضرب هذين التيارين، وأعلن في عام 1980: "أنا رئيس مسلم لدولة إسلامية". على الصعيد الإشتراعي، قام السادات بتعديل الدستور المصري، وأضاف إلى المادة الثانية من دستور 1971 "الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". وعدّلت هذه العبارة في عام 1980، فغدت "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع". رافق هذه السياسة تحوّل واسع في الثقافة الجماعية العامة أدّت إلى سلسلة من الأحداث الطائفية، أولها حادث حرق الكنيسة في الخانكة في تشرين الثاني 1972. تبع هذا الحادث اغتيال القس غبريال عبد المتجلي كاهن كنيسة التوفيقية في سمالوط، محافظة المنيا، وتلت هذا الاغتيال اصطدامات عنيفة بين المسلمين والأقباط في أيلول 1978.
    توسعت دائرة العنف وترافقت مع انتشار منشورات عديدة تكفّر "النصارى" وتجيز قتلهم وتحلل الاستيلاء على أملاكهم، ووصلت الأزمة إلى ذروتها في 1981 حيث تواصل العنف الطائفي في حي الزاوية الحمرا لمدة ثلاثة أيام متتالية، وأدى طبقاً للتقرير الحكومي إلى 17 قتيلا و112 جريحاً. بقية القصة معروفة: في 4 أيلول 1981، عزل السادات البابا شنودة وحدّد إقامته بدير الأنبا بيشوي، كما أمر بالقبض على 1536 شخصية من مختلف التيارات والاتجاهات السياسية والدينية، واغتيل بعد شهر على يد منظمة الجهاد الإسلامي.

    استمر مسلسل الفتن الطائفية في عهد الرئيس حسني مبارك، وهو كما يبدو مستمر اليوم، والتفجير الذي وقع في كنيسة القديسين مار مرقس والبابا بطرس في الإسكندرية ما هي إلا حلقة من هذا المسلسل البائس. ويخال من يتتبع أخبار هذا المسلسل أن التاريخ يعيد نفسه، وأن مصر عادت لتعيش في عصر المقريزي، لا في القرن الحادي والعشرين


    النهار
    الأحد 16 كانون الثاني 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    مسيح الشعراء

    دخلت صورة المسيح المصلوب القاموس الشعري العربي بعد هزيمة 1948، عبر تجارب بدر شاكر السياب في العراق وصلاح عبد الصبور في مصر. وتردّد صدى هذه التعبيرية في إنتاج بعض كبار الشعراء على مدى عقدين من الزمن، كما في تجربة محمود درويش. امتدّ هذا إلى الشعر العامي مع صلاح جاهين، وبلغ الأغنية المصرية مع عبد الحليم حافظ في قصيدة كتبها الأبنودي ولحّنها بليغ حمدي.

    في 30 كانون الثاني 1948، أطلق أحد الهندوس المتطرفين ثلاث رصاصات على المهاتما غاندي، فسقط صريعاً عن تسعة وسبعين عاما. يومذاك، كتب توفيق الحكيم في صحيفة "أخبار اليوم" المصرية مقالة قال فيها إن بطل الهند "مات مقتولا بين عشيرته كما قُتل المسيح"، وقد ثقبت الرصاصات جسده "كما ثقبت المسامير جسد المسيح". في ما يُشبه الردّ، نشرت مجلة "الصباح" مقالة موقّعة باسم محيي الدين رضا تستهجن هذا التشبيه لكونه مخالفاً لما جاء في سورة النساء: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157). يشكّل صلب المسيح أساس العقيدة المسيحية، ولا ينفصل عن قيامته وصعوده إلى السماء. في المقابل، ينفي الميراث الإسلامي موت عيسى بن مريم قتلاً أو صلباً. بالرغم من هذا التباين الجلي، نجد في الميراث الإسلامي روايات عدة حول قبض اليهود على عيسى يتردد فيها صدى أخبار الأناجيل الأربعة وما انبثق من قصص مسيحية في القرون الميلادية الأولى، غير أن صورة المسيح المصلوب تبقى غائبة تماماً عن هذه الروايات.

    صليب وأمّ حزينة

    دخلت هذه الصورة الذاكرة العربية الجماعية في مرحلة متأخرة من باب الشعر، وتردّد صداها في العديد من القصائد كرمز من رموز الموت والبعث في خمسينات القرن الماضي. هكذا اتّحد بدر شاكر السياب بالمسيح، وتكرّر ذكر الصليب بشكل لافت في ديوان "أنشودة المطر". في أولى قصائد المجموعة، "غريب على الخليج"، يخاطب الشاعر العراق ويقول: "بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة/ غنيت تربتك الحبيبة/ وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه". وفي "قافلة الضياع"، يبكي فلسطين ويستحضر صورة المصلوب الجريح: "كان المسيح بجنبه الدامي/ ومئزره العتيق يسدّ ما حفرته ألسنة الكلاب/ فاجتاحه الطوفان: حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين/ إلا دجىً كالطين تُبنى منه دور اللاجئين". من فلسطين، نعود إلى العراق في "مرثية جيكور" حيث يحضر الصليب بظلّه فوق القرية الواقعة جنوب شرق البصرة: "يا صليب المسيح ألقاك ظلاً فوق جيكور طائر من حديد/ يا لظلّ كظلمة القبر في اللون كالقبر في ابتلاع الخدود/ والتهام العيون من كل عذراء بيت لحم الولود/ مرّ عجلان بالقبور العواري من صليب على النصارى شهيد/ فاكتسب منه بالصليب الذي ما كان إلا رمزا الهلاك الأبيد/ لا رجاء لها بأن يبعث الموتى ولا مأمل لها بالخلود/ ويل جيكور؟ أين أيامها الخضر وليلات صيفها المفقود؟".

    تمتزج الصور في "المسيح بعد الصلب" حيث يتحدث الشاعر بلسان بطل القصيدة، جاعلا الموت رديفاً للقيامة: "قلبي الماء قلبي هو السنبل/ موته البعث: يحيا بمن يأكل/ في العجين الذي يستدير/ ويُدحى كنهد صغير كثدي الحياة/ متّ بالنار: أحرقت ظلماء طيني فظلّ الإله/ كنت بدءا وفي البدء كان الفقير/ متّ كي يؤكل الخبز باسمي لكني يزرعوني مع الموسم/ كم حياة سأحيا: ففي كل حفرة/ صرت مستقبلاً، صرت بذرة/ صرت جيلاً من الناس: في كل قلب دمي/ قطرة منه أو بعض قطرة". تتكرّر الصورة، ويبرز معنى التضحية والفداء: "ها أنا الآن عريان في قبري المظلم/ كنت بالأمس ألتف كالظنّ، كالبرعم/ تحت أكفاني الثلج، يخضلّ زهر الدم/ كنت كالظل بين الدجى والنهار/ ثم فجّرت نفسي كنوزا فعرّيتها كالثمار/ حين فصّلت جيبي قماطا وكمّي دثار/ حين دفّأت يوما بلحمي عظام الصغار/ حين عرّيت جرحي، وضمّدت حرجا سواه/ حُطّم السور بيني وبين الإله". يعود الشاعر إلى صليبه ويختم قصيدته بالابتهال والتقديس: "بعد أن سمّروني وألقيت عينيّ نحو المدينة/ كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرة/ كان شيء، مدى ما ترى العين/ كالغابة المزهرة/ كان في كلّ مرمى، صليب وأمّ حزينة/ قُدِّس الربُّ/ هذا مخاض المدينة".

    المسيح واللصوص

    نقع في ديوان الشعر العربي الحديث على الكثير من الاستعارات المشابهة. في العراق، تساءلت نازك الملائكة في "عيون الأموات": "ما الذي رامه المسيح لكي يجزى بما كان ما الذي كان منه؟". وفي ديوان "يوميات سياسي محترف"، نادى عبد الوهاب البياتي "صليب الالم"، وقال: "يا صليب العذاب! خذني حطاماً/ ويك خذني!/ إلى صليب جديد!". وأهدى الى جميلة بوحيرد قصيدة "المسيح الذي أعيد صلبه" في مجموعة "كلمات لا تموت". وفي ديوان "سفر الفقر والثورة"، استوحى الشاعر من "عذاب الحلاج" قصيدة "الصلب" التي جاء ختامها مسيحياً في تعابيره: "مائدتي، عشائي الأخير في وليمة الحياة/ فافتح لي شباك، مدّ لي يديك آه".

    في مصر، برزت صورة المصلوب بشكل خاص في شعر صلاح عبد الصبور. جاءت قصيدة "عيد الميلاد لسنة 1954" في ديوان "الناس في بلادي"، وفيها استعاد الشاعر مشهد المسيح الفادي، وقال: "يا عيد، يا نبعي الكئيب، يا ذكر إنسان غريب/ حمل الذنوب عن القطيع فمات من وَقر الذنوب/ يا لاهثا فوق الصليب يكاد يسألك الصليب/ لما متّ من دون الصليب". ضمّت مجموعة "أقول لكم" قصيدة "الظلّ والصليب"، كما ضمّت نشيد "القديس" حيث مزج عبد الصبور بين "المائدة" القرآنية و"العشاء" الإنجيلي. وجاء في المطلع: "إليّ، إليّ، يا غرباء، يا فقراء، يا مرضى/ كسيرى القلب والأعضاء، قد أنزلت مائدتي/ إليّ، إليّ/ لنطعم كسرة من حكمة الأجيال مغموسة/ بطيش زماننا الممراح/ نكسّر، ثم نشكر قلبنا الهادي/ ليرسينا على شط اليقين، فقد أضلّ العقل مسرانا".

    إلى عبد الصبور، كتب نجيب سرور "لزوم ما يلزم" في المجر عام 1964، وضمّت المجموعة قصيدة "المسيح واللصوص" استعاد فيها الشاعر فصول "درب الصليب" على طريقته الخاصة. في الإنجيل، يمضي يسوع إلى جبل الزيتون، ويتبعه تلامذته، فيطلب منهم أن يصلّوا كي لا يدخلوا في تجربة، ثم يجثو ويصلّي: "يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس". ينكر بطرس يسوع، ويسلّمه يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء كهنة اليهود. يُحاكَم المسيح، ويُصلَب بين لصّين، ويصرخ فوق الخشبة: "إلهي إلهي لماذا تركتني". يعلّق الشاعر في مطلع قصيدته: "أباه!/ تصرخ في العراء على الصليب/ والآب مشغول بعيداً لا يجيب/ عبثاً تنادي، لا حياة لمن تنادي/ أنت منذ الآن وحدك، أنت فى البلوى يتيم/ فايأس .. أبَعد الصلب ثمّة من رجاء؟/ الكأس لم تعبر، وكم صلّيت/ يا أبتاه فلتعبر/ لماذا الآب شاء/ ما كنت دوما لا تشاء؟/ لا أنت تدري، لا أنا أدري، ولا يدري أحد/ لكنَّ شيئاً واحداً ندريه: أنت الآن شاة سمّروها للخشب". يستعير الشاعر صورة إكليل الشوك، ويخاطب المسيح: "يا للهلاك/ أنصت وكفّ عن الصراخ/ الشوك غاص إلى عظام الجمجمة/ ستكون أشواك تغوص إلى نخاعك كلّ يوم". بعدها، يستحضر مشهد العشاء الأخير: "لما جلست إلى العشاء/ كانوا جميعا جالسين/ حتى يهوذا كان يجلس بينهم/ ما أكثر الأتباع حين يوزّع الخبزَ المعلّم!". ثم يتوجه مجدّدا نحو المسيح: "يا أيها المصلوب من منهم هنا؟ لاذوا جميعاً بالجحور/ واذّاك وحدك والصليب/ لا، بل هنا لصّان كلّ دُقَّ مثلك في صليب/ شكراً لهم، قد ميّزوك عن اللصوص بتاج شوك".

    في ساحة النور

    في فلسطين، تتحول صورة المسيح المصلوب لازمة تتكرر في عدد لا يُحصى من القصائد. على مثال السياب، يحمل محمود درويش الصليب ويتّحد بالمصلوب. في ديوانه، "أوراق الزيتون"، يستهلّ الشاعر قصيدة "رباعيات" بقوله: "وطني! لم يعطني حبي لك/ غير أخشاب صليبي!". و"في عاشق من فلسطين"، نقرأ في "شهيد الأغنية": "ما كنت أول حامل إكليل شوك/ لأقول: أبكي!/ فعسى صليبي صهوة/ والشوك فوق جبيني المنقوش/ بالدم والندى/ إكليل غار!". وفي "آخر الليل"، تبرز قصيدة "أغنية حب على الصليب" حيث يخاطب الشاعر حبيبته: "أحبك، كوني صليبي/ وكوني، كما شئت، برج حمام/ إذا ذوبتني يداك/ ملأت الصحارى غمام". تتردّد الصورة في قصيدة "إلى ضائعة": "إذا سقطت على عيني/ سحابة دمعة كانت تلف عيونك السوداء/ سأحمل كل ما في الأرض من حزن/ صليباً يكبر الشهداء/ عليه، وتصغر الدنيا/ ويسقي دمع عينيك/ رمال قصائد الأطفال والشعراء". كذلك، يختم الشاعر قصيدة "رد فعل" بقوله: "لن يبصروا إلاّ توهّج جبهتي/ لن يسمعوا إلاّ صرير سلاسلي/ فإذا احترقت على صليب عبادتي/ أصبحت قديساً/ بزيّ مقاتل".

    في "العصافير تموت في الجليل"، يحضر الصليب ويتوهّج في قصيدة "قاع المدينة": "شكرا- صليب مدينتي/ شكرا/ لقد علّمتنا لون القرنفل والبطولة/ يا جسرنا الممتدّ من فرح الطفولة/ يا صليب- إلى الكهولة/ الآن،/ نكتشف المدينة فيكَ/ آه... يا مدينتنا الجميلة!". وفي قصيدة "كتابة بالفحم المحترق"، يبوح الشاعر: "وما كنت أؤمن إلاّ/ بما يجعل القلب مقهى وسوق/ ولكنني خارج من مسامير هذا الصليب/ لأبحث عن مصدر آخر للبروق/ وشكل جديد لوجه الحبيب". تأخذ صورة الصليب والمسامير طابعا حميميا في "حبيبتي تنهض من نومها": "الشمس كانت تحتسي ظلنا/ ولم نغادر قبضة الشمس/ - كيف اعترفنا بالصليب الذي/ يحملنا في ساحة النور؟/ - لم نتكلم./ نحن لم نعترف/ إلا بألفاظ المسامير!". من جانب آخر، خاطب درويش الشاعرة فدوى طوقان في "يوميات جرح فلسطيني"، واستعاد مرة أخرى صورة المصلوب على عرشه: "كان لا بد من الأعداء/ كي نعرف أنا توأمان!/ كان لا بد من الريح/ لكي نسكن جذع السنديان!/ ولو أن السيد المصلوب لم يكبر على عرش الصليب/ ظل طفلا ضائع الجرح... جبان".

    جرح من الجروح

    يحمل الشعر العامي قصائد أخرى تتغنّى بالصليب. عام 1961، أصدر صلاح جاهين ديوانه الأول "عن القمر والطين"، وفيه "بكائية" تقول: "نزل المسيح من ع الصليب/ نزل ونام/ في مرج دمع/ من غير قميص/ وتلج شمع/ والمجدلية تميل عليه وتنوح تنوح/ تنده عليه/ تلاغيه/ تولول/ تحضنه/ تندب عليه وكأنها بتهنّنه/ تجدل له مهده من جدايل شعرها/ وتدفنه في صدرها/ ما رضعش منها إلا جرح من الجروح". المجدلية هي في الإنجيل المرأة التي ابتليت بسبعة شياطين أخرجهم منها المسيح فتبعته، وحضرت صلبه ودفنه، وكانت واحدة من النسوة اللواتي أتين إلى القبر لدهنه بالطيب، وقد ظهر لها المسيح عند قيامته، فذهبت وأخبرت الرسل انه قام من الموت. مثل جاهين، استحضر نزار قباني هذه الشخصية في قصيدة "أصبح عندي الآن بندقية"، وفيها بدت ربى فلسطين "حزينة كوجه المجدلية". واشتهرت القصيدة بعدما لحّنها عبد الوهاب وغنّتها أم كلثوم، ولهذه الأغنية تسجيل ثانٍ بصوت ملحّنها.

    اتّحدت صورة الناصري المصلوب بصورة فلسطين المصلوبة منذ نكبة 1948، وبعد هزيمة 1967، غنّى عبد الحليم حافظ على خشبة "مسرح ألبرت" هول في لندن أغنية "المسيح"، كتب كلماتها عبد الرحمن الأبنودي، ولحّنها بليغ حمدي.

    محمود الزيباوي

    النهار
    السبت 23 نيسان 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    عيد الصليب


    في الرابع عشر من ايلول تعيّد الكنائس لارتفاع الصليب. وغني عن القول ان المسيحيين لا يعبدون خشبة الصليب ولا يضعون في الكنائس الصليب الا اذا صار ايقونة أي رسم عليه المسيح. فكل ذكر للصليب في العبادات يعيدنا الى الذي مات عليه. لماذا هذا العيد؟ الأعياد المسيحية فئتان: الأعياد الفكرية مثل الميلاد والفصح والأعياد التي هي تذكارات لحوادث تاريخية يضاف اليها الفكر اللاهوتي.

    ما سميناه عيد ارتفاع الصليب يؤرخ لحادثة أولى هي اكتشاف صليب المخلص مطمورا تحت تراب الجلجلة حيث مات واكتشفته القديسة هيلانة ام الامبراطور قسطنطين التي بنت كنيسة القيامة وكنيسة المهد. وضع عود الصليب في كنيسة القيامة حتى 4 أيار 614 فسرقه الفرس في تلك الفترة بعد احتلالهم أورشليم (القدس). في الـ628. بعدما انتصر الامبراطور البيزنطي هرقل على الفرس اعاده الى المدينة المقدسة فرفعت الكنيسة هذا العود امام المؤمنين وابتدأ العيد. وجزّئ الصليب اجزاء صغيرة جدا ووزع على المؤمنين في كل الدنيا بمعنى انه الآن مجرد ذخائر عند ألوف مؤلفة من المسيحيين.

    الجانب الطقوسي لهذا العيد غاية في الجمال في الكنيسة الأرثوذكسية اذ يرفع الكاهن قبيل القداس الصليب فوق رأسه وينزل به الى أرض الكنيسة وذلك خمس مرات وسط ترتيل مطول وبعد ان يقبل المؤمن الصليب يدفع الكاهن اليه زهرة كانت تحيط بالصليب عندما كان يحمل في الطواف ليؤتى به الى المائدة التي يتم عليها التكريم.

    كل المسيحيين على درجات مختلفة من الأبهة والبهاء الطقوسي يعبرون عن ايمانهم ليس فقط بالكلمات والانشاد ولكن بالرموز أيضاً بحيث ساغ القول ان القداس الشرقي بنوع خاص مسرح ديني فيه انواع من الفنون المختلفة وسجدات وركعات وحركات كإشارة الصليب على الوجه والصدر وفي العبادات أيضاً ماء وخبز وخمر وزيت وزهور واكاليل للعرسان وزيت وتراب على الجثمان وثياب تختلف ألوانها حسب المواسم وثياب خاصة بكل رتبة وايقونات وتصوير جداري لشعور المؤمنين انهم يمجدون الله في نفوسهم وأجسادهم معا وذلك بسبب ايمانهم بقيامة الأجساد.

    هناك ملموسية ضرورية لك معرفتها لتفهم المسيحية كما تجسدت في الألفية الأولى - وكل ما نتممه اليوم قائم وتام في الألفية الأولى. تفهم الناس كما يفهمون هم انفسهم.
    ***

    لك أن تقبل موت المسيح ولك ألا تقبله ولن أناقشك. ولكن ان اردت ان تعاشر المسيحيين لك ان تفهم عمق ايمانهم بالمصلوب. لن تفهم ذرة واحدة من ايمانهم وتاليا لا تستطيع ان تودهم ودا كبيرا ما لم تدرك سرهم أي ما يحركهم في العمق وتبقى حرا بتصديق حادثة الصلب أو عدم تصديقها. كل حرارة الحب في المسيحية أتت اليهم فقط من صلب المخلص. كل صلاتهم وطهارة بعضهم وانجازاتهم الفكرية في الشرق والغرب، كل ادائهم الشهادة بملايين من الشهداء جيلا بعد جيل، كل تقشف عندهم ونسك، كل غفران، وسلام في النفس ومحبات تبذل حتى الموت نازلة عليهم من المصلوب. لولاه لكانت المسيحية مذهبا من مذاهب اليهود.

    انجيلهم ليس فيه سوى هذا الحدث كائنا ما كان صوغ الأناجيل اسلوبا ولغة، الأناجيل تبدو بسيطة لكن مضمونها اللاهوتي غاية في التركيب. انها قائمة على جدلية موت المسيح وقيامته. أي تجليه الثنائي وسيادته على القلوب.

    هذا الصلب هو الذي جعل المسيحية ايمانا بشخص يدعى يسوع الناصري وليست اساسا تصديقا بكتب. الناصري لم يكتب حرفا وأتباعه يومنون به لأنه مات ثم قام ودونت الأناجيل بعد موته بضع عشرات من السنين (الانجيل الرابع بعد السنة التسعين). فقبل نصها كان هذا الايمان الواحد قائما وكانت دماء الشهداء تهدر لا بسبب كتب ولكن بسبب الحب لهذا الشخص.

    هذا صار الكاهن العظيم بآلامه واتخذ خطايا البشر على نفسه لكي تزول عنهم بالحياة الجديدة التي يعطيهم اياها بدخوله مملكة الموت ونزوله الى الجحيم أي الى قاع اللعنة التي لحقت بمن ماتوا قبله وبعده. ذلك ان "اجرة الخطيئة هي الموت" الذي صار موت ابن الانسان.

    هذه الأوجاع التي تحمّلها هي أوجاع الناس جميعا، هي معاصيهم. اخذها في ذاته لكي ينجيهم منها. "دفنا معه بالمعمودية للموت (اي لنصير الى موته) حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة".

    ولكن قبل ان تنال الحياة الأبدية حالتك حالة الإنسان الساقط والمتألم معا. أي انك انت أيضاً مصلوب ولا تنجو من أي صليب وضع على عاتقك إلا بصليبه هو فتقوم منذ الحياة التي أنت فيها الى حياته لتصبح خليقة جديدة. انت لا تخترع الألم. هو يأتي من هذا العالم الذي هو تحت الشرير. يقلقك ويوجعك حتى تتساقط قيامة المسيح عليك بالتوبة وهي رجوعك بكل جوارحك الى وجهه وهذا هو الايمان الكامل تحياه على الرجاء وفي محبة ليسوع يغدق بها عليك فتصير اليه كائنا فصحيا.

    "من أراد ان يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" المسيح لا يلقي عليك صليباً. تؤتاه من ظروف وجودك علي الأرض. وان حملته تصير انساناً سماوياً. لذلك كان عيد ارتفاع الصليب مسيرة لك دائمة. كل يوم مثقل وكل يوم ترفع عنك القيامة أثقالك.

    من هذا المنظار كان هذا العيد ممتداً فيك كل يوم. هل الصبيان الذين يشعلون النار عشية ذلك اليوم يعرفون انهم مدعوون ليحملوا بها النور الى العالم فيصيرون قياميين؟ هل كان ذلك تبياناً لهويتهم؟

    ما عيد ارتفاع الصليب الا قصة حب، أعظم قصة حب في التاريخ لأنها كتبت بالدم. هي زواج المخلص مع الإنسانية جمعاء. حبيبته ليست حصرا طوائف المسيحيين. هي الانسانية المطهرة من كل أطراف الدنيا. هذه هي جسده أي كيانه المعمد بماء أو المعمّد بالروح. الذين يؤمنون بيسوع يؤمنون بالمحبة والناس كلهم احباؤهم لأن الناس جميعا يأتون من المسيح بطريقة أو بأخرى وهو حاملهم بدمه الى أبيه وروحه حتى يكون الله الكل في الكل.

    المطران جورج خضر


    النهار
    السبت 10 أيلول 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    أيام العروس

    بقلم محمود الزيباوي


    انقسم مسيحيو الشرق في القرن الخامس بفعل الخلافات العقائدية، وأدى انقسامهم إلى نشوء كنائس مستقلة في زمن الفتح العربي. دخلت هذه الكنائس في طور تاريخي جديد، وتعرّبت تدريجياً في دار الإسلام حيث تبدّلت أحوالها وتقلّبت بين عهد وعهد.

    في القرن الخامس، شهد الشرق المسيحي نزاعات عقائدية حادة أدّت الى انقسام "الكنيسة الجامعة" كنائس متناحرة. في عام 431، دان مجمع أفسس تعاليم بطريرك إنطاكية نسطور. بعد عشرين سنة، دان مجمع خلقيدونية تعاليم الراهب أوطيخس الخاصة بطبيعة المسيح. عُرف رافضو قرارات مجمع أفسس بالنساطرة، نسبة إلى نسطور، وعُرف رافضو قرارات مجمع خلقيدونية باليعاقبة، نسبة إلى المطران يعقوب البرادعي الذي رسم إكليروسا خاصا بهذه الجماعة في القرن السادس. أمّا أتباع مجمع خلقيدونية، فهم في كتب التراث "الملكائية" أو "الملكانية"، والكلمة في الأصل سريانية، تعني أتباع الملك، أي أمبراطور الروم. كتب البيروني في "الآثار الباقية": "النصارى مفترقون فرقاً، فالأولى منهم الملكائية وهم الروم، والثانية النسطورية منسوبون إلى نسطورس المظفّر لرأيهم، والثالثة اليعقوبية، وهذه معظم فرقهم، وفيما بينهم في الأصول التي هي الأقانيم واللاهوتية والناسوتية والاتحاد اختلافات يتباينون فيها".

    بدء مملكة العرب

    استمرت هذه النزاعات العقائدية في القرن السادس، وتحوّلت الى ما يشبه الحرب الأهلية بين الروم الملكانيين والسريان اليعاقبة. مارس البيزنطيون شتّى أنواع الضغوط على السريان والأقباط لكي يحملوهم على التزام العقيدة الخلقيدونية الرسمية، ما أدّى إلى نتيجة معاكسة. تشبّث كل فريق بإيمانه "القويم"، وعندما جاء الفتح العربي، رأى فيه اليعاقبة انتقاماً إلهياً من بطش الروم. تعكس بعض الكتابات هذا الموقف، وأشهرها شهادة المؤرخ السرياني مار ميخائيل الكبير في حديثه عن ضياع انتصار الفرس على الروم و"بدء مملكة العرب"، وفيها يقول: "إنّ الله إله النقمة الذي وحده له السلطان على كلّ شيء هو الذي يغيّر الملك كما يشاء ويعطيه لمن يشاء ويقيم عليه الضعفاء، إذ رأى خيانة الروم الذين كانوا ينهبون كنائسنا وأديرتنا كلّما اشتدّ ساعدهم في الحكم ويقاضوننا بلا رحمة، جاء من الجنوب بأبناء إسماعيل لكي يكون لنا الخلاص من أيدي الروم بواسطتهم. أمّا الكنائس التي كنّا فقدناها باغتصاب الخلقيدونيين فبقيت بيدهم لأن العرب لدى دخولهم أبقوا لكلّ طائفة ما بحوزتها من الكنائس. وقد فقدنا في هذه الفترة كنيسة الرها الكبرى وكنيسة حرّان غير أن فائدتنا لم تكن يسيرة حيث إنّنا تحرّرنا من خبث الروم ومن شرّهم وبطشهم وحقدهم المرير علينا وتمتّعنا بالطمأنينة".

    اعترف المسلمون الفاتحون بالفرق المسيحية، وثبّتوها في موقعها، فتكرّست استقلالية الكنائس الشرقية. دخلت هذه الكنائس في مرحلة جديدة من تاريخها، وتحددّ موقعها في دار الإسلام تبعاً لوضع قانوني خاص بمن يُعرَفون بـ"أهل الكتاب"، وهو وضع المعاهدين والذمّيين. مع سير الفتوحات، وتحوّل السلطة الحاكمة، تغيّرت شروط هذا الوضع القانوني وتبّدلت. لهذا السبب، يجد الباحث صعوبة بالغة في عرض العلاقات بين النصارى والمسلمين في ظل الأمويين بشكل مختزل، ويجد صعوبة أكبر في الحديث عن هذه العلاقات في ظل العباسيين. من جهة أخرى، يصعب الحديث عن النصارى كفريق واحد نظراً الى انقسامهم كنائس متنافسة، وتشهد كتابات مؤرخيهم لاستمرار هذا التنافس على مدى قرون من الزمن. الأمثلة لا تُحصى، نذكر منها على سبيل المثال واقعة حدثت في منتصف القرن الثامن سجّلها المؤرخ السرياني ديونيسيوس التلمحري. يقول الراوي إن أبناء حلب انقسموا قسمين، "أحدهما مع أسقفهم الذي أخذ بعقيدة جماعة مارون، والأخر مع المكسيموسيين"، أي أتباع مكسيموس المعترف الذي قال بمشيئتين في المسيح، وهم الروم. تصارع الفريقان في شأن الكنيسة الكبرى في المدينة، وتبادلوا الضرب فيها، فأمر الحاكم المسلم بتقسيمها وإقامة حاجز خشبي في وسطها، "وهكذا أصبح في الكنيسة جماعتان، تحاول كل منهما رفع أصواتها للتشويش على الأخرى، وكثيرا ما رموا قرابين بعضهم وكسروا الصلبان". استمرت المشادات بين الفريقين، ودخلت النساء إلى الهيكل، وشاركن في العراك، واستمرت الحرب، فأمر الحاكم برفع الحاجز من وسط الكنيسة وإلزام الجميع الخضوع للأسقف، وعيّن رجالاً مسلمين ليراقبوا المصلّين وبأيديهم سياط، "فخجل الحلبيون وشعروا بالذنب وطردوا الفريقين من الكنيسة، واتحدوا على عقيدة مكسيموس". نقع على أحداث مشابهة في زمن العباسيين حيث تتواصل الوشايات المتبادلة، وأبلغ تعبير عن هذا الواقع تأفّف الخليفة المأمون من صراعات المسيحيين وقوله: "لقد والله أسْأمتموني وأزعجتموني يا معشر النصارى، ولا سيّما أنتم يا معشر اليعاقبة، مع إنّنا نهمل ما يتظلّم به بعضكم من بعض".

    على المستوى الثقافي، لعب النصارى دوراً كبيراً في ميدان العلوم والآداب والفنون كما هو معروف. في مقدمته الشهيرة، أشار إبن خلدون إلى هذا الدور المميّز في "تحضّر" العرب، ورأى أن العلوم العقلية وأصنافها وجدت مكاناً رحباً في دولة اليونان، "ولما انقرض أمر اليونان، وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية، هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها. وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدةً باقيةً في خزائنهم. ثم ملكوا الشام، وكتب هذه العلوم باقيةٌ فيهم. ثم جاء الله بالإسلام، وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له، وابتزّوا الروم ملكهم فيما ابتزّوه للأمم. وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع، حتى إذا تبحبح السلطان والدولة، وأخذوا من الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم، وتفنّنوا في الصنائع والعلوم، تشوّقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية، بما سمعوا من الأساقفة والأقسة المعاهدين بعض ذكر منها، وبما تسمو إليه أفكار الإنسان فيها. فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب أوقليدوس وبعض كتب الطبيعيات. فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها، وازدادوا حرصاً على الظفر بما بقي منها. وجاء المأمون بعد ذلك، وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله، فانبعث لهذه العلوم حرصاً، وأوفد الرسل على ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي".

    الشراكة الصعبة

    جمع ميدان الثقافة والعلوم النصارى والمسلمين، واخترق الجدار الديني الذي يفصل بينهم. خارج هذا الميدان، تولّى النصارى في بعض العهود مناصب رفيعة في الدولة، وتجاوزوا أحيانا الوضع الذمّي الذي يستند بشكل أساسي إلى الآية الحادية والخمسين من سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". هكذا أولى الخليفة المعتضد ثقته إلى كاتبه النصراني عبد الله سليمان، وقال له: "إذا وجدت نصرانياً يصلح لك فاستخدمه فهو آمن من اليهود لأن اليهود يتوقعون عودة الملك إليهم، وآمن من المسلم لأنه بموافقته لك في الدين يروم الاحتيال على منزلك وموضعك، وآمن من المجوس لأن المملكة كانت فيهم". يحفل التاريخ بحالات مشابهة كما يحفل بحالات معاكسة تظهر بأن هذه الشراكة لم تكن متواصلة، كما في عهد المتوكل حيث أُبعد أهل الذمة عن الدواوين وأعمال السلطان، وفُرضت عليهم سلسلة من القرارات الخاصة بلباسهم وزيّهم تبدو بلغة اليوم قرارات تمييزية تعسفية. في ذلك العهد، طلب الوزير الفتح بن خاقان من الجاحظ تأليف "الرد على النصارى"، فاستجاب الكاتب، واستهلّ رسالته بـ"ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من المجوس، وأسلم صدوراً عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، وأصغر كفراً، وأهون عذاباً".

    رأى الجاحظ أن أول هذه الأسباب يكمن في بعد ديار النصارى العرب عن مبعث النبي، وهم "لا يتكلّفون طعناً، ولا يثيرون كيداً، ولا يجمعون على حرب. فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، وليّنها على النصارى. ثم كان من أمر المهاجرين إلى الحبشة، واعتمادهم على تلك الجنبة، ما حبّبهم إلى عوام المسلمين. وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على أعدائهم، وبقدر ما نقص من بغض النصارى زاد في بغض اليهود". "وأمر آخر، وهو من أمتن أسبابهم وأقوى أمورهم، وهو تأويل آية غلطت فيها العامة حتى نازعت الخاصة، وحفظتها النصارى واحتجّت، واستمالت قلوب الرعاع والسفلة، وهو قول الله تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" (المائدة 82). في هذا الصدد، يشير الجاحظ إلى تعددية فرق المسيحيين، ويميّز بين النصارى العرب الذين ساندوا النبي من جهة، والملكانية واليعقوبية من جهة أخرى. "نصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب، معروفة عند أهل النسب، ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة، والأخبار الصحيحة. وقد كانت تتجر إلى الشام، وينفذ رجالها إلى ملوك الروم، ولها رحلة في الشتاء والصيف، في تجارة مرة إلى الحبشة، ومرة قبل الشام، ومرة بيثرب، ومصيفها بالطائف... وقد كانت تهاجر إلى الحبشة، وتأتي باب النجاشي وافدة، ولم تكن تعرف كسرى، ولا تأنس بهم. وقيصر والنجاشي نصرانيان، فكان ذلك أيضاً للنصارى، دون اليهود".

    في الخلاصة، رأى المسلمون "أن في النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين، فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء، ولم يروا ذلك في اليهود". غير أن هذه الحكمة ليست نصرانية، وأهمّ كتبها لأرسطاطاليس، وهو "ليس برومي ولا نصراني"، "وكتاب الطب لجالينوس، ولم يكن رومياً ولا نصرانياً"، "وكذلك كتب ديمقراط وبقراط وأفلاطون، وفلان وفلان. وهؤلاء ناس من أمة قد بادوا وبقيت آثار عقولهم، وهم اليونانيون، ودينهم غير دينهم، وأدبهم غير أدبهم. أولئك علماء، وهؤلاء صنّاع أخذوا كتبهم لقرب الجوار، وتداني الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حوّلوه إلى ملّتهم. إلا ما كان من مشهور كتبهم، ومعروف حكمهم، فإنهم حين لم يقدروا على تغيير أسمائها زعموا أن اليونانيين قبيل من قبائل الروم، ففخروا بأديانهم على اليهود، واستطالوا بها على العرب، وبذخوا بها على الهند، حتى زعموا أن حكماءنا أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على أمثالهم".

    يمضي الجاحظ في هجائه، ويشهد بشكل غير مباشر للمكانة الرفيعة التي بلغوها في الدولة العباسية. عظم النصارى في قلوب العوام لأن "منهم كتّاب السلاطين، وفراشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة. ولا تجد اليهودي إلا صبّاغاً، أو دبّاغاً، أو حجّاماً، أو قصّاباً، أو شعاباً". ثم يضيف معلّقاً: "ونحن لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى، وأن فيهم ملكاً قائماً، وأن ثيابهم أنظف، وأن صناعتهم أحسن". "وقد أمر النبي عليه السلام أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا منهم، وعقدنا لذمتهم، دون إراقة دمهم. وقد حكم الله تعالى عليهم بالذلة والمسكنة". في الختام، يعود الكاتب ويذكّر بانقسام النصارى المذهبي، ويقول: "لو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت عليه، حتى تعرف به حد النصرانية، وخاصة قولهم في الإلهية. وكيف تقدر على ذلك وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في المسيح لقال قولاً، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف أخيه وصنوه. وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية. ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية، كما نعرف جميع الأديان".

    المرحلة الحرجة

    عاش النصارى في ظل العباسيين أياما عجافاً كما عاشوا أياماً وصفوها بـ"أيام العروس". بعد المتوكل، بدأ عصر ضعف الدولة وانحلالها. تضعضعت الخلافة، وتفككت أجزاء المملكة وتحوّلت إمارات وممالك تحكمها سلالات متعددة. في ""تاريخ الزمان"، يقارن العلامة اليعقوبي بن العبري بين وضع المسيحيين في مصر الفاطمية ووضعهم في ظل خلافة القادر، فيقول: "كان المسيحيون يومئذ متولّين شؤون الدولة العربية المصرية دون أن يضطرّهم أحد إلى جحود دينهم، بخلاف ما يجري في عصرنا، إذ إن العرب لا ينيطون الوزارة إلا بمنضمّ إلى الإسلام". في المقابل، يذكر المؤلّف في "تاريخ مختصر الدول" طائفة من العلماء المسيحيين ظهروا في زمن أفول العباسيين، منهم، قسطا بن لوقا، يوسف الساهر، عيسى الطبيب، سنان بن ثابت، ويحيى بن عدي.

    تظهر هذه الأسماء أنّ المسيحية حافظت على حيويّتها في الشام والعراق ومصر على رغم ما ألمّ بها من صعاب، وتعرّبت تدريجياً من دون أن "تعترف" بهذا التعريب. شكّل دخول الفرنجة والمغول تحوّلاً جذرياً في هذه المسيرة التاريخية، وكاد هذا التحّول أن يقضي على هذا الوجود في القرن الرابع عشر. تحتاج هذه الفترة الحرجة إلى قراءة مستقلة، وإلى مراجعة دقيقة تفتح الباب لدراسة حال المسيحيين العرب في الأزمنة الحديثة.

    النهار
    السبت 17 أيلول 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    النصرانيون الأفاضل

    بقلم محمود الزيباوي


    تحتفظ المكتبة الوطنية الفرنسية بمخطوط عربي مسيحي يحوي اثنتي عشرة رسالة دفاعية من تأليف العلامة يحيى بن عدي، وهو عالم سرياني عراقي من القرن العاشر، جمع بين الفلسفة والدين ولُقّب بالمنطقي. أُنجز هذا المخطوط في مصر، في الثاني والعشرين من شهر صفر عام 1064 الموافق لعام 1654 للميلاد، ويتصدّر أولى صفحاته صليب مزخرف على الطريقة القبطية، يقابله على الصفحة الموازية إطار عثماني مزوّق يحمل مقدمة مثيرة.

    يقول نص المقدّمة: "هذا كتاب الشيخ الفاضل أبي بكر يحيى بن عدي البصري عالم من علماء النصارى المسيحيين لأن تلك البلاد البصرة وما معها يسمّون نصارتها بمثل بهذه الأسماء وقوله الشيخ أبي زكريا إنّما تعظيم في حق الرجل كونه من العلماء وأما تسميتهم يحيى وعدي ويونس وعلي وعمار وعيسى ومثل ذلك فليس في ذلك شناعة لأن عادة أهالي تلك البلاد يسمّون مثل هذه الأسماء وهم نصارى مسيحيون علماء أفاضل نيّح الله نفوس الماضين منهم في فردوس النعيم".

    أوحد دهره

    مؤلف الكتاب معروف في كتب التراث، وهو من أعلام العصر العباسي، ذكره ابن النديم في "الفهرست"، وتحدّث عنه المسعودي في "التنبيه والإشراف"، ووصفه أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة". وُلد في تكريت، ولمع نجمه في بغداد، يوم اجتذبت "دار السلام" نخبة العلماء، وكان "كل قلب إليها، وكل حرب عليها"، و"هي أشهر من أن توصف وأحسن من أن تُنعَت وأعلى من أن تُمدَح"، كما وصفها المقدسي البشاري في "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم". في هذه المدينة، جمع "بيت الحكمة" رجالاً من ملل ونحل مختلفة، متخطياً الحدود التي تفرضها القيود الدينية. في "وفيات الأعيان"، كتب ابن خلكان سيرة مختصرة للفارابي تختصر هذا التواصل. كان الفارابي "رجلاً تركياً ولد في بلده ونشأ بها"، "ثم خرج من بلده وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي ولغات عدة غير العربي، فشرع في اللسان العربي فتعلّمه وأتقنه غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة. ولما دخل بغداد، كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير. وكان يقرأ الناس عليه في المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم، وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق. وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق، ويملي على تلامذته شرحه". "قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر. وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته". من بغداد، انتقل أبو نصر "إلى مدينة حران، وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفاً من المنطق أيضاً، ثم أنه قفل راجعاً إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة".

    تتلمذ الفارابي على يد أبي بشر متى بن يونس في بغداد، وأكمل دراسته على يد يوحنا بن حيلان في حران، ثمّ توجّه إلى سوريا، فاستقر في حلب لدى الأمير سيف الدولة، وتوفى في دمشق. في كتاب "الفهرست"، يقول ابن النديم إن رئاسة أصحاب الحكمة انتهت إلى يحيى بن عدي بعد وفاة أبي بشر متى، ويحيى بن عدي من اليعاقبة، "قرأ على أبي بشر متى وعلى أبي نصر الفارابي وعلى جماعة، وكان أوحد دهره". عُرف بكثرة نسخه، ونُقل عنه قوله: "نسخت بخطّي نسختين من التفسير للطبري، وحملتها إلى ملوك الاطراف. وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يحصى، ولعهدي بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة وأقل". لمع في الحكمة والفلسفة واللاهوت، ونقل من اليونانية والسريانية العديد من كتب القدماء، واشتهر في هذا الميدان كما يُستدلّ من قول المسعودي فيه: "لا أعلم في هذا الوقت أحداً يرجع إليه في ذلك إلا رجلاً واحداً من النصارى بمدينة السلام يعرف بأبي زكريا بن عدي". ترأس أبو زكريا المدرسة الفلسفية في بغداد، وتتلمذ على يده تلامذة من مختلف الملل والنحل، وبعد وفاته ترأس جماعة الفلاسفة أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني المنطقي، صاحب "صوان الحكمة".

    أسماء إسلامية

    حمل هذا العالم المسيحي اسم "يحيى"، وهو الإسم القرآني ليوحنا المعمدان، وهذه التسمية تبدو غريبة اليوم، تماما كما بدت غريبة بالنسبة الى الناسخ القبطي في القرن السابع عشر، وقد أوضح هذا الناسخ أن أهالي العراق "كانوا يسمّون مثل هذه الأسماء وهم نصارى مسيحيون علماء أفاضل". وضع ابن النديم في "الفهرست" قائمة بأسماء النقلة من اليونانية إلى اللسان العربي، والغالبية العظمى منها تعود الى مسيحيين من السريان. بعد ابن النديم، قدم صاعد الأندلسي عرضاً غنياً لهذه الحركة في "طبقات الأمم"، وتبعه جمال الدين القفطي في "أخبار العلماء بأخبار الحكماء". خصّ ابن أبي الصبيعة الباب الثامن من كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لـ"طبقات الأطباء السريانيين"، وخصّ الباب التاسع لـ"طبقات الأطباء النقلة"، والباب العاشر لـ"طبقات الأطباء العراقيين وأطباء الجزيرة وديار بكر". تشهد هذه الفصول لشيوع الأسماء "الإسلامية" في الأوساط المسيحية السريانية، والأمثلة عديدة بحيث يصعب احصاؤها بشكل كامل.

    حمل بعض النصارى السريان اسمي يحيى وعيسى، كما حملوا أسماء علي والحسن والحسين. من الذين حملوا اسم عيسى، يذكر ابن أبي أصيبعة في موسوعته عيسى بن حكم الدمشقي "المشهور بمسيح"؛ عيسى بن ماسه الطبيب، وهو "من الأطباء الفضلاء في وقته، وكان أحد المتميزين من أرباب هذه الصناعة"؛ عيسى بن علي، وهو من أجلّ تلاميذ حنين بن إسحق، "كان يخدم أحمد بن المتوكل، وهو المعتمد على اللّه، وكان طبيبه قديماً ولما ولّي الخلافة أحسن إليه وشرّفه"؛ عيسى بن يحيى بن إبرهيم، و"كان أيضاً من تلامذة حنين بن إسحق، واشتغل عليه بصناعة الطب"؛ عيسى طبيب الخليفة القاهر بالله الذي كان يعتمد عليه "ويركن إليه، ويفضي إليه بأسراره"؛ وعيسى بن صهار بخت، "من أهل جندي سابور".

    من الذين حملوا اسم يحيى، يذكر صاحب "طبقات الأطباء" يحيى بن أبي حكيم المعروف بالحلاجي، وهو طبيب الخليفة المعتضد؛ أبو يحيى المروزي، وهو طبيب مشهور في بغداد، تميّز في الحكمة، "وكان فاضلاً، ولكنه كان سريانياً، وجميع ما له من الكتب في المنطق وغيره بالسريانية"؛ أبو الفرج يحيى بن سعيد بن يحيى، وهو في زمنه "علم في العلم" و"مقدم في الديانة والمروءة"؛ أبو نصر يحيى بن جرير التكريتي، شقيق الطبيب الكبير الفضل بن جرير التكريتي، ونظيره "في العلم والفضل والتميز في صناعة الطب"؛ يحيى بن البطريق، وهو من المقرّبين إلى الوزير الحسن بن سهل في عصر الخليفة المأمون؛ يحيى بن عيسى بن علي بن جزلة، "وكان في أيام المقتدي بأمر اللّه، وقد جعل باسمه كثيراً من الكتب التي صنّفها، وكان من المشهورين في علم الطب وعمله"؛ أبو الفرج يحيى بن التلميذ، و"كان متعيناً في العلوم الحكمية، متقناً للصناعة الطبية، متحلياً بالأدب بالغاً فيه أعلى الرتب، وله تلاميذ عدة".

    من الذين حملوا أسماء علي والحسن والحسين، نذكر علي بن عيسى، وقيل عيسى بن علي الكحال، وقد اشتهر في صناعة الكحل وتميّز فيها، "وبكلامه يُقتدى في أمراض العين ومداواتها، وكتابه المشهور بتذكرة الكحالين هو الذي لا بد لكل من يعاني صناعة الكحل أن يحفظه؛ أبو علي بن زرعة، و"هو أبو علي عيسى بن إسحق بن زرعة بن مرقس بن زرعة بن يوحنا، أحد المتقدمين في علم المنطق، وعلوم الفلسفة، والنقلة المجودين"، وُلد في بغداد ونشأ فيها، "وكان كثير الصحبة والملازمة ليحيى بن عدي"؛ أبو الحسين بن كشكرايا، "وكان في خدمة الأمير سيف الدولة بن حمدان، ولما بنى عضد الدولة البيمارستان المنسوب إليه ببغداد، استخدمه فيه وزاد حاله، وكان له أخ راهب"؛ أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون بن سعدون، المشهور بابن بطلان، منافس الطبيب المصري علي بن رضوان؛ أبو الحسين عبد اللّه بن عيسى بن بختويه، وهو طبيب وخطيب "من أهل واسط، لديه معرفة، وكلامه في صناعة الطب كلام مطلع على تصانيف القدماء"؛ أبو الحسن سعيد بن هبة الّله بن الحسين، وهو "من الأطباء المتميزين في صناعة الطب، وكان أيضاً فاضلاً في العلوم الحكمية مشتهراً بها، وكان في أيام المقتدي بأمر اللّه، وخدمه بصناعة الطب وخدم أيضاً ولده المستظهر باللّه"؛ أبو الحسين صاعد بن هبة اللّه بن المؤمل، "وأصله من الحظيرة ونزل إلى بغداد، وكان اسمه أيضاً ماري، خدم بالدار العزيزة الناصرية الإمامية، وتقرب قرباً كثيرة وكسب بخدمته وصحبته الأموال، وكانت له الحرمة الوافرة والجاه العظيم؛ أبو علي الحسن بن علي بن اثردي، وهو "فاضل في صناعة الطب جيد الأعمال حسن المعالجة، وكان من المشكورين ببغداد"؛ علي بن هبة اللّه بن اثردى، هو أبو الحسن علي بن هبة اللّه بن علي بن اثردى، من أهل بغداد؛ وجمال الدين أبو الحسن علي بن أبي الغنائم سعيد بن هبة اللّه بن علي بن اثردى.

    الوثيقة العمرية

    لا نقع على أسماء مشابهة في الوسط القبطي على رغم شيوع الأسماء العربية "الحيادية"، كما أن هذه الأسماء الإسلامية الطابع نادرة في أوساط المسيحيين الملكيين، مثل يحيى بن سعيد بن يحيى الانطاكي، قريب المؤرخ سعيد بن البطريك مؤلف "نظم الجوهر"، وله تذييل لهذا الكتاب، وتفسير لـ"مسائل حنين بن إسحق الطبية". في المقابل، يشهد شيوع هذه الأسماء في العصر العباسي الذهبي لتخطّي بعض شروط ما يُعرَف بـ"الوثيقة العمرية" التي تلزم النصارى أن "لا يتسمّوا بأسماء المسلمين، ولا يكتنوا بكناهم، ولا يتلقّبوا بألقابهم"، "ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية".



    النهار
    السبت 24 أيلول 2011
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    الموارنة مَن هم؟

    بقلم محمود الزيباوي


    تحت عنوان "الموارنة، صورة تاريخية"، تعيد "دار نلسن" نشر دراسة مختصرة استقاها كمال الصليبي من محاضرتين ألقاهما عام 1969. صدرت هذه الدراسة أولاً في "ملف النهار" عام 1970، وقام المؤرخ بمراجعتها وتدقيقها قبل إعادة نشرها في طبعتها الجديدة.

    يختزل كمال الصليبي في أقل من مئة صفحة تاريخاً يمتد على مدى أربعة عشر قرناً من الزمن، ويروي بأسلوب سلس سيرة المارونية منذ نشوئها إلى مرحلة إعلان الجمهورية اللبنانية، متوجّهاً في الدرجة الأولى إلى "الجمهور العريض". يشكل هذا الكتاب "الصغير" خلاصة لدراسات أكاديمية مطوّلة أنجزها المؤرخ الراحل في هذا الحقل، ويُمكن اعتماده كمدخل علمي لقراءة تاريخ شائك تحوط به الكثير من المقولات التي تحتاج إلى المراجعة.

    يأتي الباب الأول من البحث تحت عنوان "الطبيعة الواحدة والطبيعتان"، وفيه يختزل الكاتب السجالات اللاهوتية الشائكة التي قسّمت الكنيسة الواحدة كنائس متناحرة بين القرنين الخامس والسابع. قال البعض بطبيعة واحدة للمسيح، وقال البعض الآخر بطبيعتين، وبات لكل فريق كنيسة تنادي بإيمانها القويم. جرى هذا الانقسام في زمن الحروب المتصاعدة بين الروم والفرس، وكان شوكة في خصر الأمبراطورية البيزنطية. سعى الأمبراطور هرقل إلى حل توفيقي يجمع الفريقين، ونادى بتفسير جديد يجعل للمسيح طبيعتين يصدر عنهما فعل واحد، غير أن الفريقين رفضا هذا التفسير، و"كان من جملة الذين آثروا التمسّك بالدقة اللاهوتية في أحرج الأوقات" بطريرك القدس صفرونيوس الذي استمرّ في معاندة هرقل إلى أن تغلّب العرب على عسكر الروم في اليرموك عام 636، واضطر إلى تسليم القدس بنفسه إلى الفاتحين إثر هذه المعركة، "أمّا أجداد الموارنة، فكانوا من أنصار هرقل الذين اعترفوا بأحكام الضرورة، فآثروا الدفاع عن كيان المسيحية والسعي لإعادة وحدة الكنيسة على الدقة اللاهوتية".

    الماضي المجهول

    لا نعرف الكثير عن الموارنة الأوائل، والثابت تاريخياً أن هذه الجماعة نشأت "كطائفة أصلاً في وادي العاصي، في بلاد حمص وحماه"، وأن نسبتها تعود إلى قديس من القرن الرابع ذاع صيته في هذه الأنحاء، وهو مار مارون. في القرن العاشر، تحدّث أبو الحسن المسعودي عن هذه الطائفة في "التنبيه والإشراف"، وقال إن مؤسسها "رجل من أهل مدينة حماة من أعمال حمص يُعرف بمارون"، و"إليه تنسب المارونية من النصارى"، "وأمرهم مشهور بالشام وغيرها، أكثرهم بجبل لبنان وسنير وحمص وأعمالها، كحماة وشيزر ومعرة النعمان". ظهر هذا الرجل في عهد ملك الروم موريق، أي موريس الأول، أمبراطور بيزنطيا من 582 إلى 602، "وكان له دير عظيم يُعرف به شرق حماة وشيزر، ذو بنيان عظيم، حوله أكثر من ثلاثمئة صومعة فيها الرهبان، وكان فيه من آلات الذهب والفضة والجوهر شيء عظيم، فخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الأعراب وحيف السلطان، وهو يقرب من نهر الأرنط (أي العاصي)، نهر حمص وأنطاكية".

    في هذه الشهادة الاستثنائية، يخبرنا المسعودي أن لأحد الموارنة، "ويُعرف بقيس الماروني، كتاباً حسناً في التاريخ وابتداء الخليقة والأنبياء والكتب والمدن والأمم وملوك الروم وغيرهم وأخبارهم، انتهى بتصنيفه إلى خلافة المكتفي". يؤكد العالم العباسي أنه لم ير "للمارونية في هذا المعنى كتاباً مؤلفاً غيره"، "وقد ألّف جماعة من الملكية والنسطورية واليعقوبية كتباً كثيرة ممن سلف وخلف منهم". في الخلاصة، لم يحفظ لنا التاريخ كتاب قيس الماروني هذا، وما نعرفه عن تاريخ الموارنة مصدره مؤلفات السريان والروم أولاً، ثم الفرنجة في مرحلة الصليبيين. يكمل كمال الصليبي روايته معتمداً على هذه المصادر."كان معظم الموارنة على الأرجح، من الفلاحين البسطاء، لم يعرهم المؤرخون المعاصرون اهتماماً، فنُسي أمرهم". أصبح الموارنة طائفة مستقلة لها كيانها الخاص بعد ظهور الإسلام على الأرجح، واستمروا في قبول مذهب المشيئة الواحدة، "على الأقل في شكله البدائي المتشدد على الفعل الواحد، دون تحديد للمشيئة، ظناً منهم أنه المذهب الصحيح المقبول به من القسطنطينية ورومية". في عام 680، أقرّ المجمع السادس تحريم القول بالمشيئة الواحدة، وأكّد القول بالمشيئتين، بينما "استمرّ القول بالمشيئة الواحدة بين الشعب الماروني قروناً طويلة".

    انتشر الموارنة في وادي العاصي حتى القرن العاشر. في تلك الفترة، تواصلت الحملات البيزنطية لـ"استرجاع" سوريا، ونجحت في بسط السلطة على أجزاء كبيرة منها لمدة قرن كامل. "في هذا الإثناء، اختفى الموارنة من وادي العاصي أو كادوا، ولم يبق لهم موطن خارج جبل لبنان إلاّ حلب التي لم يوفّق الروم في أخذها". "أصبح الجزء الشمالي من جبل لبنان الموطن الأساسي للموارنة ومركز كنيستهم الدائم ابتداء بالقرن العاشر"، وقد أشار إلى ذلك الزجّال المؤرخ جبرائيل ابن القلاعي في القرن السادس عشر حيث ختم زجليّته "مديحة على جبل لبنان" بالقول إن "عهد مارون في جبل لبنان في أيامه كان ستة قرون".

    كالوردة بين الأشواك

    دخل العالم الإسلامي في سلسلة من الحروب والفتن المتواصلة في القرون الوسطى. طرد الخلفاء الفاطميون في مصر الروم من بلاد الشام وسيطروا عليها، بعدها دخل السلاجقة العراق ثم أخرجوا الفاطميين من بلاد الشام. على الصعيد المسيحي، تصدّعت العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية، ومال الموارنة إلى تأييد روما، ظناً منهم "أنهم بتمسكهم بمذهب المشيئة الواحدة، إنما يمثلون وجهة نظر رومية التي ترفضها القسطنطينية". انتصر السلاجقة على الروم في الأناضول، و"اضطر أباطرة القسطنطينية إلى طلب النجدة من الغرب، فلبّت كنيسة رومية النداء، ودعت الملوك وأمراء الفرنجة إلى تنظيم حملة عسكرية لنجدة ملوك الروم واستعادة الأماكن المقدسة". انطلقت الحملات الصليبية، ودخل الفرنجة بلاد الشام، فسيطروا على إنطاكية والرها وتوجهوا نحو القدس، ووصلوا إلى عرقا، قرب طرابلس، عام 1099، "فنزل الموارنة لاستقبالهم هناك يوم عيد الفصح، في 10 نيسان، وهكذا تمّ اللقاء الأول بين الموارنة والفرنجة، فتصادق الفريقان واستمرّت علاقات الود بينهما طول مدة وجود الفرنجة في بلاد المشرق".

    أسّس الفرنجة في طرابلس كونتية "امتدت تخومها من فتوح كسروان جنوباً إلى بلاد اللاذقية شمالاً، ومن مشارف وادي العاصي شرقاً إلى البحر غرباً، فشملت معظم المناطق المارونية من جبل لبنان". تقرّب الموارنة من كنيسة روما تدريجياً، وفي عام 1180، اجتمع رؤساؤهم، ببطريرك انطاكية اللاتيني أمريكوس، وأعلنوا قبولهم بإيمان الكنيسة الرومانية ودخولهم في طاعتها. لم تكن هذه الشراكة كاملة، إذ ظهر بين الموارنة من تمرد على الفرنجة، "فاضطر هؤلاء إلى تأديبهم بأقسى الطرق"، كما روى أشهر مؤرخي الفرنجة غليوم الصوري. انقسم الموارنة بين مؤيد للاتحاد ومعارض له، وأدى هذا الانقسام إلى اندلاع اشتباكات دامية بين الفريقين، فأوفد البابا اينوشتيوس الثالث عام 1203 قاصداً رسولياً للتوفيق بين الطرفين. في تلك الفترة الحرجة، حضر البطريرك الماروني أرميا العمشيتي إلى روما، وعاد منها حاملاً بركة خاصة من البابا ورسالة منه وقِّعت عام 1216، وتُعتبر هذه الرسالة أقدم وثيقة معروفة تتعلّق بتاريخ الطائفة المارونية ككنيسة قائمة في ذاتها.

    توفّى أرميا العمشيتي عام 1230، واندلع الخلاف بين صفوف الموارنة إثر رحيله. كان أهالي جبة المنيطرة من أشد الموارنة معارضة للاتحاد مع روما، فاضطر البطاركة إلى هجرة مركزهم في دير سيدة يانوح، وتنقلوا من مكان إلى مكان حتى عام 1278. اشتدت الحركة المعارضة للاتحاد، بينما تفتتت سلطة الفرنجة في المشرق، وباتت آخر معاقلها كونتية طرابلس وبعض المدن الساحلية من مملكة القدس. عام 1268، أغار المماليك على القليعات، وخربوا الحدث وجوارها في جبة بشري، وشرعوا في التخطيط للاستيلاء على طرابلس. بلغ الانقسام الماروني ذروته في تلك الأيام، وبات للطائفة بطريرك مناصر لروما مركزه في حالات، وهو أرميا الدلمصاوي، وبطريرك آخر مناوئ لهذه الوحدة مركزه في الحدث، وهو لوقا البنهراني. أغار التركمان بأمر من المماليك على جبل لبنان عام 1283، فاجتاحوا إهدن، ثم بلغوا الحدث، وأخذوا لوقا البنهراني أسيراً. سجّل ابن عبد الظاهر كاتب سيرة السلطان قلاوون هذه الواقعة في "تشريف الأيّام والعصور بسيرة الملك المنصور"، وقال: "اتّفق أنّ في بلاد طرابلس بطركاً عتا وتجبّر واستطال وتكبّر وأخاف صاحب طرابلس وجميع الفرنجية، واستمر أمره حتى خافه كل مجاور. وتحصّن في الحدث وشمخ بأنفه، وما قدر أحد على التحيّل عليه من بين يديه ولا من خلفه. ولولا خوفه من سطوة مولانا السلطان لخرب تلك البلاد، وفعل ذلك أو كاد. فاتفق أن النواب ترصدوه مراراً فما وجدوه. فقصده التركمان في مكانه وتحيّلوا عليه حتى أمسكوه وأحضروه أسيراً وحسيراً. وكان من دعاة الكفر وطواغيهم، واستراح المسلمون منه وأمنوا شرّه. وكان إمساكه فتوحاً عظيماً، أعظم من افتتاح حصن أو قلعة، وكفى الله مكره".

    دخل المماليك طرابلس في نيسان 1289، وسيطروا في العام التالي تباعاً على جبيل وبيروت وصيدا وصور، ثم حاصروا عكا وأخرجوا منها الصليبيين، فانتهى حكم الفرنجة في بلاد الشام، وانحصر في جزيرة قبرص. قسّم المماليك بلاد الشام الجدد ست ممالك، هي دمشق، حلب، طرابلس، حماه، صفد، والكرك، فأصبحت المناطق المارونية من جبل لبنان تابعة لمملكة طرابلس. صبّ أسياد بلاد الشام الجدد غضبهم على النصيرية والإسماعيلية والشيعة الإثني عشرية في الضنية وكسروان، وخربوا كسروان لهذا الغرض عام 1305، بينما كان الموارنة في المناطق الشمالية يدفعون الجزية لنواب طرابلس. أغار فرنجة قبرص على الإسكندرية في عام 1365، ودفع النصارى المحليون ثمن هذه الغارة. قبض المماليك على البطريرك الماروني جبرائيل الحجولاوي، وساروا به إلى طرابلس، وأحرقوه عند جامع طيلان، خارج المدينة، في أول نيسان 1367. انكسرت شوكة البطريركية المارونية، وبات خلفاء جبرائيل الحجولاوي تحت رحمة دولة المماليك في طرابلس، وأصبح لمقدّمي القرى الكلمة النافذة في الطائفة، ومنهم مقدّم بشري يعقوب بن أيوب، وقد تولّى المقدّمية من عام 1382 إلى عام 1444، وخلفه فيها أولاده وأحفاده.

    ثبتت الكنيسة المارونية وحدها من بين البيع الشرقية في طاعة روما، فكافأها البابا أوجينيوس، واعترف ببطريركها بطريركاً على الكرسي الانطاكي، "وكان أسلافه يثبتون البطاركة الموارنة في رئاسة طائفتهم ولا يذكرون إسما لكرسيهم". خشي المماليك من تنامي سلطة هذه البطريركية، وخربوا مركزها في ميفوق، فانتقل البطريرك إلى دير سيدة قنوبين في جبة بشري. تقوّت الكنيسة المارونية بعناية روما، واستعاد بطاركتها بفضل هذه العناية سلطتهم الأولى، ونجحوا في تحجيم سلطة المقدّمين. عام 1515، وهي السنة الأخيرة من حكم المماليك لبلاد الشام، كتب البابا لاوون العاشر إلى البطريرك الماروني شمعون الحدثي ممتدحاً: "نشكر القدر الإلهي إذا شاء، بحلمه العظيم، أن يبقي عبيده المؤمنين، من بين الكنائس الشرقية، مصابين في وسط الكفر والبدع كالوردة بين الأشواك".

    شراكة جديدة

    انتقل الحكم إلى العثمانيين، وأضحت بلاد الشام ثلاث ولايات، دمشق وحلب وطرابلس، وبات الموارنة في جبة بشري والبترون وجبيل والمنيطرة تابعين لولاة طرابلس، فشرعوا بالنزوح إلى كسروان والمتن والجرد والغرب والشوف، وكانت هذه المناطق تابعة لولاية دمشق. التزم الأمراء المعنيون الشوف، والتزم أجداد الارسلانيين الغرب والجرد والمتن، وكان ملتزم كسروان الأمراء العسافيون التركمان السنيون. أحاط آل عساف أنفسهم بمدبرين وأعوان من الموارنة، وأبرزهم الشيخ حبيش الذي استقرّ في غزير. شكّل آل حبيش زعامة من نوع جديد، وتحولوا وكلاء للإمارة العسافية تبعاً لعرف إقطاعي بعيد عن الشرع الإسلامي، مما أثار ممثّلي الدولة العثمانية في طرابلس ودمشق، فسعوا إلى تقويض الإمارة العسافية. حوّل الموارنة أنظارهم في اتجاه الشوف، وسعوا إلى الارتباط بالأمراء المعنيين. توطّدت هذه الشراكة في عهد فخر الدين المعني الذي أحاط نفسه بمستشارين ومدبرين من الموارنة، أسوة بالعسافيين، و"أمن الموارنة كنيسة وشعباً للأمير الدرزي وأصبحوا أنصاراً له حيثما كانوا"، بينما انقسم الدروز في هذا الشأن، فناصر القيسيون فخر الدين، وعلى رأسهم آل بحتر التنوخيون، وخاصمه اليمنيون، وعلى رأسهم أمراء الشويفات. شجّع فخر الدين الموارنة على النزوح إلى المناطق الدرزية، وازدهرت في عهده تجارة الحرير، وسطع نجم المسيحيين كما شهد اسطفان الدويهي: "وفي دولة فخر الدين ارتفع رأس النصارى، عمّروا الكنائس وركبوا الخيل بسروج ولفّوا شاشات وكرور، لبسوا طوامين وزنانير مستقطة، وحملوا القاص والبندق المجوهرة. وقدموا المرسلين من بلاد الفرنج وأخذوا السكنة في جبل لبنان. لكون غالب عسكره كانوا نصارى، وكواخيه وخدامه موارنة".

    بسط فخر الدين سلطته على الجزء الأكبر من برّ بلاد الشام، وجعل آل الخازن وكلاء على الجبة وعلى بلاد جبيل، فأضحوا الأسرة الأولى بين الموارنة. أثار تمدّد سلطة فخر الدين مناوئيه، وانتهى هذا العهد باقتياد الأمير إلى الآستانة حيث أُعدم في عام 1635. استعاد ولاة طرابلس المناطق الشمالية من جبل لبنان، واستمرّ الموارنة في النزوح من هذه المناطق إلى كسروان والمناطق الدرزية. "جدّ آل الخازن في شراء القرى والمزارع في الجرود من الشيعة، حتى سيطروا على المنطقة، ولم يبق للشيعة فيها بعد القرن الثامن عشر إلا قرى قليلة". في المقابل، وفد إلى المناطق الدرزية عدد ضخم من الموارنة، "حتى فاقوا الدروز عدداً في معظم هذه المناطق"، وتزامن هذا التحول مع انقراض السلالة المعنية في البلاد عام 1697، وانتقال السلطة إلى الأمير بشير الشهابي، وهو من الأمراء الشهابيين السنيين في وادي التيم، وقد مات مسموماً عام 1706، فخلفه الأمير حيدر، وفي عهده برزت مشيخة آل الخازن في كسروان، ومشيخة آل حبيش في قاطع غزير، وأصبحت الإمارة الشهابية "إقطاعية بين المشايخ الدروز والموارنة يترأسها الأمير الشهابي السني كملتزم للبلاد". استمر الشهابيون في الحكم، فخلف الأمير ملحم والده حيدر الذي تخلى عن الحكم لمصلحة أخويه منصور وأحمد، وكان له أخ يدعى علي اعتنق المسيحية، فحذا أبناؤه حذوه وتنصروا، وتبعهم غيرهم من آل شهاب، وكذلك فعل أنسباؤهم من آل أبي اللمع الدروز، أمراء المتن. وتسلم الشهابيون المتنصّرون الحكم عام 1770، فباتت الإمارة الشهابية إمارة مارونية.
    نعم الموارنة بامتيازات كبيرة في تلك الحقبة من تاريخهم، وأصبح لهم، "كطائفة مسيحية، مكانة سياسية فريدة من نوعها في البلاد العثمانية، وذلك بالإضافة إلى امتيازاتهم الكنسية"، مما أقلق خصومهم الدروز. تضعضعت السلطة العثمانية، واستغلت دولة محمد علي باشا المصرية الوضع، فدخلت بلاد الشام عام 1834 بالتعاون مع الأمير بشير، غير أنها اضطرت إلى الخروج منها بعد سنوات، وتبعت هذا الخروج اصطدامات دامية بين الدروز والموارنة. وُضع جبل لبنان تحت الحكم العثماني المباشر، ثم جرى تقسيم جبل لبنان قائمقاميتين، "واحدة مسيحية تضمّ مناطق بشرّي والكورة والبترون وجبيل وكسروان والمتن، والثانية درزية تضم مناطق الجرد والغرب والشوف". نقم الموارنة على هذا الترتيب، وتأزمت العلاقة بينهم وبين الدروز، مما أدى إلى حرب 1860، وفيها "باغت الدروز المسيحيين المقيمين في مناطقهم، فانقضّوا عليهم بالتعاون مع الحاميات العثمانية وأهلكوا منهم أعدادا كبيرة".

    الحلم اللبناني

    أفسحت هذه الكارثة المجال أمام فرنسا للتدخل، وأدت المحادثات إلى قيام كيان ممتاز للبنان يرأسه "متصرف مسيحي غير لبناني يعيّنه السلطان من بين رعاياه الكاثوليكيين". هكذا "نشأت الفكرة اللبنانية وترعرعت في كنف عصبية الموارنة. فغدت الكنيسة المارونية القوام الأساسي لهذه الفكرة والمؤسسة المجسّدة لها في غياب دولة لبنانية تقوم بهذه المهمة". مع دخولهم الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان، ألغى العثمانيون المتصرفية، كما ألغوا امتيازات الكنيسة المارونية، غير أن هذا الأمر لم يستمرّ طويلاً. خسرت ألمانيا الحرب، وخسرت معها الدولة العثمانية. حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول 1920 حيث تمّ "إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي"، وتم بعدها إقرار الدستور، "فقامت هذه الجمهورية تجسّد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية". استقلت الدولة الناشئة عن فرنسا عام 1943، و"تسلّم الموارنة دفة الحكم في الجمهورية التي كان لهم الدور الأساسي في خلقها". "والجمهورية اللبنانية التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم تستمرّ، عن وعي، في حمل الرسالة التي حملها الموارنة في الماضي تلقائيا، وقد تأتي ظروف بعد تسمح للبنانيين بأن ينقلوا هذه الرسالة إلى غيرهم".

    ختم كمال الصليبي دراسته منذ أربعة عقود بهذه الكلمات، ولا يملك القارئ إلا أن يسأل نفسه اليوم: ماذا فعل الموارنة بهذه الرسالة خلال هذه العقود، وماذا يبقى من هذه الجمهورية "التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ونزعاتهم"؟

    النهار
    السبت 08 تشرين الأول 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    مسيحية والمؤسسات

    المطران جورج خضر

    عاشت الكنيسة في بلدان فقيرة بلا مؤسسة واحدة، وفق ما قاله اللاهوتي الروسي العظيم سرجيوس بولغاكوف: "الكنيسة ليست مؤسسة، هي حياة في الروح القدس". وكأنه أراد أن يقول ان المؤسسات التربوية وغيرها لا تنشئ مؤمنين بالضرورة. كبار الملحدين في الغرب وربما هنا درسوا عند رهبان متخصصين بالتدريس. يقولون لي: هناك جو ايماني بالمبدأ وهذا من شأنه ان يشدك الى الايمان. هذا صحيح ولكن ثمة مدارس علمانية تشدك الى الايمان ايضا وقد قرأت حديثا ان معظم الكهنة الموارنة في احدى الأبرشيات او في كلها متخرّجون من المدارس الرسمية الخالية من التعليم الديني.

    خوفي من المؤسسات ان تحس الكنيسة انها قوية بها في حين انها قوية بالقداسة. في القرن الثالث في الأردن كانت الكنيسة تسمى كنيسة الخيام اي ان الجماعة لم تكن ذات بيوت وتتبدى كسكان الخيام، والأسقف نفسه كان ذا خيمة والقداس يقام في خيمة وليس من دليل على ان من يرتادون الكاتدرائيات الكبرى أعظم تقوى من البدو. كان الفيلسوف الدانماركي كيركيغورد يقول: مهما علا سور الدير فللخطيئة سبيلها اليه. قد يساعدك الحجر على الحياة الروحية ولكن ليس هذا مؤكدا. قد يؤطرك الرهبان والقسس والمطارنة وتبقى ضمن الإطار وتظل قليل الإحساس الروحي. الحياة الروحية ليست شركة تأمين. هي تنسكب عليك من فوق او لا تنسكب. لك ان تكون لها ولك ان تكون قالب ثلج.

    المسألة هي أين تضع الأولية ومن اين تنتظر الشفاء. انت تحيا مع الرب وبه او فيه وله او ليس لك شيء من المؤسسات. انا أعرف التماعا روحيا عند ناس رعاهم كهنة دراستهم كانت ضعيفة واعرف فتورا روحيا عند من كان مرشدهم عظيما. عندي كنيسة فقيرة جدا تحنّ على اعضائها الفقراء."يا عبد كل شيء قلب". ونحن الذين علينا مسحة من القدوس، ما جئنا من كنائس غنية ويعطينا الرب حسب سؤال قلوبنا.
    ~~~

    الأشياء كلها تجري وكأن الكنيسة لا تعتقد ان القداسة بحد نفسها فاعلة وانها في حاجة الى ما يسندها. كل شيء يدلّ ان الكنيسة تريد لغة العالم وأساليب العالم وانها بديلة الدولة واذا كانت هذه ضعيفة او غائبة وبدل ان تقيم الدولة في نظامها وشرعيتها تجعل نفسها دولة او لابسة لباس الدولة.

    ما لا يفهمه القيّمون على الكنيسة ان المسيح جاء ليغيّر العالم ولغة العالم. عندما كان منتصبا امام بيلاطس قال لهذا: "لم يكن لك عليّ من سلطان لو لم يُعطَ لك من فوق". السماء هي التي تسمح لك بأن تقتلني وان بدوت اني خاضع لحكمك ففي الحقيقة انا خاضع للآب. ان لم نقل نحن قول المسيح نكون قائلين قول الدنيا ونكون مستعيرين لوسائلها ومستقوين بما تستقوي هي به ومستضعفين كلامها الأصلي وهو وحده الأصيل والا تكون تعلمنت بمعنى انها استعارت لغة العالم وآمنت بفاعليته ولم تؤمن بفاعليتها وتكون قد رمت بلغتها لتظهر انها ذكية وأفعل من مسيحها.

    لقد جاء يسوع الناصري ليغيّر لغة التاريخ بعد ان غيّر التاريخ، لأنه يؤمن باللغة التي هو نحتها وبطل ان يعتمد لسان هذا العالم. السؤال الوحيد الذي نحن أمامه هو هذا: هل جاءنا المسيح بلغة جديدة هي تجدد الأذن التي تسمعها والقلب الذي تنسكب فيه ام جاء يسوع بلغة خشبيّة؟ هل من قرأ الانجيل ليفهم ان ألفاظه ومعانيه ليست من التي رصفت ككل رصف وان موسيقاها الداخلية غير موسيقى الطرب الذي يحرك شهواتنا؟

    اذا كان المسيح قائما فيك وعاملا بك وسائرا اليك فأنت مبدع. ولست اتكلم على شاعرية كلامك ولكن على شاعرية كيانك الذي يهزّك ويهزّ العالم. عند ذاك، لك ان تصلي مع البداة وتتبع الأسقف البدوي لتأخذ الجسد والكأس وتستغني عن كل جمال مصنوع ألصق بك او وضعوه فيك. انت تخشى عندئذ، ان تكون قد خنت واستعرت غير بهاء يسوع الناصري وغير كلامه وغير فرادته.

    هو تجسد في لحمك وعظامك وبلغة مباشرة تبنى كيانك لكي يعيرك كيانه ولو للحظات لتتجلى. انت انسان جديد ان لمست هدب ثوبه وانت حي ولا يرعاك شيء غير هذا اللمس.
    ~~~

    ينبغي ان تقرر العراء الكامل من دنياك ليفتح الله لك باب سمائه ويعطيك حلّة النور من داخل. الذين لم تتغيّر لغتهم يظلون يرونك عاريا ولا يسمعون لغتك الجديدة وتبقى أسطع منهم جميعا لأنك تكون تسربلت سربال النور وهم لابسون خرقا عتيقة لا تستر منهم شيئا لأنها تتمزق فترة بعد فترة.

    لا تغيّر لغة الرب بكلام مسطح. ان فعلت يأتي يوم تنسى انت نفسك لغة الخلاص وتظن انك تشدد كنيسة المسيح بما استعرته لها من دنياك. اذا خسرت موهبة التمييز تكون قد خسرت كل شيء. ميّز واستقل عن كلمات هذا العالم وهيكلياته لتجعلك السماء بناء جديدا يغري العقل والقلب معا ويرى الناس انك ايقونة المسيح. الايقونة مصنوعة بإلهام من فوق. الزينة شيء آخر. المهم الا تؤمن بالزينة ولا ما يأتي به خيال الناس.

    المسيحية جاءت بالروح القدس. خذه الى كيانك الداخلي فيأتي كيانك من فوق.

    النهار
    السبت 12 تشرين الثاني 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    [FIELDSET="Nestorius"]
    Nestorius (in Greek: Νεστόριος; c. 386 – c. 451) was Archbishop of Constantinople from 10 April 428 to 22 June 431. Drawing on his studies at the School of Antioch, his teachings, which included a rejection of the long-used title of Theotokos ("Mother of God") for the Virgin Mary, brought him into conflict with other prominent churchmen of the time, most notably Cyril of Alexandria, who accused him of heresy. Nestorius sought to defend himself at the First Council of Ephesus in 431, but instead he found himself formally condemned for heresy and removed from his see. Thereafter he retired to a monastery, where he asserted his orthodoxy for the rest of his life. Despite his acquiescence, many of his supporters split with the rest of the church in the Nestorian Schism, and over the next decades a number of them relocated to Persia. Thereafter Nestorianism became the official position of the Church of the East.

    More...

    عزازيل وحق الهرطقة
    [/FIELDSET]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    شُبِّه لهم


    محمود الزيباوي


    يقول القرآن إنّ الله رفع عيسى إليه، فما قتله اليهود "وما صلبوه ولكن شُبّه لهم". احتار المفسرون في تحديد هذا "الشبه"، ونقلوا عددا كبيرا من القصص تردّد في بعض منها صدى نصوص الأناجيل الأربعة.

    في "كتاب التاريخ"، قدّم أبو العباس اليعقوبي سيرة للمسيح تستند بشكل مباشر إلى رواية الإنجيل. استعاد المؤرخ العباسي الكبير طفولة عيسى بن مريم، ثم ذكر الحواريين الذين وصفوا أخباره "وذكروا حاله"، وأشار إلى الذين كتبوا الإنجيل، ونقل بأمانة كبيرة رواية كلّ منهم للأحداث، وجاءت هذه الرواية على شكل قراءة مختصرة للأناجيل المسيحية الأربعة. اعتمد الراوي الترتيب التقليدي لهذه الكتب، فابتدأ برواية متّى، ثم انتقل إلى مرقس وبعده لوقا، وختم بيوحنا. وتميّزت السيرة الرابعة بتضمّنها قصة مفصّلة لآلام المسيح تتبع عن كثب النص الأصلي.

    يوجز اليعقوبي في هذا العرض الفصول الأخيرة من الإنجيل، ويبدو نصّه في الكثير من الأحيان أشبه بنقل حرفي عن الأصل. يدخل المسيح "إلى أورشليم على حمار"، ثم يوصي أصحابه بحفظ وصيته، ويرفع عينيه إلى السماء، ويقول: "حضرت الساعة، إني قد مجّدتك في الأرض، والعمل الذي أمرتني أن أعمله فقد تممته"، "ألّهمّ إن كان لا بد لي من شرب هذه الكأس، فهوّنها عليّ، وليس كما أريد يكون، ولكن ما تريد يا رب". يمضي يسوع مع تلامذته، ويقود يهوذا الشرطة ومن معهم من رسل كهنة اليهود إلى موقعه ليسلّمه لهم. تسوق الشرطة يسوع، وتضع على رأسه "إكليلاً من أرجوان"، وتقوم بضربه. يطالب رؤساء الكهنة بصلبه، ويجيب الحاكم: "خذوه أنتم فاصلبوه، فأما أنا، فلم أجد عليه علة". يخرج اليهود بالمسيح، ويحمّلونه خشبة الصليب. يتوقّف اليعقوبي هنا، ويقارن بين رواية يوحنا وروايات متى ومرقس ولوقا، قبل أن يواصل سرد القصة. يقتسم الجند ثياب المسيح، بينما تقف "أمه مريم ومريم بنت قلوفا ومريم المجدلانية" وهنّ ينظرن إليه، ويكلّم هو أمّه "من فوق الخشبة". يأخذ الجند "إسفنجة فيها خل"، و"يقربونها إلى أنفه، فيتكرّهها"، ثمّ يسلم الروح. بعدها يطعن أحد الشرط جنبه بحربة، فيخرج منه دم وماء.

    يُنزَل المسيح عن الصليب، ويُلفّ "في ثياب كتاّن وطيب"، ويوضع في قبر جديد، و"ذلك يوم الجمعة". في يوم الأحد، تأتي مريم المجدلانية إلى القبر وتجده خالياً، فتنقل الخبر إلى الرسل، وتعود ثانية إلى القبر، فتجد "رجلين عليهما ثياب بياض"، ثم تلتفت إلى الخلف، وترى المسيح يخاطبها قائلاً: "لا تدنين إليّ لأني لم أصعد إلى أبي، ولكن انطلقي إلى إخوتي وقولي لهم إنّي أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". في العشيّة، يظهر المسيح أمام تلامذته، ويقول لهم: "السلام معكم، كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم، وإن غفرتم ذنوب أحد، فهي مغفورة". يظنّ التلامذة أنّ الذين يكلّمهم "روح وخيال"، ويجيبهم المسيح: "أنظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الأيمن"، ويضيف: "طوبى للذين لم يروني وصدّقوا بي". يختم اليعقوبي هذه الرواية بقوله: "وجاؤوه بقطعة سمك، فأكل، وقال لهم: إن أنتم صدقتم بي، وفعلتم فعلي، يحق ألاّ تضعوا أيديكم على مريض إلا برئ ولا يضرّه الموت. ثم ارتفع عنهم، وكان له ثلاث وثلاثون سنة".


    تعدّد الروايات

    يعود المؤرخ هنا ويعلّق: "هذا ما يقول أصحاب الإنجيل، وهم يختلفون في كل المعاني"، ثم يستشهد بالآية القرآنية: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا" (النساء 157). استناداً إلى هذه الآية، يُجمع مفسّرو القرآن التقليديون على رفض صلب المسيح، مؤكدين أن الله رفع عيسى إليه، وأنّ اليهود لم يقتلوه ولم يصلبوه، وإنما قتلوا رجلا وصلبوه، وأشاعوا أنه عيسى. لا يذكر النص القرآني رواية خاصة بهذه الواقعة، ولا يقول كيف "شُبّه" لليهود أنهم صلبوا المسيح، وقد حصر المفسّرون كل همّهم في إيجاد هذا "الشبه"، ورووا مجموعة من الروايات والأقوال في هذا الشأن، من دون أن يخلصوا إلى رأي جامع نهائي. تأتي هذه الروايات في تفسير الآية المذكورة، كما تأتي في تفسير آية ثانية تشير إلى كفر طائفة من بني إسرائيل بعيسى (الصف 6)، وتتردّد في تفسير آية ثالثة تؤكد رفع المسيح إلى السماء، ونصّها: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون" (عمران 55). تكرّرت هذه الروايات في كتب "قصص الأنبياء" كما في كتب التاريخ والأخبار مع كثير من الإضافات والتحوير، وبات من الصعوبة إحصاؤها بشكل دقيق. في الخلاصة، تنقسم هذه المجموعة الكبيرة من الروايات مجموعتين. في الأولى، نجد أن "الشبيه" الذي صُلب مكان عيسى هو تلميذ من تلامذته يقدّم نفسه لافتداء معلّمه. وفي الأخرى، نجد أنّه الدليل الذي قاد اليهود إلى مكمن عيسى، وهو في بعض هذه الروايات يهوذا، التلميذ الذي خان معلّمه. تختلف هذه الروايات في الأحداث والتفاصيل، غير أنّها تجمع على أنّ اليهود "صلبوا رجلا شبَّهوه بعيسى، يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى حيًّا".

    في "الكامل في التاريخ"، استعاد ابن الأثير أربعاً من هذه الروايات وجاءت هذه القصص تحت عنوان "ذكر رفع المسيح إلى السماء ونزوله إلى أمّه وعودته إلى السماء". في الرواية الأولى، "قيل إنّ عيسى استقبله ناسٌ من اليهود، فلمّا رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، الفاعل ابن الفاعلة، وقذفوه وأمّه. فسمع ذلك ودعا عليهم، فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير، فلمّا رأى ذلك رأس بني اسرائيل فزع وخاف، وجمع كلمة اليهود على قتله، فاجتمعوا عليه، فسألوه، فقال: يا معشر اليهود إنّ الله يبغضكم. فغضبوا من مقالته، وثاروا إليه ليقتلوه، فبعث الله إليه جبرائيل فأدخله في خوخة (أي نافذة) إلى بيت فيها روزنة (أي كوة) في سقفها، فرفعه إلى السماء من تلك الروزنة، فأمر رأس اليهود رجلاً من أصحابه أن يدخل إليه فيقتله، فدخل فلم ير أحداً، وألقى الله عليه شبه المسيح، فخرج إليهم فظنّوه عيسى، فقتلوه وصلبوه". تلي هذه الرواية قصة مختزلة: "وقيل: إن عيسى قال لأصحابه: أيّكم يحبّ أن يُلقى عليه شبهي وهو مقتول؟ فقال رجل منهم: أنا يا روح الله، فألقي عليه شبهه، فقتل وصلب. وقيل: إنّ الذي شبّه بعيسى وصلب رجل اسرائيلي اسمه يوشع أيضاً".

    تتقاطع الرواية الثالثة مع أحداث الإنجيل بشكل كبير، وفيها: "لما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، فدعا الحواريّين، فصنع لهم طعاماً، فقال: أحضروني الليلة فإنّ لي إليكم حاجة. فلمّا اجتمعوا عشّاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا أخذ يغسل أيديهم بيده ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك وكرهوه، فقال: من يردّ عليّ الليلة شيئاً مما أصنع فليس مني. فأقرّوه حتى فرغ من ذلك. ثمّ قال: أمّا ما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وأمّا حاجتي التي أستغيثكم عليها، فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخّر أجلي. فلمّا نصبوا أنفسهم للدعاء، أخذهم النوم حتى ما يستطيعون الدعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله ما تصبرون لي ليلة. قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنّا نسمر فنكثر السمر وما نقدر عليه الليلة، وكلّما أردنا الدعاء حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي ويتفرّق الغنم. وجعل ينعى نفسه، ثمّ قال: ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديكُ ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلنّ ثمني. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون، أحد الحواريين، وقالوا: هذا صاحبه. واختلف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء، فقيل: رُفع ولم يمت، وقيل: توفّاه الله ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات، ثمّ أحياه ورفعه، ولما رُفع إلى السماء قال الله له: انزل: فلمّا قالوا لشمعون عن المسيح جحد وقال: ما أنا صاحبه. فتركوه، وفعلوا ذلك ثلاثاً، فلما سمع صياح الديك بكى وأحزنه ذلك. وأتى أحد الحواريين إلى اليهود، فدلّهم على المسيح، وأعطوه ثلاثين درهماً، فأتى معهم إلى البيت الذي فيه المسيح، فدخله، فرفع الله المسيح، وألقى شبهه على الذي دلّهم عليه، فأخذوه وأوثقوه وقادوه وهم يقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتفعل كذا وكذا فهلاّ تنجي نفسك؟ وهو يقول: أنا الذي دلّكم عليه. فلم يصغوا إلى قوله ووصلوا به إلى الخشبة وصلبوه عليها".

    تنفتح هذه الرواية على قصة أخرى تعكس أثر الإنجيل: "قيل إنّ اليهود لما دلّهم عليه الحواريّ اتّبعوه وأخذوه من البيت الذي كان فيه ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله ملائكة فحالوا بينهم وبينه، وألقى شبه المسيح على الذي دلّهم عليه، فأخذوه ليصلبوه، فقال: أنا الذي دلّكم عليه. فلم يلفتوا إليه، فقتلوه وصلبوه عليها، ورفع الله المسيح إليه بعد أن توفّاه ثلاث ساعات، وقيل سبع ساعات، ثمّ أحياه ورفعه. ثمّ قال له: انزل إلى مريم، فإنّه لم يبكِ عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها. فنزل عليها بعد سبعة أيام، فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، وهي عند المصلوب تبكي ومعها امرأة كان أبرأها من الجنون، فقال: ما شأنكما تبكيان؟ قالتا: عليك. قال: إني رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإنّ هذا شيء شُبّه لهم. وأمرها فجمعت له الحواريّين، فبثّهم في الأرض رسلاً عن الله، وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثمّ رفعه الله إليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم، فصار إنسيّاً ملكيّاً أرضيّاً".

    السيرة المصوّرة

    في مخطوطات "قصص الأنبياء" المزوّقة بالمنمنمات، يظهر شبيه المسيح معلّقا على خشبة، واللافت أنّ هذه الخشبة لا تأخذ شكل الصليب. يبدو المصلوب مشنوقاً في بعض الأحيان، كما في النسخة المحفوظة في مكتبة برلين، وهي من نتاج عام 1577. ويبدو في صور أخرى معلّقاً من أعلى ذراعيه، كما في نسخة من محفوظات توبكابي تسبق نسخة برلين بفترة وجيزة. يتغيّر القالب بشكل جذري في المنمنمات العثمانية التي تعود إلى الحقبة نفسها. في "سلسلة نامه"، كما في "زبدة التواريخ"، يظهر عيسى وهو يحلّق في السماء وسط ملاكين في القسم الأعلى من التأليف، بينما يظهر شبيهه وهو يقتاد أسيرا في الجزء الأسفل. تصوّر المنمنمة قصة نقلها الثعلبي في "عرائس المجالس"، وفيها "إن اليهود وكّلوا بعيسى رجلاً يكون عليه رقيباً يدور معه حيثما دار، فصعد عيسى الجبل، فجاءه الملَك، فرفعه إلى السماء، وألقى الله تعالى شبه عيسى على الرقيب فظنّ اليهود أنّه عيسى فأخذوه، وكان يقول لهم: إني لست عيسى، إني فلان بن فلان، فلم يصدّقوه وقتلوه وصلبوه".

    النهار
    2012-04-07​
     
    Top