مسيحيّــــــة

Picasso

Picasso

Legendary Member
Orange Room Supporter
من صحوة النهار الى العصر




منمنمة هندية، نهاية القرن السادس عشر، المكتبة البريطانية.


تحوي رسائل إخوان الصفا مجموعة كبيرة من قصص الأنبياء وأخبارهم، منها قصة تتحدث عن صلب المسيح من "صحوة النهار إلى العصر" وقيامته من القبر. تخرج هذه الرواية عن الإطار الإسلامي المعهود، وتتميّز بإقرارها بالصلب كحدث تاريخي مسّ ناسوت المسيح ولم يدرك لاهوته.

تأتي هذه الرواية في الرسالة الرابعة والأربعين، وعنوانها: "بيان اعتقاد إخوان الصفا ومذهب الربّانيين". يستهلّ الراوي حديثه بالإشارة إلى مغزى القصة، وهو الإقرار بأن "الأنبياء وخلفاءهم ومن يرى مثل رأيهم من الفلاسفة الحكماء، يتهاونون بأمر الأجساد"، "لأنهم يرون أنّ هذه الأجساد حبس للنفوس، أو حجاب لها، أو صراط، أو برزخ، أو أعراف"، وهو ما يشهد له "فعل المسيح عليه السلام بناسوته ووصيته للحواريين بمثل ذلك".

بُعث المسيح في بني إسرائيل، "فرآهم منتحلين دين موسى، متمسكين بظاهر شريعته، يقرأون التوراة وكتب الأنبياء غير قائمين بواجبها ولا عارفين حقائقها، فلا يعرفون أسرارها بل يستعملونها على العادة ويجرونها على التقليد، ولا يعرفون الآخرة ولا يرغبون فيها، ولا يفهمون أمر المعاد ولا يدرون ما فيها غير الدنيا وغرورها وأمانيها، ولا يدرون ما يستعملون من أمر الشريعة وسنّة الدين إلا طلب الدنيا". "فلما رآهم المسيح على تلك الحالة، لا فرق بينهم وبين من لا يقر بالمعاد ولا يعرف الدين والنبوة ولا الكتاب ولا السنّة ولا المنهاج ولا الشريعة ولا الزهد في الدنيا ولا الرغبة في الآخرة، غمّه ذلك منهم، ورقّ لهم، وتحنّن على أبناء جنسه، وتفكّر في أمرهم كيف يداويهم من دائهم الذي استقر بهم، وعلم انّه إن وبّخهم بالتعنيف والوعيد والزجر والتهديد لا ينفعهم ذلك، لأن هذه كلها موجودة في التوراة وما في أيديهم من كتب الأنبياء عليهم السلام، فرأى أن يظهر لهم بزيّ الطبيب المداوي، وجعل يطوف في محال بني إسرائيل يلقى واحداً يعظه، ويذكره ويضرب له الأمثال، وينبهه من الجهالة، ويزهّده في الدنيا، ويرغّبه في الآخرة ونعيمها".

هكذا خاطب المسيح قومه وسألهم: "أرأيتم هذه الثياب، إذا غسلتموها ونظّفتموها وبيّضتموها، هل تجوزون أن يلبسها أصحابها وأجسادهم ملوّثة بالدم والبول والغائط ولون القاذورات؟". فأجابوه: "لا، ومن فعل ذلك كان سفيهاً". فقال: "نظّفتم أجسادكم، وبيّضتم ثيابكم ولبستموها، ونفوسكم ملوّثة بالجيف، مملوءة قاذورات من الجهالة والعماء والبكم وسوء الأخلاق والحسد والبغضاء والمكر والغش والحرص والبخل والقبح وسوء الظن وطلب الشهوات الرديئة، وأنتم في ذل العبودية أشقياء لا راحة لكم إلا الموت والقبر". يسأل اليهود نبيّ الله عن السبيل إلى الخروج من ذلك، فيقول: "هل لكم أن ترغبوا في ملكوت السماء، حيث لا موت ولا هرم ولا وجع ولا سقم ولا جوع ولا عطش ولا خوف ولا حزن ولا فقر ولا حاجة ولا تعب ولا عناء ولا غم ولا حسد بين أهلها، ولا بغض ولا تفاخر ولا خيلاء، بل إخوان على سرر، متقابلين فرحين مسرورين في روح وريحان ونعمة ورضوان وبهجة ونزهة، يسيحون في فضاء الأفلاك وسعة السموات، ويشاهدون ملكوت ربّ العالمين، ويرون الملائكة حول عرشه صافين يسبّحون بحمد ربّهم بنغمات وألحان لم يسمع بمثلها أنس ولا جان، وتكونون انتم معهم خالدين لا تهرمون ولا تموتون ولا تجوعون ولا تعطشون ولا تمرضون ولا تخافون ولا تحزنون".


الوصية والميثاق

يواصل الراوي حديثه من دون ذكر المصدر الأصلي، ويخبرنا بأن المسيح كان يتنقّل كلّ يوم واعظاً "من قرية إلى قرية من قرى فلسطين، ومن مدينة إلى مدينة من ديار بني إسرائيل، يداوي الناس، ويعظهم ويذكّرهم ويدعوهم إلى ملكوت السماء، ويرغّبهم فيها، يزهّدهم في الدنيا، ويبيّن لهم غرورها وأمانيها، وهو مطلوب من ملك بني إسرائيل وغوغائهم". دامت هذه الحال ثلاثين شهراً، بعدها، "أراد الله تعالى أن يتوفّاه و يرفعه إليه"، فاجتمع مع حواريّيه "في بيت المقدس في غرفة واحدة"، وقال لهم: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وأوصيكم بوصية، وآخذ عهدًا وميثاقًا، فمن قبل وصيّتي وأوفى بعهدي، كان معي غدًا". فسألوه: "ما تصديق ما تأمرنا به". فأجاب: "أنا أوّل من يفعل ذلك".

يأتي هنا خبر صلب المسيح وقيامته من القبر بشكل مختزل: في اليوم التالي، خرج السيّد "وظهر للناس وجعل يدعوهم ويعظهم حتى أُخذ وحُمل الى ملك إسرائيل فأمر بصلبه. فصُلِبَ ناسوته، وسُمِّرَتْ يداه علي خشبتي الصليب، وبقي مصلوبًا من صحوة النهار إلى العصر. وطلب الماء فسُقِيَ الخل، وطُعِنَ بالحربة ثم دُفِنَ في مكان الخشبة ووُكِّلَ بالقبر أربعون نفرًا. وهذا كله بحضرة أصحابه وحوارييه، فلمّا رأوا ذلك منه، أيقنوا وعلموا أنَّه لم يأمرهم بشيء يخالفهم فيه. ثم اجتمعوا بعد ذلك بثلاثة أيام في الموضع الذي وعدهم أن يتراءى لهم فيه. فرأوا تلك العلامة التي كانت بينه وبينهم وفشا الخبر في بني إسرائيل أنَّ المسيح لم يُقْتَل. فنُبِشَ القبر فلم يُوجد فيه الناسوت، فاختلف الأحزاب من بينهم، وكثر القيل والقال، وقصته تطول".

تتردد في هذه الرواية أصداء الإنجيل المسيحي، مع اختلاف في التفاصيل والألفاظ. يصف المسيح قومه بالتقيد بحرفيّة الشريعة والخروج عن روحها، ويتهمهم بالرياء، كما في الإنجيل بحسب متّى: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم أيضا من خارج تظهرون للناس أبرارا، و لكنكم من داخل مشحونون رياء و إثما" (23: 27). يتحدث المسيح عن ملكوت السماء، "حيث لا موت ولا هرم ولا وجع ولا سقم ولا جوع ولا عطش ولا خوف ولا حزن". ويقابل هذا الحديث في الإنجيل وعد الله شعبه بمسكن جامع، يمسح فيه "كل دمعة من عيونهم"، "والموت لا يكون في ما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد" (سفر الرؤيا 21: 4). يجتمع المسيح مع حواريّيه في غرفة حيث يوصيهم بوصية ويأخذ منهم عهداً وميثاقا، كما في إنجيل يوحنا (13: 34). يقول المسيح لحواريّيه: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم". وفي الإنجيل، يظهر المسيح لمريم المجدلية عند قيامته من الموت، ويقول لها: "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (20: 17). كما في الإنجيل، يُصلب المسيح، وتُسمّر يداه على خشبتي الصليب، ويطلب ماءً فيسقى خلاً، ويُطعن بالحربة، ثم يُدفن في مكان الخشبة. من جهة أخرى، يظهر الاختلاف في التفاصيل في أكثر من موقع. تقول رواية إخوان الصفا إنّ المسيح استمرّ في دعوته ثلاثين شهراً، وإنّ الذين وُكّلوا بحراسة قبره كانوا أربعين نفراً، وذلك في حضور أصحابه وحواريّيه الذين شهدوا جميعاً صلب ناسوته ودفنه وقيامته بعد ثلاثة أيام. في المقابل، تقول الرواية المسيحية إنّ دعوة المسيح استمرّت ثلاث سنوات، ولا تحدّد عدد الذين كُلّفوا حراسة القبر، كما تؤكد أنّ تلامذته تفرّقوا حين قُبض عليه.

الناسوت واللاهوت

تؤكد رواية إخوان الصفا أن ناسوت المسيح صُلب ودُفن، وعندما نُبش القبر "لم يوجد فيه الناسوت"، فاختلف الأحزاب، "وكثر القيل والقال، وقصته تطول". يشير هذا القول المختزل كما يبدو إلى السجال الذي دار بين المسيحيين حول هذه المسألة، من دون أن يدخل في متاهاته. غير أنّنا نجد في كتب مفسّري القرآن التقليديين حديثا حول هذا السجال وما تبعه من انقسام النصارى نحلاً، وذلك في شرح الآية القائلة "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبِّه لهم" (النساء، 187). في "مفاتيح الغيب"، يستعيد فخر الدين الرازي هذا السجال، ويؤكد أنّ النصارى بأسرهم اتفقوا على أن اليهود صلبوا المسيح، غير أن فرقهم اختلفت في تحديد الصلب من جهة ناسوته ولاهوته، كما يُستدلّ من الآية القرآنية: "وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه". أكبر هذه الفرق ثلاث: "النسطورية، والملكانية، واليعقوبية"، وهي بلغة اليوم: الأشوريون والروم والسريان. قال النساطرة "إن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته"، "وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول"، "لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل، بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته، وهو مدبر في هذا البدن، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام، فالقتل ما ورد عليه". "وأما الملكانية فقالوا: القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة. وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين".

تبدو رواية إخوان الصفا قريبة من القراءة النسطورية، أو من القراءة الإسلامية للاهوت النسطوري، والأكيد أنّ هذه الرواية تخرج عن الميراث الإسلامي الذي يؤكد أن من قُتل وصُلب كان "شبيها" بالمسيح، لا عيسى نفسه، وتتعدّد الروايات حول هوية هذا الشبيه. المعروف أن جماعة أخوان الصفا ظهرت في القرن العاشر الميلادي، وقد اختلفت الآراء في تحديد مذهب هذه الجماعة ودورها في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية. يجزم الكثير من البحاثة بتشيّع هذه الجماعة، إلا أنهم يختلفون في تحديد الفرقة التي ينتمون إليها، فمنهم من يحسبونهم من الإسماعيليين، ومنهم من يرجّح انتماءهم إلى الإثني عشرية، ومنهم من يربط بين مذهبهم ومذهب الزيدية، هو مذهب سلالة البويهيين الذين سيطروا على الحكم في ذلك العصر. نجد في الأدبيات الإسماعيلية رواية أخرى تقرّ بصلب المسيح، وهي رواية ترد في كتاب "زهر المعاني" للداعي إدريس عماد الدين القرشي، المتوفى سنة 872 هجريّة. تقول هذه الرواية إنّ يهوذا باع معلّمه عيسى لليهود، ودلّهم عليه، "فشكّوه بالحراب وصلبوه ثلاثة أيام وقُبر بعد ذلك". وذهبت بعض النساء المؤمنات لزيارة قبره، فظهر على امرأة سبقتهنّ في ذلك، "فنظرت إليه وقد خرج من قبره، وتجرّد من أكفانه، وطرحها ونفض رأسه من التراب"، ونقلت الخبر إلى النسوة، "فأخبرن أهل المدينة بذلك، فخرج القوم فنظروا إلى ذلك، فوقع بينهم جدل وشك، وقالوا إن المرأة نصرانية، والنصارى أخرجوه من قبره وقبروه في مكان آخر".

باب النور

تنفتح الرواية على رواية أخرى لا يذكر ناقلها مصدرها، مفادها أنّ يهوذا طعن صدره بحربة أخرجها من ظهره "ندماً واقتصاصاً بما فعله". وتقاتل قومه بعد انتحاره عند القبر، فصدّق البعض خبر خروج المسيح من القبر، وكذّبه البعض الآخر. بعدها، ظهر المسيح لتلامذته، وحثّهم "على إقامة الدعوة والتحرّز من الاختلاف"، فسألوه: "يا باب النور، لم أمكنت اليهود من نفسك حتى قدروا عليك؟". فقال: "أنا أمكنتهم من أنفسهم لأنهم تعاموا عنّي ومن أرسلني، فجهلوا بي ولم يعرفوني، فلو عرفوني وعرفوا الذي أرسلني ما ذاقوا الموت".

محمود الزيباوي

النهار
2012-04-21

 
  • Advertisement
  • Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    [VBTUBE]DcpqRseeYiQ[/VBTUBE]


    [VBTUBE]qLSnFiAB6es[/VBTUBE]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    كنيسة المشرق



    أحد الشعانين، جدارية نسطورية من واحة طورفان في منطقة أويغور، شمال طريق الحرير، القرن التاسع، متحف برلين.​


    صدر حديثاً عن "رابطة الكتاب والأدباء الأشوريين" مجلّد فني من الحجم الكبير عنوانه "كنيسة المشرق، التاريخ المصوّر للمسيحية الأشورية". الكتاب من تأليف الباحث السويسري كريستوف بومر، والترجمة العربية من توقيع عزيز عمانوئيل الزيباري، والتوزيع لـ"دار الفرات".

    نُشر كتاب "كنيسة المشرق" أوّلا في لندن عام 2006، واعتُبر عند صدوره خير مرجع للتعريف بكنيسة المشرق السريانية التي تبقى شبه مجهولة من الجمهور العريض، في الغرب كما في الشرق. يقع هذا البحث في أكثر من أربعمئة صفحة، ويتألّف من اثني عشر فصلاً زُيّنت نصوصها بمجموعة كبيرة من الصور والوثائق والخرائط الإيضاحية. يتوجّه الكاتب في الدرجة الأولى إلى القارئ غير المختصّ، ويدعوه لاكتشاف هذه المسيحية التي انتشرت في بلاد الرافدين وبلغت العالم الصيني قبل أن تدخل مرحلة طويلة من الانحطاط في القرن الخامس عشر.

    انطلقت المسيحية من فلسطين إلى أنحاء العالم، وبلغت غرباً العالم اليوناني الروماني، وباتت دين أوروبا. في المقابل، انتقلت هذه الدعوة إلى الشرق حيث ازدهرت ووصلت إلى آسيا في القرون الوسطى، قبل وصول المبشرين الكاثوليك والبروتستانت الوافدين من الغرب، غير أنّ عامة الناس لا تعرف شيئاً عن هذا التاريخ المنسي. انقلب الدهر على كنيسة المشرق في زمن صعود تيمورلنك، فضعفت وتشتّتت وفقدت النفوذ الذي كانت تتمتع به في السابق، "إلا أنها تستحق حقاً مكانة مهمة في تاريخ المسيحية ويمكن للمسيحيين اليوم ان يتعلموا الكثير من خلال دراسة منجزاتها واخفاقاتها"، كما كتب المترجم في المقدّمة.

    كنيسة بلاد الفرس

    خصّص كريستوف بومر الفصول الستّة الأولى للتعريف بهوية هذه الكنيسة التي حملت على مدى التاريخ أكثر من اسم. تُعرف اليوم بالأشورية، وهي في الأصل الكنيسة السريانية الشرقية، والاسم الشائع لها في التاريخ هو الكنيسة النسطورية. منها، انشقّ فريق واتحّد بكنيسة روما في منتصف القرن الخامس عشر، وأطلق البابا أوجينس الرابع على هذا الفريق اسم "الكلدان". يربط هذا الاسم حامليه بـ"كلدو القديمة"، حيث تأسّست دعائم الكنيسة السريانية الشرقية في مطلع القرن الميلادي الثاني بحسب الروايات. في مرحلة لاحقة، عُرف أتباع الكنيسة الذين رفضوا هذا الاتحاد بـ"الأشوريين"، وكانوا يُعرفون في لغتهم بـ"الأثوريين". يشير اسم "الأشوريين" إلى قوم من الساميين استوطنوا شمال العراق منذ خمسة آلاف سنة، وشاعوا في نهاية القرن التاسع عشر بعدما أسس رئيس أساقفة كانتربري في هذه المنطقة "إرسالية رئيس الأساقفة في أشور". في المقابل، تشير تسمية "الأثوريين" بحسب معجم الحسن بن بهلول الى "أهل الموصل"، وهذه التسمية شبه منسية في زمننا الحاضر.

    يعود تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية إلى بدايات المسيحية، ومؤسسها بحسب التقليد هو الرسول توما. انطلقت البشارة المسيحية من الرها، أي أورفا، إلى بلاد الفرثيين. على ضفاف دجلة، استقرت كنيسة الشرق بالقرب من المدينتين الملكيتين، سليق وطيسفون، على بعد خمسة وثلاثين كيلومترا من بغداد التي أسسها الخليفة المنصور عام 762. أسقط الساسانيون الفرس الدولة الفرثية في القرن الثالث، وأقاموا عاصمتهم في المدينتين الملكيتين، وباتت كنيسة الشرق في أمبراطورية الفرس، ولُقّبت باسم "كنيسة بلاد الفرس"، وحمل رئيسها لقب "جاثليق"، وهو مرادف لـ"بطريرك". في القرن الرابع، جعل الملك بهرام الثاني من الزرادشتية دينا رسميا للدولة، وأصدر الأمر بإلغاء الديانات الأخرى. في الطرف الآخر، أصدر الأمبراطور قسطنطين "منشور ميلانو" الذي اعترف بالمسيحية كدين من أديان أمبراطورية الروم. أراح هذا المنشور المسيحيين القاطنين في بلاد الروم، لكنه جعل من مسيحيي بلاد الفرس "متواطئين مع العدو" في نظر الفرس، وجرّ عليهم سلسلة من الاضطهادات، قضى فيها مئات الشهداء.

    في القرن الخامس، شهد العالم المسيحي نزاعات عقائدية حادة أدّت إلى انفصال السريان عما يسمّى عادة بـ"الكنيسة الجامعة" وانقسامهم كنائس متنافسة. في عام 431، أدان مجمع أفسس تعاليم بطريرك إنطاكية نسطور، وبعد عشرين سنة، أدان مجمع خلقيدونية تعاليم الراهب أوطيخس الخاصة بطبيعة المسيح. عُرف رافضو قرارات مجمع أفسس بالنساطرة، نسبة إلى نسطور، وعُرف رافضو قرارات مجمع خلقيدونية باليعاقبة، نسبة إلى المطران يعقوب البرادعي الذي رسم إكليروسا خاصا بهذه الجماعة في القرن السادس. أمّا أتباع مجمع خلقيدونية، فهم في كتب التراث "الملكانية"، والكلمة في الأصل سريانية، تعني أتباع الملك، أي أمبراطور الروم. تبنّى سريان شرق الفرات موقف رافضي مجمع أفسس، مما أتاح لهم القول بأن معتقداتهم تخالف معتقدات الروم، وتبنّى سريان غرب الفرات رأيا عقائديا جعلهم مستقلين عن الروم وعن النساطرة في آن واحد، واستمر الصراع بين الفريقين، بينما احتدم الصراع بين الروم والفرس، وأدّى إلى تصدّع الأمبراطوريتين. دخل المسلمون المدائن الملكية في عام 635، وثبتت كل من الكنيستين السريانيتين في موقعها.

    من العرب إلى المغول

    يتناول الفصل السابع من الكتاب وضع المسيحيين في ظل الحكم الجديد، ويلقي الضوء على وجودهم في منطقة الخليج والجزيرة العربية. استمر الصراع المستديم بين النساطرة واليعاقبة، وأدّى إلى إضعاف الفريقين، وتشهد النصوص المسيحية المعاصرة لهذه الأحداث على تحول الكثيرين من أتباع الكنيستين إلى الإسلام، ممّا أدى إلى تقليص عدد الرعايا فيهما. برغم هذا التحول الكبير، حافظت المسيحية على حيويّتها في العراق، ويشهد التاريخ لهذه الحيوية التي تجلت في سائر وجوه الحياة، من الثقافة، إلى العلوم، إلى الآداب والفنون.

    سعى النساطرة إلى استعادة المكانة التي حظوا بها في زمن الفرس، واحتلوا مركز الصدارة مسيحياً في زمن الخلافة العباسية حيث باتوا بمعنى من المعاني "كنيسة الدولة". أقرّت السلطة العباسية بتقدّم هذه الكنيسة على الكنائس الأخرى، واعترفت بالجاثليق النسطوري زعيما لسائر النصارى على اختلاف مللهم، مؤكّداً تفرّده بالتقدّم على سائر أسياد هذه الطوائف. انتقل بطاركة النساطرة إلى بغداد، عاصمة الخلافة، لكن مركزهم الرسمي ظلّ في المدائن. عرفت الكنيسة السريانية الشرقية في العهد العباسي نهضة كبيرة، ولمع في إدارة شؤونها البطريرك طيوثاوس الأول الذي عاصر خمسة خلفاء، هم المهدي والهادي وهارون الرشيد والأمين والمأمون. تبدلت أحوال النصارى بين عهد وآخر، لا سيّما بعد منتصف القرن التاسع، غير أن السريان استمرّوا في البقاء والعطاء بفضل أعلامهم من الأطباء والعلماء في وجه خاص.

    يبرز الباحث السويسري دور النساطرة الكبير في تعريب التراث اليوناني في زمن "بيت الحكمة"، ومساهمتهم في بناء الحضارة العباسية، ونجد في المصادر الإسلامية التراثية ما يشهد لهذه المساهمة. عرفت الكنيسة السريانية الشرقية في العهد العباسي نهضة كبيرة، واستمرّت في التوسّع في القارة الآسيوية، خارج حدود دار الإسلام، فامتدت قاعدتها من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، وبلغت الصين، ونجد قراءة معمّقة لهذا التاريخ الإرسالي في الفصل الثامن من الكتاب. انتشر النساطرة على طول "طريق الحرير" في آسيا الوسطى، ودخلوا سوغديا وأرض الأنهار السبعة، ونشروا دعوتهم في التيبت وتركستان الشرقية، ثم بلغوا الصين، وكانت لهم حوارات ومجادلات مع البوذية والطاوية.

    نصل إلى الفصل التاسع، وهو أكثر الفصول إثارة، وعنوانه "الفترة المغولية". تصدعت الدولة العباسية في القرن الحادي عشر، وتبدّلت أحوال النصارى مع تبدّل أحوال الدولة حتى سقوط بغداد وقيام دولة المغول، وبرز في تلك الحقبة الأتراك النساطرة. نتعرّف الى شعوب المغول وقبائلهم المتعدّدة، كما نتعرّف إلى أمراء وأعلام نساطرة من مغول. لبست كنيسة المشرق ثوباً عربياً في زمن العباسيين، ولبست ثوبا "آسيويا" في زمن المغول، وتأثرت بالشامانية والبوذية، ويتجلّى هذا التأثر في كثير من الشواهد الأثرية التي تعود إلى تلك الحقبة. عاشت كنيسة المشرق ازدهارا أخيرا في ظل الإيلخانات الإيرانية، وتصدّعت بشكل مأسوي في عهد تيمورلنك حيث تشتّت أبناؤها وتقهقروا إلى جبال كردستان، واستمرّوا في تقهقرهم هذا حتى القرن العشرين. من العالم "الصيني"، ننتقل في الفصل التالي إلى العالم الهندي حيث كان للنساطرة نشاط تبشيري مماثل على ساحل ملبار. اعتنق نساطرة الهند المذهب الكاثوليكي قسرا في القرن السادس عشر، و"ثاروا" على روما في مرحلة لاحقة، ثم عادوا وانقسموا فرقاً متعددة في الأزمنة الحديثة.

    المحن والانقسامات

    في الفصل الحادي عشر، يستعيد كريستوف بومر "فترة المحن والانقسامات"، وهي الفترة التي تتواصل على مدى خمسة قرون من الزمن، وتبلغ ذروة الشقاء مع الإبادة الجماعية التي تعرضت لها هذه الجماعة بين 1915 و1918. يسأل المؤلّف: "لماذا انهارت كنيسة المشرق؟"، ولماذا تضاءل عدد أتباعها إلى أربعمئة ألف نفس بعدما بلغ في الماضي ثمانية ملايين؟

    ضعفت هذه الكنيسة وتضعضعت حتى شارفت الاندثار لأسباب عدة، منها عزلتها الجغرافية مسيحياً، ومواجهتها لديانات قوية راسخة الجذور مثل البوذية والطاوية والكونفوشيوسة. تحوّلت هذه الجماعة الى غيتو اجتماعي مغلق، وساهم التبشير الكاثوليكي والتبشير البروتستانتي المضاد في إضعافها، وتعرضت إلى إبادة عامة في مرحلتين من مراحل تاريخها الأليم، فكانت الأولى في أواخر القرن الرابع عشر على يد تيمورلنك، وكانت الثانية على يد الأتراك والأكراد في زمن نهاية الأمبراطورية العثمانية.

    عاشت هذه الكنيسة سلسلة أخرى من المصاعب والانشقاقات في عصرنا الحالي، وحاولت أن تنهض من كبوتها في عهد البطريرك شمعون الحادي عشر الذي أدار شؤونها على مدى خمس وخمسين سنة. من المفارقات، وجدت هذه الكنيسة نفسها داخل الصراع الكردي - العربي في زمن صدام حسين، وهي اليوم تدفع من جديد ثمن هذا الصراع. يختصر رئيس أساقفة كركوك للمسيحيين الكلدان لويس ساكو هذا الوضع الشائك بقوله: "لم نكن أحرارا، لكننا كنا في أمان، واليوم نحن أحرار، ولكن لسنا في أمان".

    تحاول كنيسة المشرق الخروج من العزلة التي فرضتها عليها الظروف التاريخية، غير أن هذه المحاولات لا تزال تصطدم ببعض الصعوبات. يمرّ الزمن في الشرق، ولا يتغيّر شيء. خرجت الكنيسة النسطورية من عزلتها عام 1994 حيث وقّع بطريركها دنخا الرابع مع البابا يوحنا بولس الثاني "الإعلان المسيحي المشترك"، وختم هذا الإعلان "خمسة عشر قرنا من سوء الفهم". في المقابل، تلقي الكنيسة القبطية بثقلها لمنع اعتراف السريان اليعاقبة بإخوتهم النساطرة، كأنها لا تزال تعيش في القرن الخامس.

    في الفصل الأخير من كتابه، يدعو كريستوف بومر إلى إعادة بناء هذه الكنيسة في بلاد بين النهرين، لا في المنفى فحسب، وذلك بإقامة أوثق تعاون مع الكلدان الكاثوليك الأكثر عدداً، والاهتمام بالشتات، "الجزء النامي من الكنيسة نمواً سريعاً، بحيث يمكن للناس أن يحافظوا على هويتهم الخاصة".

    محمود الزيباوي

    النهار
    2012-05-05

     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    دينهم لهم وكتابتهم لنا




    مخطوطان سريانيان من العراق.


    محمود الزيباوي

    أقام "مركز الشرق المسيحي للبحوث والمنشورات" في جامعة القديس يوسف ندوة أطلق فيها كتاب الدكتورة سيسيل كابرول، "الكتّاب النساطرة في بغداد 762-1258"، الصادر باللغة الفرنسية عن المركز، وهو باكورة سلسلة "مجموعة الأبحاث المسيحية العربية". يعرّف هذا البحث بالدور الذي لعبه كبار الموظفين من النصارى السريان في إدارة الدولة العباسية، ويكشف عن شراكة إسلامية مسيحية خفيّة تخطّت في كثير من الأحيان الحدود التي فرضها الشرع والفقه.

    يصعب تحديد مهنة "الكاتب" الرسمي بشكل دقيق، وهو في العنوان الفرنسي لهذا البحث "السكرتير"، غير أنّ التعرّف إلى مهنته وصفاتها يظهر أنّ دوره يتجاوز في أحيان كثيرة هذا الموقع المتواضع، فالكتّاب أنواع ورتب، وأرفعهم شأناً موظفون احتلوا واجهة العمل الإداري وكان لهم نشاط ثاقب في الشأنين السياسي والاجتماعي. يتناول البحث الكتّاب النساطرة في بغداد زمن الخلافة العباسية الذي ناهز الخمسة قرون. والنساطرة طائفة من الطوائف المسيحية الرئيسية، وهم أتباع الكنيسة السريانية الشرقية التي عُرفت في التاريخ باسم الكنيسة النسطورية، نسبة إلى بطريرك إنطاكية نسطور الذي "أُدين" وعُزل عن كرسيه عام 431. استقلّ أتباع نسطور عما يُعرف بـ"الكنيسة الجامعة" عقائدياً وإدارياً، وشكّلوا خارج العالم البيزنطي كنيسة حية نمت في ظلّ الساسانيين، وتحوّلت في زمن العباسيين إلى ما يُشبه "كنيسة الدولة". عُرف أتباع هذه الكنيسة بـ"النساطرة" حتى منتصف القرن الخامس عشر حيث اتحد فريق منها بكنيسة روما الكاثوليكية، وأطلق البابا أوجينس الرابع على هذا الفريق اسم "الكلدان". في مرحلة لاحقة، عُرف أتباع الكنيسة الذين رفضوا هذا الاتحاد بـ"الأشوريين"، وشاعت هذه التسمية في الزمن الحديث.

    أظهر أهل الاختصاص الدور الكبير الذي لعبه المسيحيون في الحقول العلمية والفكرية المختلفة في زمن العباسيين، وعرّفوا بسلالات الأطباء التي اعتمدها الخلفاء، كما عرّفوا بنتاج المفكرين السريان الذين عملوا في ميدان التأليف والنقل والتعريب، غير أن قلة من هؤلاء المختصين أشارت إلى الدور الذي لعبه "الكتّاب" السريان في الدولة. في تصديرها لكتابها، تقول سيسيل كابرول إنّ الذين اهتمّوا بها الشأن أربعة من كبار العلماء، هم لويس شيخو، لويس ماسينيون، جيرار تروبو وجان موريس فييه. ترك شيخو عند وفاته في عام 1929 مجموعة من الوثائق تشكّل خزانة من المعلومات الخاصة بهؤلاء الكتّاب، ونشر ماسينيون عام 1942 دراسة تناول فيها دور الكتّاب الذي خرجوا من دير قني الواقع في الجانب الشرقي من نهر دجلة في نهاية القرن التاسع، وتحدّث في هذه الدراسة عن "السياسة الإسلامية المسيحية" التي تميّز بها هؤلاء الكتّاب في "بلاط بغداد". بعدها، ساهم كل من تروبو وفييه بالتعريف بنشاط هؤلاء الكتّاب من خلال دراسات تناولت تاريخ المسيحيين السريان ونتاجهم في العصر العباسي الطويل. يكمل بحث سيسيل كابرول هذه الطريق، ويمكن القول إنه أول كتاب مخصصّ بأكمله لهذا الموضوع المثير.

    في المقدّمة المطوّلة التي افتتحت بها كتابها، تعرّف الباحثة بالنساطرة، وموقعهم المتقدّم في حضن الخلافة العباسية. مع أفول السلطة الأموية، وانتقال الخلافة من دمشق إلى بغداد، عظم شأن هذه الطائفة وباتت الملّة النصرانية الأقوى. تقدّمت الكنيسة النسطورية على الكنائس الأخرى، وحصلت من الدولة على إقرار بهذا التقدّم. انصهرت الكنيسة النسطورية في دار الخلافة بشكل كبير، وانتقل بطاركتها إلى بغداد، عاصمة الخلافة، ثم انتقلوا إلى سامراء حين صارت هذه المدينة الجديدة عاصمة للخلافة. وتبدّلت أحوالهم وتقلّبت بحسب تغيّر الأوضاع السياسية الصاخبة. عرفت الكنيسة السريانية الشرقية عهداً ذهبياً في العصر العباسي الأول، وفقدت الكثير من سلطتها في عهد تصدّع هذه الخلافة بعد منتصف القرن التاسع، غير أنها استمرّت في البقاء والعطاء بفضل أعلامها من الأطباء والعلماء والكتّاب.

    في الفصل الأول، ندخل في عالم "الكتّاب" بفروعه ورتبه المختلفة. للوهلة الأولى، نخال أنّ الكاتب ناسخ فحسب، ثم نكتشف أنه موظّف عالي الشأن، وهو في أحيان كثيرة أشبه بمستشار خاص واسع النفوذ. انتقلت هذه المهنة إلى العرب من الروم والعجم، وازدهرت في دولة بني العباس، وبات لها شروطها الخاصة، وهي كثيرة، كما كتب ابن خلدون في "المقدمة"، "وأحسن من استوعبها عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى الكتّاب"، وفيها: "أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفّقكم وأرشدكم. فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن بعد الملوك المكرمين أصنافاً وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات، إلى أسباب معاشهم وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة. بكم تنتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها. وبنصحائكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلدانهم. لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم. فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون".


    بين الشرع والسياسة

    في الفصل الثاني من البحث، ترصد الكاتبة دخول السريان النساطرة في هذه المهنة، وتوليهم أعظم المناصب في الدولة، ويبدو هذا الأمر "غريبا" في دولة إسلامية تتبنى الشرع وتسير بموجبه. يجمع الفقهاء بشكل عام على رفض تولي أهل الذمة المناصب الإدارية في الدولة، ويستند هذا المنع إلى مجموعة من الآيات القرآنية، منها: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (المائدة، 51). "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين" (المائدة، 57). "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون" (التوبة، 8).

    تجاوز أصحاب السلطة والحكم هذا "المنع"، وأحاطوا أنفسهم بكتّاب من غير المسلمين، وكان للنساطرة دور كبير في هذا الميدان، فبرزت منهم سلالات من الكتّاب تردّدت أخبارها في المصادر الإسلامية العربية كما في المصادر المسيحية السريانية والعربية. في العصر العباسي الأول، حافظ النساطرة على موقعم، وشكلوا طائفة لها ثقلها، وفرضوا أنفسهم بكفاءتهم ومؤهلاتهم العالية. في "عيون الأخبار"، يخبرنا ابن قتيبة أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لحامي البصرة أبي موسى الأشعري: "ادع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفاً جاءت من الشام"، فأجابه: "إنه لا يدخل المسجد"، ولما سأله الخليفة عن السبب، أخبره أنّ الكاتب نصراني، فرفع عمر بن الخطاب يده وضرب فخذه، وذكّره بالآية الشهيرة: "يا أيّها الّذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنّصارى أولياء". فقال أبو موسى: "له دينه ولي كتابته"، فأجابه عمر: "لا أكرمهم إذ أهانهم اللّه ولا أعزّهم إذ أذلّهم اللّه ولا أدنيهم إذ أقصاهم اللّه".

    اتبع العديد من الخلفاء طريق أبي موسى الأشعري، وتقرّبوا من الكتّاب النساطرة، فكان لهؤلاء دينهم، وكانت كتاباتهم للخلفاء. نجد في مصدر سرياني عربي رواية بالغة الدلالة تفسّر هذا الاختيار. وفقا لهذه الرواية، أولى الخليفة المعتضد ثقته إلى كاتبه النصراني عبد الله سليمان، فحسده بعض المسلمين ولمّحوا الى أن الخليفة "يميل إلى النصارى"، ولما وصل الخبر إلى المعتضد، خاطب كاتبه وقال له: "إذا وجدت نصرانياً يصلح لك فاستخدمه فهو آمن من اليهود لأن اليهود يتوقعون عودة الملك إليهم، وآمن من المسلم لأنه بموافقته لك في الدين يروم الاحتيال على منزلك وموضعك، وآمن من المجوس لأن المملكة كانت فيهم". باختصار، لا يشكل المسيحيون السريان خطراً على الدولة ولا يصبون إلى الحكم لأنهم لم يكونوا من أصحاب السلطة قبل دخول الإسلام، ولن يتولّوها من بعد. أدت هذه السياسة إلى شراكة سياسية خفية، برزت في فترات معينة، غير أنها لم تكن متواصلة، وتعثرت بشكل كبير في عهد المتوكل حيث أُبعد أهل الذمة عن الدواوين وأعمال السلطان، وفُرضت عليهم سلسلة من القرارات التعسّفية الخاصة بلباسهم وزيّهم. على رغم ذلك، عاد الكتّاب السريان إلى موقعهم، واستعادوا دورهم وإن بدرجة أقل، كما يظهر البحث بشكل علمي مجرّد من الاعتبارات والحساسيات.

    الوساطة المستمرّة

    تتابع على كرسي الدولة العباسية سبعة وثلاثون خليفة، وتتابع على كرسي كنيسة الشرق النسطورية ستة وثلاثون بطريركاً. تحصي سيسيل كابرول في بحثها أسماء مئة وخمسة عشر كاتبا نسطوريا، منهم خمسة وثلاثون دخلوا في الإسلام. اعتنق هؤلاء دين الدولة بشكل "فردي"، وتولوا في بعض الأحيان منصب الوزارة الذي يبقى حكرا على المسلمين، غير أن عائلاتهم بقيت على دينها، وساهم هذا الوضع في إرساء دعائم "السياسة الإسلامية المسيحية" في بغداد، بحسب تعبير لويس ماسينيون. وأبرز مثال على ذلك العلاقة الوطيدة التي جمعت صاعد بن مخلد، الوزير المسيحي الذي دخل الإسلام، بأخيه النصراني المدعو عبدون. من جهته، يرى جان موريس فييه أنّ دخول الكثير من المسيحيين الإسلام في العقود الأخيرة من القرن التاسع أدّى إلى وصول عدد منهم إلى السلطة بصورة غير متوقعة، وبرزهم الكتّاب المتحدرون من مدرسة دير قنّى، وقد ظلّ نفر من أفراد أسرهم على دين آبائهم، كالنساء منهم خصوصاً. "كان من شأن هذا أن يحدث، في ظروف أخرى، قطيعة جذرية، لكن المسلمين الجدد في هذه الحالة لم يتنكّروا لأصولهم، بل أن أقاربهم الذين ظلوا على النصرانية قد تمكنوا بواسطتهم من تحسين حالهم بعض الشيء".

    يلقي الفصل الأخير من الكتاب الضوء على دور الكتّاب كوسطاء لأبناء طائفتهم في الدولة، ويكشف عن دورهم الخفي في انتخاب بعض البطاركة، كما يكشف عن حضورهم في بعض محافل الأدب والفكر والعلم، وقد حافظوا على هذا الحضور في زمن تفكك الدولة العباسية واحتضارها، متجاوزين الكثير من الصعاب التي اختبروها في تلك الحقبة المظلمة من تاريخهم الطويل.


    النهار
    2012-06-16
     
    L

    lamda

    New Member
    لم أفهم بعد الجدوى من هذا القسم. افهم جيدا ان العنوان المسيحية ، ولكن لم افهم بعد ما دخل راي أنسي الحاج بتعريفك عن المسحسية وقرآتك عن المسحية؟ هل هي نقاش في الدين ولا نقاش في الفلسفة ولا نقاش في الجوعهر الدين المسيحي ؟ هل هو بحث ماركسي ولا بحث في اقوال الصحف ولا (إ]يه يا باشا)​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    الشبح يهيم فوق الرؤوس

    محمود الزيباوي




    خرج المسيحيون تدريجياً من عهد الذميّة إلى الشراكة السياسية في مصر تحت حكم أسرة محمد علي باشا، وبلغ هذا التحوّل الكبير بلاد الشام في زمن "الحملة المصرية" التي دامت عشر سنين. شكّلت هذه السياسة منعطفاً جذريا في تاريخ العلاقات "الإسلامية المسيحية"، غير أنها لم تنجح في طرد شبح الفتنة الذي يعود ليهيم فوق رؤوس الجميع بعد عقود من الزمن.

    عام 1951، صدر في مصر كتاب من تأليف جاك تامر عنوانه "اقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام 1922". كان مؤلف الكتاب لبنانيا يعمل في مكتبة القصر الملكي، وكان هدفه عرض "العلاقات بين الأقباط والمسلمين بدافع المؤرخ الذي يسرد الحوادث على حقيقتها، لا بشعور القاضي الذي يحكم بين الطرفين"، على ما جاء في المقدمة. نُشر هذا البحث في مرحلة متوترة سياسيا تميزت بصعود نجم "الإخوان المسلمين"، فأثار نقاشاً حادا، واتُهم صاحبه بتبني آراء معادية للإسلام، ولاسيّما في الجزء الذي عنونه "اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية". ذاع صيت الكتاب، ولم تتم إعادة طباعته بسبب "حساسية" محتواه، وصار من الكتب النادرة، إلى أن "تجرّأت" الهيئة المصرية العامة للكتاب وأعادت نشره منذ عامين.

    يستعيد جاك تامر هذا التاريخ الشائك بتحولاته المتتالية في سبعة أبواب، فيستعرض أولا حال المسيحيين في الحقبة التي شهدت الفتح الإسلامي، ثم يقدّم قراءة مختصرة لموضوع "الشريعة الإسلامية وأهل الذمة"، ويصوّر بشكل مسهب "أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة". في الباب الرابع، نتعرّف إلى أحوال الأقباط في زمن الدولة الطولونية والدولة الأخشيدية قبل أن ندخل زمن عظمتهم ثم اضمحلالهم في عهد الفاطميين. بعدها عصر الأيوبيين ثم المماليك، ونصل إلى الزمن الحديث مع الحملة الفرنسية. يأتي الفصل السابع، وعنوانه "تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط". تشكل هذه الحقبة تحولا تاريخيا مفصليا تبدل فيه موقع الأقباط بشكل جذري. أبطل باني مصر الحديثة قيود الزيّ المفروضة على الأقباط منذ قرون، وشرع في تحقيق المساواة بين المسلمين والأقباط في الحقوق والواجبات، وعيّن مسيحيين كمأمورين على مراكز مهمة في مصر. من جهة أخرى، ألغى الباشا الكبير كل القيود التي كانت تُفرَض على الأقباط لممارسة طقوسهم الدينية، ولم يرفض للمسيحيين أي طلب تقدموا به لبناء الكنائس وإصلاحها. يقارن الباحث بين إصلاحات السلطان محمود الثاني وإصلاحات حاكم مصر، ويجزم أن السلطان العثماني "اكتفى بحذو محمد علي بالكلام لا بالأعمال، وقد صرّح بأنه يريد أن يلغي الفوارق بين أفراد شعبه المنتمين إلى أجناس أو أديان مختلفة، "غير أن هذه التصريحات لم تكن قاطعة إلا من حيث الشكل، ولم تُطبّق عملياً".


    الهلال والصليب

    "كان محمد علي أول حاكم مسلم منح الموظفين الأقباط رتبة البكوية واتخذ له مستشارين من النصارى". أثار هذا التحوّل حفيظة الكثير من المسلمين، كما شهد المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي، غير أن الحاكم مضى بثبات في هذه السياسة الإصلاحية التي أخرجت المسيحيين من الذمية إلى الشراكة السياسية. دخل العنصر القبطي في صلب الأمة في ظل حكم الوالي سعيد باشا الذي ألغى الجزية المفروضة على الذميين في نهاية 1855، وشرّع في مطلع عام 1856 قبول النصارى في الجيش وتطبيق قانون الخدمة العسكرية عليهم. أكمل الخديوي إسماعيل هذه الإنجازات، ورشّح الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، كما عيّن قضاة منهم في المحاكم. على رغم ذلك، يصعب القول بأن هذه السياسة ساوت تماما بين المسلمين والمسيحيين. على سبيل المثال، دخل الكولونيل سليمان باشا في الإسلام بتشجيع من والي مصر، "حيث لا يجوز لغير المسلم أن يتولّى قيادة الجيش، ولا شكّ أن الوالي كان يعلم أن الوقت لم يحن بعد ليقطع صلته كلها بالتقاليد القديمة".

    أسس مصطفى كامل "الحزب الوطني"، ورأى "إن المسلمين والأقباط شعب واحد مرتبط بالوطنية والعادات والأخلاق وأسباب المعاش ولا يمكن التفريق بينهما مدى الأبد‏". جذب هذا الشعار العديد من أعيان الأقباط، غير أنّ هذه المسيرة تعثرت بعد رحيل مصطفى النحاس في ريعان شبابه عام 1908. ظهر الخلاف بين الأقباط والمسلمين من جديد بسبب فكرة إنشاء "الجامعة الإسلامية"، وفجّر الأزمة مقال نشره الشيخ عبد العزيز جاويش في جريدة "اللواء" الناطقة بلسان "الحزب الوطني" تحت عنوان "الإسلام غريب في بلاده". تجلى هذا الخلاف في الكتابات الصحافية المتبادلة بين 1908 و1911، وتأزّم بعد اغتيال رئيس الوزارة بطرس باشا غالي في شباط 1910 على يد الورداني، أحد أتباع "الحزب الوطني". تجاوز الفريقان خلافاتهما في زمن سعد زغلول، وظهرت وحدة "عنصرَي الأمة المصرية" في ثورة 1919 حيث راح المشايخ يخطبون في الكنائس، والقساوسة في المساجد، وارتفعت الأعلام التي تجمع بين الهلال والصليب. أثمرت هذه الثورة، وكانت ثمرتها دستور 1922 القائل بمساواة تامة بين جميع المصريين، ودخل الأقباط يومها مجلس الوزراء بصورة "طبيعية".

    رافقت مجلة "اللطائف المصورة" مسيرة 1919، ونشرت في عددها الصادر في 28 نيسان صورة من المسيرة يظهر فيها شعار الهلال معانقا الصليب على راية من الرايات، وجاء في التعليق: "تناسى الجميع الخلافات والأحزاب التي كانت تفرقهم، ونبذوا الأوهام والعقائد والخرافات، وأقاموا لهم ديناً واحداً هو دين الله تعالى الذي أمر به في كتابه الطاهر، ونعني به دين المحبة، فمحبة الوطن وطّدت دعائم محبة المسلم للقبطي ومحبة القبطي لليهودي ومحبة اليهودي للسوري ومحبة السوري بالتالي لإخوانه، وجعلت الجميع يهتفون معا بصوت واحد ليحيى الوطن وليحيى الإخاء. وأدرك الناس عامتهم وخاصتهم على تباين أجناسهم ونزاعاتهم الدينية أن الوطنية الحرة هي فوق الأحزاب الدينية. وكان أعظم معاني هذا الفوز الأخوي يوم 8 أبريل، إذ ابتدأ باتحاد العنصرين المصريين الكبيرين العنصر القبطي المجيد والعنصر الإسلامي الكبير اتحاداً دُهش له الغرباء قبل الأصدقاء، واقتدى بهما سائر العناصر التي تتألف منها الأمّة المصرية الناطقة بالضاد، فقد أجمعت كلمتها على التآخي مع السادة المسلمين والأقباط، وتمّ بذلك اتحاد الأمة المصرية أجمعها اتحاداً جديداً عجيباً لم يعهد مثله في وادي النيل، هو عنوان فخر الوطن بأبنائه ورمز لتحقيق الأماني والآمال التي تجول في قلب كل مصري صميم. وأجمل تذكار لهذا التآخي الجديد الصورة المطبوعة إلى يسار هذا الكلام وهي تمثل عالماً أزهريا مدّ يده إلى قسيس قبطي علامة الاتحاد، وعقدت فوق رأسيهما رايتان إحداهما راية الوطن والثانية راية التسامح والإخاء وهي مؤلفة من الهلال والصليب، ووقف أعضاء جمعية الشبان المسيحيين وبأيديهم لوحة كتب عليها اسم جمعيتهم وقد صوّرها الخواجا خديج في محل الخواجا متري المصور المشهور، والصورة يجب أن يحفظها كل وطني غيّور شاهدا وتذكارا".

    في هذه الحقبة المضيئة من تاريخ مصر الحديث، لحّن فنّان الشعب سيد درويش "قوم يا مصري مصر أمّك بتناديك"، و"انا المصري كريم العنصرين"،"ما قولتلكش ان الكترة". وردّد المصريون: "إن محمد يكره حنّا، ودخل دول ايه في ديننا"، و"اللي الأوطان بتجمعهم، عمر الأديان ما تفرّقهم". تجلّت هذه الروح في نشيد من نظم بديع خيري تقول كلماته: "فيعش وطننا وحدته أملنا/ ما فيناش أقلية وأكثرية/ نجمع صليبنا ويا هلالنا/ في سبيلك أنت يا حرية/ عزّك حياتنا زلّك مماتنا/ يا مصر بعدك ما لناش سعادة/ لولا اعتقادنا لوجود إلهنا/ لكنا يا بلادي نعبدك عبادة".

    في بلاد الشام

    بلغت سياسة محمد علي الإصلاحية بلاد الشام في ظل "الحكم المصري" الذي استمر من 1831 إلى 1841. قاد هذه الحملة إبرهيم باشا، إبن حاكم مصر، وعرفت بلاد الشام خلال فترة حكمه القصيرة تحولاً يماثل التحوّل الذي شهدته مصر. عومل المسيحيون معاملة المسلمين، وشكلت هذه السياسة صدمة عميقة في المجتمع السوري. قبل وصول إبرهيم باشا، كان القانون يحظر على المسيحيين لبس الحرير والعمائم البيضاء والخضراء والحمراء، كما كان يحظر عليهم انتعال الأحذية بهذه الألوان ويحّرم عليهم ركوب الخيل والسير في الطريق إلى يمين المسلم. رفعت السلطة الجديدة القيود عن الذميين من المسيحيين واليهود، كما رفعتها عن الوزراء الأجانب، وألغت المرتبات التي كانت مفروضة على المعابد والأديرة لجميع طوائف النصارى الكائنة بالقدس الشريف. مُنح حنا البحري لقب بك، وهو حمصي سافر إلى مصر وعمل فيها، وكان أول مسيحي يأخذ هذا اللقب، وقد كلِّف إدارة مال بلاد الشام، بينما عُيِّن أخوه جرمانوس البحري مديرا لمال مديرية حلب. أراد محمد علي من خلال هذه السياسة الانفتاح على كل فئات الشعب في إدارة شؤون البلاد، كما سعى إلى كسب ود الدول الأوروبية التي رفعت شعار "حماية مسيحيي الشرق" للدخول إلى هذه البلاد.

    عاصر شاهين مكاريوس هذه الحقبة، ورأى أن إبرهيم باشا "حكم البلاد بالعدل والإنصاف والحزم والعزم إلى درجة لم تعرف عن الذين تقدموه من الأتراك"، و"جعل فاتحة أعماله تحرير النصارى من رقّ العبودية التي قيّدهم بها الأتراك مدة السنين الطوال، وأبطل الامتياز الذي كان للمسلمين في ملابسهم ومعيشتهم، وصيّر الناس سواءً أمام المحاكم التي أقامها للفصل في دعاوى الناس، وأدخل العدد الكبير من أهل الذمة في عداد الموظفين والمأمورين، فعيّن منهم الكتاب والضباط في الجيش والجندرمة والحكام والمعاونين من كل الأصناف". في المعنى نفسه، تحدّث مخائيل مشاقة بإجلال عن الباشا المصري الذي فرض "العدل والقسط بالرعية والمساواة بين طبقات القوم الرفيع والوضيع على اختلاف العقيدة".

    نقع على شهادات أخرى في نصوص الرحّالة الذين حلّوا في ربوع الشام في تلك الفترة، وتظهر هذه الكتابات كيف أثارت إصلاحات الباشا المصري عامة المسلمين في سوريا، ممّا يذكّر بما حدث في مصر. أدان عامة الدمشقيين خيانة السلطان محمود الثاني للإسلام وتبنّيه المعتقدات الأوروبية الحديثة، فرحبوا بإبرهيم باشا، ثم عادوا ورفضوا سياسته الغربية، وتصدّوا لدعوته التي تسعى إلى فرض المساواة بين أصحاب مختلف الأديان. عام 1932، نقل الرحالة بابتيستان بوجولا عن الممثل القنصلي لفرنسا في دمشق قوله: "قبل فتح ابرهيم لسوريا، لم يكن أي مسيحي مهما كان شأنه يستطيع أن يجتاز أبواب دمشق ممتطيا جواده، أو مسلحا ومرتديا زيا أوروبيا، وإن حراسا مسلمين كانوا يرغمونه على الترجّل عن راحلته قبل دخول المدينة، وكانوا يفرضون عليه دفع جزية، أما في الوقت الراهن فإن هذه الأعمال المذلة التي كانت تمارس ضدّ المسيحيين لم تعد موجودة". بحسب هذا الرحالة الفرنسي، وسم مسلمو دمشق السلطان محمود الثاني بالخيانة لأنه "أراد أن يدخل إلى تركيا بعض منجزات أوروبا المسيحية، وإبرهيم باشا الذي قدّم نفسه إليهم بصفته منقذا للإسلام، وجدوه يمشي بوقاحة تفوق وقاحة سيده في استانبول في مسالك التجديد الكافرة". تتقاطع هذه الشهادة مع شهادة أخرى لرحالة من فرنسا، وهو ألفونس دو لامارتين. تحدّث الشاعر عن مسيحيي دمشق، وقال إنّ ثلاثين ألفا "من المسيحيين الأرمن الذين يسكنون المدينة في حالة ذعر ويخشون أن يتمّ القضاء عليهم إذا انتصر الأتراك مجدّدا، ولاسيما أن المسلمين مستاؤون من المساواة التي وطّدها إبرهيم باشا بينهم وبين المسيحيين، ثم أن بعض المسيحيين يستغلون فرصة التساهل معهم المتوفرة لهم ليشتموا أعداءهم وينتهكوا عاداتهم ما يذكي نار التعصّب بين الأديان".

    شبح الفتنة

    سعى محمد علي باشا إلى إنشاء أمبراطورية عربية واسعة الأرجاء تضم مصر وبلاد الشام والسودان والجزيرة العربية، ودخل في مواجهة مع القوى الإقليمية انتهت بخروج قواته من بلاد الشام بعد التدخل العسكري البريطاني المباشر. اشتعل الصراع الطائفي في جبل لبنان، وتحوّل حرباً بلغت سوريا في عام 1860. ظلّت آثار الحرب حيّة في النفوس خلال عقود من الزمن حتى برزت "الثورة العربية الكبرى" التي دعت إليها الجمعيات العربية السرية في المشرق العربي، وجذبت هذه الثورة الكثير من المسيحيين، مثلما جذبت ثورة 1919 عدداً كبيراً من الأقباط، ونادى الجميع بنهضة الأمة. على امتداد القرن العشرين، في مصر كما في بلاد الشام، شهدت العلاقات الإسلامية المسيحية العديد من الاختبارات، وها هي اليوم تعود إلى المربّع الأوّل. يستعيد المصريون صورة الهلال معانقا الصليب، ويستعيد المشرقيون شعارات الإخاء والوحدة، غير أنّ هذه الصور وهذه الكلمات لم تعد تحجب شبح الفتنة الهائم فوق رؤوس الجميع.

    النهار
    2012-09-15
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    المواطَنة الذمّية

    جورج مسّوح



    النبي محمد في ضيافة الرهبان في الطريق الى الشام، منمنمة عثمانية من القرن السادس عشر


    لا يقرّ الفقه الإسلاميّ، قديمًا وراهنًا، بالمساواة في الحقوق والواجبات ما بين مواطني الدولة القائمة على الشريعة الإسلاميّة. هذا الفقه، وإن زعم تبنّيه المواطنة أساسا للحكم، لا يزال يميّز بين المواطنين على أساس دينيّ ومذهبيّ. أمّا حين يتحدّث بعض الفقهاء والمفكرّين الإسلاميّين عن المواطنة، فتراهم يضعون استثناءات أو تحفّظات تشريعيّة عن مشاركة غير المسلمين في الدولة الإسلاميّة.

    "أهل الذمّة" اصطلاح لا يذكره القرآن الذي ترد فيه عبارة "أهل الكتاب"، أي اليهود والنصارى والصابئون والمجوس1. فيما يخصّص الفقه الإسلاميّ، في مذاهبه كافّة، بابًا خاصًّا بأصول التعامل مع "أهل الذمّة" القاطنين رحاب الدولة الإسلاميّة. ويتوسّع هذا الفقه في الحديث عن "الجزية"، وهو لفظ يَرد مرّةً واحدة في القرآن2، التي يجب على "أهل الذمّة" أداؤها لقاء بقائهم في دولة الإسلام وعدم التعرّض لهم. فُرضت الجزية خلال حقب عدة من التاريخ الإسلاميّ على "أهل الكتاب" من الأمصار المفتوحة. كما كُتب العديد من المؤلّفات الفقهيّة عن تفاصيل الجزية وتفرّعاتها.

    تتفاوت، اليوم، مواقف الإسلاميّين من قضيّة أداء الجزية في البلاد الإسلاميّة التي تسكنها مجموعات من "أهل الكتاب". تراوح هذه المواقف بين إعادة فرض الجزية كونها مقرَّرَة في القرآن، وبين إلغائها أو تغيير اسمها إذا كانت تزعج المواطنين من "أهل الكتاب". يُلاحظ في كتابات الإسلاميّين، عند تناولهم موضوع الجزية، كلامهم على المواطنة واتّفاقها مع الشريعة الإسلاميّة، وتاليًا تأصيلها في التراث الإسلاميّ ومدى انسجامها مع مفهوم "أهل الذمّة" عند الفقهاء.

    لا يتوانى الشيخ يوسف القرضاوي عن مقارنة مفهوم الذمّة في الإسلام مع مفهوم "الجنسيّة" المعاصر، فيقول: "هذه الذمّة تعطي أهلها من غير المسلمين ما يشبه في عصرنا الجنسيّة السياسيّة التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون واجباتهم. فالذمّيّ على هذا الأساس من أهل دار الإسلام كما يعبّر الفقهاء أو من حاملي الجنسيّة الإسلاميّة كما يعبّر المعاصرون"3. في مكان آخر يقول: "وأهل الذمّة يحملون جنسيّة دار الإسلام، وبتعبير آخر هم مواطنون في الدولة الإسلاميّة"4. يؤكد الشيخ محمّد الغزالي في المنحى عينه أنّ اليهود والنصارى الساكنين في ديار الإسلام "أصبحوا من الناحية السياسيّة أو الجنسيّة مسلمين، في ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وإنْ بقوا من الناحية الشخصيّة على عقائدهم، وعباداتهم وأحوالهم الخاصّة"5. ويؤكد الشيخ محمّد سعيد رمضان البوطي أنّ الذمّيّ "مواطنٌ يملك من حقّ المواطنة ما يملكه المسلمون دون أيّ تفاوت في الدرجات"6. ويؤكّد الشيخ وهبة الزحيليّ أنّ من حقوق أهل الذمّة "اكتساب الجنسيّة الإسلاميّة والحقّ في التجنّس والرعويّة الكاملة"7.

    يذهب الشيخ راشد الغنوشي المذهب عينه، إذ يعتبر أنّ "الذمّة" تفيد "حقّ المواطنة في الدولة الإسلاميّة"، وأنّ مصطلح "أهل الذمّة" ليس "لازم الاستعمال في الفكر السياسيّ الإسلاميّ طالما تحقّق الاندماج بين المواطنين وقامت الدولة على أساس المواطنة، أي المساواة حقوقًا وواجبات"8. وبعد أن يقول بالمساواة بين جميع المواطنين، مسلمين ومسيحيّين، يستثني المسيحيّين في ما يخصّ "مقتضيات النظام العامّ أو هويّة المجتمع ونوع القيم العليا التي تحكمه". ويوافق رأي الشيخ حسن الترابي رأي الغنوشي من حيث الاعتراف بمواطنة المسيحيّين المشروطة بخضوعهم لمقوّمات الدولة الإسلاميّة، فهو يقول: "وكفلت أصول الإسلام وشرائعه للمواطنين من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب الحقوق العامّة المتساوية، ما التزموا الواجبات العامّة في الدولة والموالاة بعضهم لبعض. فلهم ما لنا وعليهم ما علينا"9.

    غير أنّ الغنوشي يرى امتيازات يتمتّع بها المسلم في الدولة الإسلاميّة محجوبة عن غير المسلم، ولا يرى أيّ ضير في ذلك. فهو يعتبر أنّ المسلم، بحكم إسلامه وانتمائه إلى الإسلام، يعلو على غيره من غير المسلمين ويحقّ له ما لا يحقّ لغيره من مواقع. وتكون المواطنة، بالنسبة إليه، مواطَنتين: واحدة خاصّة بالمسلم وثانية خاصّة بغير المسلم. تقوم نظريّته على القول بأنّ "المواطنة في الدولة (الإسلاميّة) تُكتسب بتوفّر شرطين هما الانتماء للإسلام والسكن في قطر الدولة الإسلاميّة، معنى ذلك إمكان تصوّر مواطنة خاصّة لمَن توفّر فيه شرط واحد: بالنسبة إلى المسلم خارج إقليم الدولة - أي مجال سيادتها - وبالنسبة إلى غير المسلم القاطن في إقليم الدولة وأعطى ولاءه لها. وهذان النوعان من المواطنة الخاصّة يُكسبان صاحبهما حقوقًا هي دون حقوق المواطن الذي استكمل الشرطين، وكلٌّ منهما يملك استكمال الشرطين، الأوّل بالانتقال إلى إقليم الدولة، والثاني بدخوله الإسلام، فإذا آثر غير ذلك تحمّل بالطبع مسؤوليّة اختياره"10. أمّا الوظائف التي يحرَّم على غير المسلمين تولّيها في الدولة الإسلاميّة فهي المواقع الرئيسيّة ذات المساس "بهويّتها" كالرئاسة العامّة مثلاً11. في مكان آخر يقول الغنوشي: "إنّ المساواة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة هي الأصل، وأنّ التميّزات التي تفرضها الطبيعة العقديّة للدولة الإسلاميّة لا ينبغي أن تُسقط ذلك الأصل. فلغير المسلم الحقّ في تولّي كلّ الوظائف، عدا ما اقتضته الخصوصيّة الإسلاميّة لوظيفة معيّنة"12.

    أمّا في ما يتعلّق بوظائف الدولة التي يمكن "أهل الذمّة" أن يشغلوها، فقد ميّز الفقهاء في هذا الشأن بين الوظائف التي يمكن غير المسلمين أن يتولّوها والوظائف التي لا يمكن إلاّ المسلمين أن يتولّوها. يقول القرضاوي في هذا الصدد: "ولأهل الذمّة الحقّ في تولّي وظائف الدولة كالمسلمين. إلاّ ما غلب عليه الصبغة الدينيّة كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات ونحو ذلك"13. وقد ميّز علماء المسلمين بين ما يسمّى "وزارات التنفيذ" و"وزارات التفويض"، فقالوا بجواز تولّي غير المسلمين لوزارات التنفيذ من دون وزارات التفويض. وذلك لأنّ "وزير التنفيذ يُبلَّغ أوامر الإمام ويقوم بتنفيذها (...) بخلاف وزارة التفويض التي يكل فيها الإمام إلى الوزير تدبير الأمور السياسيّة والإداريّة والاقتصاديّة بما يراه"14.

    يعتبر السيّد محمّد حسين فضل الله أنّ الإسلام دين عبادة ودين مدنيّة، وعلى هذا الأساس يعطي الإسلام لغير المسلمين دورًا في مجتمعه، فيقول: "إنّ الجانب المدنيّ في الإسلام يعطي للمسيحيّين حقّ المواطنيّة كما يعطيها للمسلمين مع بعض التحفّظات التشريعيّة التي لن تنال من كرامة أحد"15. أمّا هذه التحفّظات التي أشار إليها فضل الله فيعرضها في مكان آخر قائلاً: "الدولة الإسلاميّة لا تفرّق بين مواطنيها في مواطنيّتهم إلاّ بالمدى الذي يلتزمون فيه الخطّ العامّ للدولة في الفكر الذي يرتكز عليها أساسها لأنّه لا معنى للمساواة العامّة بعيدًا عن ذلك، ولهذا فإنّ الذين لا يلتزمون الفكر العامّ لا دور لهم في القرارات المصيريّة القائمة على هذا الفكر، على مستوى العلاقات والتشريعات التي لا بدّ أن تنطلق من القناعات بالأساس الذي ترتكز عليه الدولة، ولكنّهم يعيشون مواطنيّتهم مع الآخرين في الحقوق والواجبات بحيث يشاركون في القرارات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة في ما عدا الجوانب العسكريّة التي قد تصطدم بقناعات هؤلاء"16. يبدو أنّ فضل الله يستبعد المسيحيّين عن الخدمة العسكريّة خوفًا من أن تتعارض قناعات المسيحيّين مع الحرب التي يقوم بها المسلمون، ولا يرى غضاضة في دخول المسيحيّين الجيش إذا توفّرت "الضوابط الأمنيّة العامّة لحركة الحرب وأمن المحاربين"17، أي إذا وُضع لكلّ مسيحيّ يدخل الجيش عنصرٌ أمنيّ يراقبه!

    يدافع فضل الله عن مبدأ الجزية معتبرًا أنّ الإسلام قد منحها كامتياز لأهل الكتاب على بقيّة المواطنين من المسلمين. وأمّا تعبير "الصغار" الوارد ذكره في الآية القرآنيّة الكريمة (التَّوْبَة 9، 29)، والذي يعني، لغةً، في ما يعنيه الذلّ والهوان، فهو بالنسبة إليه "تعبير عن الخضوع للسلطة العامّة بعد التمرّد عليها"18. هذا الامتياز المسمّى "الجزية" يراه فضل الله مؤسَّسا على القرآن الكريم الذي يميّز بين أهل الكتاب، ومنهم المسيحيّون، وبين المشركين. فبينما يدعو القرآن الكريم المشركين إلى الدخول في الإسلام، يدعو المسيحيّين إلى دفع الجزية فقط، ويعلّق فضل الله على هذا الأمر قائلاً إنّ القضيّة لو كانت قضيّة اضطهاد فكريّ لكانت المسألة "أو يسلمون" عوض أن تكون "حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"19. وهو، هنا في هذا السياق، يستشهد، بشأن المشركين، بالآية القرآنيّة الكريمة التي تقرّر: "قُلْ لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" (الفَتْح 48، 16)، ليستنتج أنّ الإسلام إنّما منح المسيحيّين امتيازًا إذ فرض عليهم الجزية، في حين أنّه أمر المسلمين بمقاتلة المشركين حتّى يسلموا.

    يدافع فضل الله أيضًا عن تعبير "أهل الذمّة" منطلقًا من كون غير المسلمين "أقلّيّة" في الدولة الإسلاميّة وينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم من الأقلّيّات، سياسيّة أو دينيّة، في أيّ دولة من دول العالم. ويعتبر أيضًا أنّ هذا التعبير لا يسيء إلى "إنسانيّة الإنسان بل يحترم إنسانيّته ويضمن له حقوقه". وإذا تساءل المسيحيّون لماذا لا نستطيع الوصول إلى المناصب العليا للقرار؟ فالجواب عند فضل الله موجود: "فأيّة دولة تقوم على فكر معيّن لا يمكن أن تسمح لأيّ شخص لا يؤمن بهذا الفكر بأن يصل إلى مراكز القرار"20.

    غير أنّ القرضاوي يصرّ على إعلاء الرابطة الدينيّة على كلّ ما عداها من الروابط. لذلك، يرفض التسامح القائم على "تمييع" الأديان، بدعوى "الوطنيّة أو القوميّة"، معتبرًا أنّه لنفاق زائف إعلاء الرابطة الوطنيّة أو القوميّة على الرابطة الدينيّة، أو إعلاء العلمانيّة على الرابطة الدينيّة. ويرفض، تاليًا، التنازل عن دينه أو تركه بدعوى التسامح أو الانفتاح. فبالنسبة إليه، "ليس من التسامح أن يُطلب من المسلم تجميد أحكام دينه، وشريعة ربّه، وتعطيل حدوده، وإهدار منهجه للحياة، من أجل الأقلّيات غير المسلمة، حتّى لا تقلق خواطرها، ولا تتأذّى مشاعرها". التسامح، عنده، يقوم "على ما أمر به الدينان من حسن الجوار، وحبّ الخير للجميع، ووجوب العدل مع الجميع"21.

    يرفض محمّد الغزالي، بدوره، مفهوم القوميّة إذا تعارض ذلك مع إيمانه بالإسلام. وهو يعتقد أنّ الوحدة الوطنيّة والقوميّة بين المسلمين والمسيحيّين ينبغي ألاّ تقوم على مبدأ الابتعاد عن الإيمان أو باعتماد العلمانيّة، فيقول: "أمّا أنّنا مصريّون فنحن لا ننكر وطننا ولا نجحده، وأمّا أنّ شرط المصريّة الصميمة الانسلاخ من الإسلام فهذا ما نستغربه. أيّ غضاضة يا قوم، في أن تكون الوحدة الوطنيّة بين متديّنين لا ملحدين"22. وهو نفسه يقول في مكان آخر إنّه يستريح "إلى قيام اتّحاد بين الصليب والهلال، بيد أنّنا نريده تعاونًا بين المؤمنين بعيسى ومحمّد لا بين الكافرين بالإسلام والمسيحيّة جميعًا"23. يستبعد الغزالي، إذًا، أيّ إمكان لاتّحاد قوميّ أو وطنيّ جامع بين المسلمين والمسيحيّين لا يكون عماده الإيمان بالله على أساس الإسلام والمسيحيّة.

    ينحو الشيخ سعيد حوّى المنحى ذاته، إذ يرفض التخلّي عن المبادئ الإسلاميّة من أجل صيغة غير إسلاميّة تجمع المسلمين وغير المسلمين في الدولة الواحدة، فيقول: "إنّ شعوب الأمّة الإسلاميّة لن تتخلّى عن الإسلام، التاريخ شاهد، والواقع شاهد، وبالتالي فغير المسلمين بالخيار: أن يرحلوا، أو يتعاقدوا مع المسلمين على صيغة عادلة. فإن أرادوا الثالثة - أي أن يتخلّى المسلمون عن إسلامهم - فهذا لن يكون لهم ولا لغيرهم"24. ثمّ يحذّر حوّى غير المسلمين لأنّ الإسلام لا بدّ سيحكم، لذلك ينصح لهم بالإسراع "للبحث عن صيغ للتعاقد مع المسلمين ترضي كلّ الأطراف، قبل أن يأتي اليوم الذي يُفرض فيه هذا التعاقد من طرف واحد"، مؤكّدًا أنّ هذا الفرض، يوم يحصل، "لن يكون إلاّ لصالح الجميع"25.

    لا يسع قارئ "وثيقة الأزهر" (حزيران 2011)، التي أعلنها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب، في شأن مستقبل مصر، إلاّ أن يلاحظ العديد من الأمور الإيجابيّة التي تتضمّنها. أهمّها ما ورد في البند الأوّل عن "دعم تأسيس الدولة الوطنيّة الدستوريّة الديموقراطيّة الحديثة"، القائمة على "دستور ترتضيه الأمّة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسّساتها القانونيّة الحاكمة، ويحدّد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكلّ أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب".

    سرعان ما يشعر القارئ بالتناقض حين تشترط الوثيقة أن تكون سلطة التشريع المنوطة بنواب الشعب متوافقة "مع المفهوم الإسلاميّ الصحيح"، وحين تشترط أيضًا "أن تكون المبادئ الكلّيّة للشريعة الإسلاميّة هي المصدر الأساسيّ للتشريع". فيتساءل القارئ: مَن هي المرجعيّة التي تحدّد المفهوم الإسلاميّ الصحيح للتشريع؟ فيأتيه الجواب في البند الحادي عشر الذي يؤكّد "اعتبار الأزهر الشريف هو الجهة المختصّة التي يُرجع إليها في شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهيّة والفكريّة الحديثة".

    عبر هذه الوثيقة ينصّب الأزهر نفسه سلطةً عليا فوق سلطة مجلس النواب. فالكلام واضح ولا لبس فيه، إذ يتعيّن على مجلس النواب المنتخب من الشعب لمهمّة التشريع الخضوع لرأي الأزهر في مسألة سنّ القوانين والتشريعات. وليس لمجلس الشعب أن يقرّ أيّ قانون لا يتّفق والرؤيّة "الإسلاميّة الصحيحة" التي يقرّرها علماء الأزهر. وهذا يتناقض وقول الوثيقة بأنّ "الإسلام لم يعرف لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يُعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينيّة الكهنوتيّة التي تسلّطت على الناس". أليس تنصيب الأزهر نفسه مرجعًا على الدولة إنّما هو نوع من أنواع الدولة الدينيّة الكهنوتيّة؟ ألم يقع الأزهر، بذا، في الفخّ الذي يحاول تحذير الناس منه؟

    صحيح أنّ الوثيقة تقرّ "لأتباع الديانات السمويّة الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينيّة في قضايا الأحوال الشخصيّة"، غير أنّ هذا لا يكفي للقول بأنّ مواطنة غير المسلمين قد أضحت كاملة بفضل هذا الإقرار. فالمسألة ليست في الأحوال الشخصيّة أو في بناء الكنائس أو في سواها من القضايا، بل في المساواة التامّة في الحقوق والواجبات الفرديّة. ما يؤكّد حذرنا هو رأي الدكتور حسن الشافعي مستشار شيخ الأزهر بالدولة الوطنيّة الديموقراطيّة التي هي، وفق قوله، "دولة الدين الإسلاميّ الرئيسيّ للتشريع (...) فالجميع يجب أن يدرك أنّ تطبيق الشريعة الإسلاميّة هو ضمان للتعدّديّة وحرّيّة الاعتقاد وممارسة العبادات لأصحاب الديانات السمويّة الأخرى، الذين تكفل لهم الشريعة الإسلاميّة أيضًا الاحتكام إلى شريعتهم في ما يتعلّق بشؤونهم وبالأخصّ في الأحوال الشخصيّة". ليست الشريعة الإسلاميّة هي الضمان للتعدّديّة وحرّيّة الاعتقاد... بل الدولة المدنيّة الحقيقيّة التي تحترم الاعتقادات الدينيّة والتي لا سلطة دينيّة تعلو عليها، هي الدولة المدنيّة التي يعود سلطان التشريع إلى الشعب وحده ممثّلاً بنوابه المنتخبين.

    مع ظاهر الإيجابيّات التي تتضمّنها الوثيقة الأزهريّة، ثمّة فخاخ عدة قد تؤدّي إلى عكس ظاهرها. وليس تأكيد مرجعيّة الأزهر، الذي يمكن وضعه في سياق قطع الطريق أمام مرجعيّات سلفيّة أو متشدّدة، سوى تأكيد مأزق الفكر الإسلاميّ في شأن الدولة المستقبلة. متى تخرج المؤسّسات الدينيّة من الازدواجيّة في الخطاب، ومن الجمع ما بين أمرين لا يجتمعان؟

    المواطنة، وفق الأدبيّات الفقهيّة الإسلاميّة، هي مواطنة تنقصها المشاركة في القرارات التشريعيّة والعسكريّة. وأهمّ عامل يمكن التدليل به على المواطنة الصحيحة والمساواة التامّة بين المواطنين إنّما هو المشاركة في شؤون الدولة كلّها ولاسيّما التشريعيّة والعسكريّة بالإضافة إلى السياسيّة. لذلك، يسعنا القول بأنّ ثمّة ظاهرًا وباطنًا في هذه الأدبيّات، فاصطلاح "المواطنة" ليس سوى "ذمّيّة" كامنة تنتظر الظروف المؤاتية لتصبح واقعًا ملموسًا.


    هوامش

    1- انظر القرآن الكريم، سورة الحجّ 22، 17.
    2 - {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الأَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التّوبة 9، 29).
    3- القرضاوي، غير المسلمين في المجتمع الإسلاميّ، ص 7. أمّا الفقهاء المقصودون في الاستلال الوارد فيذكر القرضاوي السرخسي (شرح السير الكبير) والكاساني (البدائع) وابن قدامة (المغني). ويذكر من المعاصرين عبد القادر عودة (التشريع الجنائيّ الإسلاميّ) وعبد الكريم زيدان (أحكام الذمّيّين والمستأمنين).
    4- القرضاوي، الأقلّيّات الدينيّة والحلّ الإسلاميّ، ص 30.
    5- الغزالي، التعصّب والتسامح، ص 52.
    6- البوطي، الجهاد في الإسلام، ص 140.
    7- الزحيليّ، الإسلام وغير المسلمين، ص 180.
    8- الغنوشي، الحرّيّات العامّة في الدولة الإسلاميّة، ص 46.
    9- فهمي هويدي، "الصحوة الإسلاميّة والمواطنة والمساواة"، في سعد الدين إبرهيم (تحرير وتقديم)، الصحوة الإسلاميّة وهموم الوطن العربيّ، منتدى الفكر العربيّ، عمّان، الطبعة الثانية، 1997، ص 201-202.
    10- الغنوشي، الحرّيّات العامّة في الدولة الإسلاميّة، ص 291.
    11- الغنوشي، المرجع السابق، ص 291.
    12- الغنوشي، المرجع السابق، ص 328.
    13- القرضاوي، غير المسلمين، ص 23.
    14- القرضاوي، المرجع السابق، ص 24.
    15- فضل الله، في آفاق الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، ص 67.
    16- فضل الله، المرجع السابق، ص 106.
    17- فضل الله، المرجع السابق، ص 106.
    18- فضل الله، المرجع السابق، ص 107.
    19- فضل الله، المرجع السابق، ص 120.
    20- فضل الله، المرجع السابق، ص 121.
    21- القرضاوي، غير المسلمين، ص 87-88.
    22- عن طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنيّة، ص 672-673.
    23- المرجع السابق.
    24- حوّى، المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين، ص 278.
    25- حوّى، المرجع السابق، ص 278-279.


    النهار
    2012-09-15​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    أنطاكية مدينة الله العظمى

    المطران جورج خضر


    Antioch as seen by Abraham Ortelius.

    أنا لست أخترع "مدينة الله العظمى" وهي ليست كبرياء بيزنطية فالاسم وثني والعهود المسيحية تلقته تلقيا. المسيحيون اتخذوا اسم الله الذي تحمله عبارة مدينة الله اتخاذا أقرب إلى قلوبنا. في تاريخ الاسم أن "التلاميذ دعوا مسيحيين في أنطاكية أولاً" (أعمال 11: 26). لماذا تحسستهم أنطاكية؟

    أنطاكية عاصمة سوريا الرومانية هي التي اطلقت الإنجيل إلى العالم. عندي أن المسيحية لم تلبس فيها ثوبا يونانيا – ولم أقل إنها صارت يونانية – لأنها كانت في حاجة إلى أن تخاطب الحضارة اليونانية آنذاك أي كل حضارة العالم. كانت في حاجة إلى أن تتمدين، ان تتهلين مع بقائها إنجيلية.

    هذا الكلام لا تقبلوه اذا اعتقدتم ان المسيحيّة اتخذت العقل اليوناني قوقعة لها. المسيحية تتجسد بلا تقوقع. لقد قلنا لمن لا يؤمن بانجيلنا إننا نأخذ أساليب كلامية لنبلغ الرسالة ونبقى على هويتنا اي امناء للمسيح.

    فعندما استعرنا الفلسفة اليونانية لنصوغ العقيدة انما استعرناها اداة ولم نتخذها مضمونا. المضمون موروث وهو الانجيل ونلبس الثوب الذي نحتاج إلى الظهور به. نحن نزاوج الحضارات ولا نمازجها. اللاهوت لغة الوحي وليس الوحي.

    الذين لا يعرفوننا بدءًا من هرنك (Harnack) الألماني ووصولا إلى بعض من العرب نرجو ان يفهموا اننا لا نفلسف الوحي الذي اقتبلناه واننا نأتي من الكتاب الالهي وليس من الفلسفة ولو استعملناها هنا وهناك لكي نبلغ الرسالة إلى العقول المرتبطة بالحضارة الأوروبيّة العقلانيّة أو بحضارة العرب التي يسهل عليها ان تتخيلنا آتين من هذا المنزل أو ذاك من العقلانية الحديثة.

    ***

    أراد بعض القوم ان ينسبونا إلى ما هو خارج عن الوحي الإلهي ونحن لا نعترف بمصدر آخر لرؤيتنا وان كنا نتقن صناعة التلاحم بالفكر البشري دونما إذعان. ان تتلاقى وشرائح من الفكر فهذا أداء شهادة. ان تتلاقى لا يعني انك مدين لما هو خارج الإنجيل. والتلاقي تفرضه علينا فلسفة التجسد. ما لم يفهم احد ان المسيحية مفتوح كلامها على ما جاء من الفكر البشري لا يفقه شيئا فيها.

    ان دراستنا لأنبياء العهد القديم ولبولس تفهم على ان ما نسميه كلام الله انّما هو مشاركة بين الله وحاملي الوحي. نحن لا نؤمن بإملاء إلهي أو ان لله صوتا تسجله أنت. نحن نؤمن (بلا شرك) ان الله اختار أفواه بشر لينطق بها. نجيء من الإلهام الإلهي فيأتي الكلام المنسوب إلى الوحي كلاما إلهيا وبشريا بآنٍ ما لا يدخل النسبيّة إلى المطلق الإلهي ولا يكشف اختلاطا بين المعنى المسكوب من فوق والكلام الذي استعاره الله.

    ***

    ليست أنطاكية غريبة عن المدى البيزنطي بمعناه الروحي والفكري. هي وأورشليم ودمشق وشمال سوريا نبض واحد في كيان المسيحية الشرقيّة. الشرق، بهذا التعريف، ليس مدى جغرافيا. هو التلاقي بين الروح القدس والمقدسات في الهلال الخصيب. لذلك كان اللاهوت الشرقي بما فيه الاحساس الروماني والنسك نتاجا واحدا. واللاهوت عندنا ينقل التصوف أو يلتقيان في قلب الزهاد وممارساتهم مع بعض من كلامهم ومن كل صور مسالكهم.

    هذا ليس افرازا جغرافيا لكنه اخلاص للعقيدة. هذا حراك إلهي في البشرة تجده في المشرق القديم وفي انبعاثه الحاضر في اليونان وروسيا وصربيا وما إليها. واذا قيل عنه روحانية مشرقية فهذا ليس له علاقة بالحيز المكاني اذ تجده عند رهبان اقصى الشمال وفي بلاد الشام ومصر. هو انظومة عقائد ومسالك في امداء شاسعة.

    هذه اذا سميناها أنطاكية تجذب كل ما حولها فلكون المنطقة الكنسية الأنطاكية أي سوريا ولبنان الحاليين حملا هذه الروحانية والفكر الذي صيغ منها والروحانية صارت ما هو معروف باللاهوت المشرقي هذا الذي تحمله بامتياز الكنيسة الأرثوذكسية. وبهذا نؤكد ثانية المدى الأول الذي نقبله والمدى المستجد منه تاريخيا بالبشارة.

    أوروبا الشرقية كلها آتية أعماقها من هنا. الرومانية الشرقية، لنؤكدها ثانية، ليست مدى بدليل انها تحيا بعد هجرة الروس إلى باريس وأديرة يونانية في الولايات المتحدة وبمقابل هذا انتقلت رومانية الغرب المسيحي إلى كل أصقاع الدنيا. في هذا المجال لم يعد المدى يعني شيئا.

    واذا كان هذا الوصف حقيقيا يأتي الكلام مذهبيا لا مدى فيه. فلك ان تكون هنديا وتنتج لاهوتا كاثوليكيا طيبا كما هي الحال اليوم او تكون مولودا في فرنسا على الكثلكة وتعتنق البوذية. كما هو مشهور.

    الروحانيات يحملها ناس على مذاهب مختلفة. فهناك كاثوليك أوروبيون تنشئهم الروحانية الأرثوذكسية ويظلون على عقيدتهم. تتحرك اذا مستقلا إلى حد في روحانيات ليست من مذهبك اذا شدتك إلى عمقها وكثافتها.

    تتلمذت في التصوف الإسلامي على أوروبيين يستمدون حياتهم الروحية من كل المناهل ربما لانهم ليسوا طائفيين ولا كانوا على العقيدة المسيحية. يصغون إلى صوت الحق انى توجهت ركائبه. لهم مذهب يؤمنون به ولو تحركوا في كل مدى من أجل الحق. لما كنا طلابا للتصوف ونعرف في الكنيسة التصوف المسيحي الأرثوذكسي. كنا نحسب ان التصوف الإسلامي منا واننا منه ولا نحصره في دين. لست أعلم كيف كان رفقاؤنا المسلمون يتصرفون عقليا. ولما كنا نحب الأشياء التي عندهم، ما كنا نحس اننا خرجنا على المسيحية وكنا عظيمي الإقبال على دراسة التصوف.

    كنا نخرج إلى الجنائن الإسلامية الروحية ونحس انها ليست بعيدة من الجنائن المسيحية التي كان الأوائل منا يعرفونها. وما كان يؤذينا التشدد الإسلامي الذي كان يكره التصوف. ما همنا والغلاة؟ وما كنا نقول ان المتصوفة المسلمين ليست قلوبهم إلى قلوبنا مع كوننا نعرف عقائد الديانتين.

    هناك كان شيء واحد يجمعنا وهو العشق الإلهي. طبعا كنا نعرف جيدا ان العلماء المسلمين كانوا متحفظين عن عبارات الحب الصادرة من متصوفيهم. نحن جعلنا أنفسنا ملتصقين بهؤلاء وكان إسلامهم يحركنا.

    هل كان الهلال الخصيب على إسلام يروقنا وعلى مسيحيّة رآها فينا رفقاؤنا المسلمون طيبة، عطرة. كان هناك لقاء في النفوس، جنة وورود ندخل إليها جميعا. اذا كنت تعرف القرآن واسماء الشجر فيه وحضرت جنازة أرثوذكسية تحس انك في عالم شعري واحد. النص يستدعي نصا مشابها إلى ذهنك ان كنت تعلم المصادر. هناك وحدة وجدانية في ما يتعلق بالموت. الموت يشدنا إلى نصوصه في هذا الشرق الباكي.

    هل هذا الشرق يلدنا دائما ويأخذنا إلى الأوقات التي تسبق الموت، تلك الأوقات التي تناجي الله التماسا للقيامة.

    النهار
    2013-02-16​
     
    Reynold

    Reynold

    Member
    الشبح يهيم فوق الرؤوس

    محمود الزيباوي




    خرج المسيحيون تدريجياً من عهد الذميّة إلى الشراكة السياسية في مصر تحت حكم أسرة محمد علي باشا، وبلغ هذا التحوّل الكبير بلاد الشام في زمن "الحملة المصرية" التي دامت عشر سنين. شكّلت هذه السياسة منعطفاً جذريا في تاريخ العلاقات "الإسلامية المسيحية"، غير أنها لم تنجح في طرد شبح الفتنة الذي يعود ليهيم فوق رؤوس الجميع بعد عقود من الزمن.

    عام 1951، صدر في مصر كتاب من تأليف جاك تامر عنوانه "اقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام 1922". كان مؤلف الكتاب لبنانيا يعمل في مكتبة القصر الملكي، وكان هدفه عرض "العلاقات بين الأقباط والمسلمين بدافع المؤرخ الذي يسرد الحوادث على حقيقتها، لا بشعور القاضي الذي يحكم بين الطرفين"، على ما جاء في المقدمة. نُشر هذا البحث في مرحلة متوترة سياسيا تميزت بصعود نجم "الإخوان المسلمين"، فأثار نقاشاً حادا، واتُهم صاحبه بتبني آراء معادية للإسلام، ولاسيّما في الجزء الذي عنونه "اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية". ذاع صيت الكتاب، ولم تتم إعادة طباعته بسبب "حساسية" محتواه، وصار من الكتب النادرة، إلى أن "تجرّأت" الهيئة المصرية العامة للكتاب وأعادت نشره منذ عامين.

    يستعيد جاك تامر هذا التاريخ الشائك بتحولاته المتتالية في سبعة أبواب، فيستعرض أولا حال المسيحيين في الحقبة التي شهدت الفتح الإسلامي، ثم يقدّم قراءة مختصرة لموضوع "الشريعة الإسلامية وأهل الذمة"، ويصوّر بشكل مسهب "أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة". في الباب الرابع، نتعرّف إلى أحوال الأقباط في زمن الدولة الطولونية والدولة الأخشيدية قبل أن ندخل زمن عظمتهم ثم اضمحلالهم في عهد الفاطميين. بعدها عصر الأيوبيين ثم المماليك، ونصل إلى الزمن الحديث مع الحملة الفرنسية. يأتي الفصل السابع، وعنوانه "تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط". تشكل هذه الحقبة تحولا تاريخيا مفصليا تبدل فيه موقع الأقباط بشكل جذري. أبطل باني مصر الحديثة قيود الزيّ المفروضة على الأقباط منذ قرون، وشرع في تحقيق المساواة بين المسلمين والأقباط في الحقوق والواجبات، وعيّن مسيحيين كمأمورين على مراكز مهمة في مصر. من جهة أخرى، ألغى الباشا الكبير كل القيود التي كانت تُفرَض على الأقباط لممارسة طقوسهم الدينية، ولم يرفض للمسيحيين أي طلب تقدموا به لبناء الكنائس وإصلاحها. يقارن الباحث بين إصلاحات السلطان محمود الثاني وإصلاحات حاكم مصر، ويجزم أن السلطان العثماني "اكتفى بحذو محمد علي بالكلام لا بالأعمال، وقد صرّح بأنه يريد أن يلغي الفوارق بين أفراد شعبه المنتمين إلى أجناس أو أديان مختلفة، "غير أن هذه التصريحات لم تكن قاطعة إلا من حيث الشكل، ولم تُطبّق عملياً".


    الهلال والصليب

    "كان محمد علي أول حاكم مسلم منح الموظفين الأقباط رتبة البكوية واتخذ له مستشارين من النصارى". أثار هذا التحوّل حفيظة الكثير من المسلمين، كما شهد المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي، غير أن الحاكم مضى بثبات في هذه السياسة الإصلاحية التي أخرجت المسيحيين من الذمية إلى الشراكة السياسية. دخل العنصر القبطي في صلب الأمة في ظل حكم الوالي سعيد باشا الذي ألغى الجزية المفروضة على الذميين في نهاية 1855، وشرّع في مطلع عام 1856 قبول النصارى في الجيش وتطبيق قانون الخدمة العسكرية عليهم. أكمل الخديوي إسماعيل هذه الإنجازات، ورشّح الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، كما عيّن قضاة منهم في المحاكم. على رغم ذلك، يصعب القول بأن هذه السياسة ساوت تماما بين المسلمين والمسيحيين. على سبيل المثال، دخل الكولونيل سليمان باشا في الإسلام بتشجيع من والي مصر، "حيث لا يجوز لغير المسلم أن يتولّى قيادة الجيش، ولا شكّ أن الوالي كان يعلم أن الوقت لم يحن بعد ليقطع صلته كلها بالتقاليد القديمة".

    أسس مصطفى كامل "الحزب الوطني"، ورأى "إن المسلمين والأقباط شعب واحد مرتبط بالوطنية والعادات والأخلاق وأسباب المعاش ولا يمكن التفريق بينهما مدى الأبد‏". جذب هذا الشعار العديد من أعيان الأقباط، غير أنّ هذه المسيرة تعثرت بعد رحيل مصطفى النحاس في ريعان شبابه عام 1908. ظهر الخلاف بين الأقباط والمسلمين من جديد بسبب فكرة إنشاء "الجامعة الإسلامية"، وفجّر الأزمة مقال نشره الشيخ عبد العزيز جاويش في جريدة "اللواء" الناطقة بلسان "الحزب الوطني" تحت عنوان "الإسلام غريب في بلاده". تجلى هذا الخلاف في الكتابات الصحافية المتبادلة بين 1908 و1911، وتأزّم بعد اغتيال رئيس الوزارة بطرس باشا غالي في شباط 1910 على يد الورداني، أحد أتباع "الحزب الوطني". تجاوز الفريقان خلافاتهما في زمن سعد زغلول، وظهرت وحدة "عنصرَي الأمة المصرية" في ثورة 1919 حيث راح المشايخ يخطبون في الكنائس، والقساوسة في المساجد، وارتفعت الأعلام التي تجمع بين الهلال والصليب. أثمرت هذه الثورة، وكانت ثمرتها دستور 1922 القائل بمساواة تامة بين جميع المصريين، ودخل الأقباط يومها مجلس الوزراء بصورة "طبيعية".

    رافقت مجلة "اللطائف المصورة" مسيرة 1919، ونشرت في عددها الصادر في 28 نيسان صورة من المسيرة يظهر فيها شعار الهلال معانقا الصليب على راية من الرايات، وجاء في التعليق: "تناسى الجميع الخلافات والأحزاب التي كانت تفرقهم، ونبذوا الأوهام والعقائد والخرافات، وأقاموا لهم ديناً واحداً هو دين الله تعالى الذي أمر به في كتابه الطاهر، ونعني به دين المحبة، فمحبة الوطن وطّدت دعائم محبة المسلم للقبطي ومحبة القبطي لليهودي ومحبة اليهودي للسوري ومحبة السوري بالتالي لإخوانه، وجعلت الجميع يهتفون معا بصوت واحد ليحيى الوطن وليحيى الإخاء. وأدرك الناس عامتهم وخاصتهم على تباين أجناسهم ونزاعاتهم الدينية أن الوطنية الحرة هي فوق الأحزاب الدينية. وكان أعظم معاني هذا الفوز الأخوي يوم 8 أبريل، إذ ابتدأ باتحاد العنصرين المصريين الكبيرين العنصر القبطي المجيد والعنصر الإسلامي الكبير اتحاداً دُهش له الغرباء قبل الأصدقاء، واقتدى بهما سائر العناصر التي تتألف منها الأمّة المصرية الناطقة بالضاد، فقد أجمعت كلمتها على التآخي مع السادة المسلمين والأقباط، وتمّ بذلك اتحاد الأمة المصرية أجمعها اتحاداً جديداً عجيباً لم يعهد مثله في وادي النيل، هو عنوان فخر الوطن بأبنائه ورمز لتحقيق الأماني والآمال التي تجول في قلب كل مصري صميم. وأجمل تذكار لهذا التآخي الجديد الصورة المطبوعة إلى يسار هذا الكلام وهي تمثل عالماً أزهريا مدّ يده إلى قسيس قبطي علامة الاتحاد، وعقدت فوق رأسيهما رايتان إحداهما راية الوطن والثانية راية التسامح والإخاء وهي مؤلفة من الهلال والصليب، ووقف أعضاء جمعية الشبان المسيحيين وبأيديهم لوحة كتب عليها اسم جمعيتهم وقد صوّرها الخواجا خديج في محل الخواجا متري المصور المشهور، والصورة يجب أن يحفظها كل وطني غيّور شاهدا وتذكارا".

    في هذه الحقبة المضيئة من تاريخ مصر الحديث، لحّن فنّان الشعب سيد درويش "قوم يا مصري مصر أمّك بتناديك"، و"انا المصري كريم العنصرين"،"ما قولتلكش ان الكترة". وردّد المصريون: "إن محمد يكره حنّا، ودخل دول ايه في ديننا"، و"اللي الأوطان بتجمعهم، عمر الأديان ما تفرّقهم". تجلّت هذه الروح في نشيد من نظم بديع خيري تقول كلماته: "فيعش وطننا وحدته أملنا/ ما فيناش أقلية وأكثرية/ نجمع صليبنا ويا هلالنا/ في سبيلك أنت يا حرية/ عزّك حياتنا زلّك مماتنا/ يا مصر بعدك ما لناش سعادة/ لولا اعتقادنا لوجود إلهنا/ لكنا يا بلادي نعبدك عبادة".

    في بلاد الشام

    بلغت سياسة محمد علي الإصلاحية بلاد الشام في ظل "الحكم المصري" الذي استمر من 1831 إلى 1841. قاد هذه الحملة إبرهيم باشا، إبن حاكم مصر، وعرفت بلاد الشام خلال فترة حكمه القصيرة تحولاً يماثل التحوّل الذي شهدته مصر. عومل المسيحيون معاملة المسلمين، وشكلت هذه السياسة صدمة عميقة في المجتمع السوري. قبل وصول إبرهيم باشا، كان القانون يحظر على المسيحيين لبس الحرير والعمائم البيضاء والخضراء والحمراء، كما كان يحظر عليهم انتعال الأحذية بهذه الألوان ويحّرم عليهم ركوب الخيل والسير في الطريق إلى يمين المسلم. رفعت السلطة الجديدة القيود عن الذميين من المسيحيين واليهود، كما رفعتها عن الوزراء الأجانب، وألغت المرتبات التي كانت مفروضة على المعابد والأديرة لجميع طوائف النصارى الكائنة بالقدس الشريف. مُنح حنا البحري لقب بك، وهو حمصي سافر إلى مصر وعمل فيها، وكان أول مسيحي يأخذ هذا اللقب، وقد كلِّف إدارة مال بلاد الشام، بينما عُيِّن أخوه جرمانوس البحري مديرا لمال مديرية حلب. أراد محمد علي من خلال هذه السياسة الانفتاح على كل فئات الشعب في إدارة شؤون البلاد، كما سعى إلى كسب ود الدول الأوروبية التي رفعت شعار "حماية مسيحيي الشرق" للدخول إلى هذه البلاد.

    عاصر شاهين مكاريوس هذه الحقبة، ورأى أن إبرهيم باشا "حكم البلاد بالعدل والإنصاف والحزم والعزم إلى درجة لم تعرف عن الذين تقدموه من الأتراك"، و"جعل فاتحة أعماله تحرير النصارى من رقّ العبودية التي قيّدهم بها الأتراك مدة السنين الطوال، وأبطل الامتياز الذي كان للمسلمين في ملابسهم ومعيشتهم، وصيّر الناس سواءً أمام المحاكم التي أقامها للفصل في دعاوى الناس، وأدخل العدد الكبير من أهل الذمة في عداد الموظفين والمأمورين، فعيّن منهم الكتاب والضباط في الجيش والجندرمة والحكام والمعاونين من كل الأصناف". في المعنى نفسه، تحدّث مخائيل مشاقة بإجلال عن الباشا المصري الذي فرض "العدل والقسط بالرعية والمساواة بين طبقات القوم الرفيع والوضيع على اختلاف العقيدة".

    نقع على شهادات أخرى في نصوص الرحّالة الذين حلّوا في ربوع الشام في تلك الفترة، وتظهر هذه الكتابات كيف أثارت إصلاحات الباشا المصري عامة المسلمين في سوريا، ممّا يذكّر بما حدث في مصر. أدان عامة الدمشقيين خيانة السلطان محمود الثاني للإسلام وتبنّيه المعتقدات الأوروبية الحديثة، فرحبوا بإبرهيم باشا، ثم عادوا ورفضوا سياسته الغربية، وتصدّوا لدعوته التي تسعى إلى فرض المساواة بين أصحاب مختلف الأديان. عام 1932، نقل الرحالة بابتيستان بوجولا عن الممثل القنصلي لفرنسا في دمشق قوله: "قبل فتح ابرهيم لسوريا، لم يكن أي مسيحي مهما كان شأنه يستطيع أن يجتاز أبواب دمشق ممتطيا جواده، أو مسلحا ومرتديا زيا أوروبيا، وإن حراسا مسلمين كانوا يرغمونه على الترجّل عن راحلته قبل دخول المدينة، وكانوا يفرضون عليه دفع جزية، أما في الوقت الراهن فإن هذه الأعمال المذلة التي كانت تمارس ضدّ المسيحيين لم تعد موجودة". بحسب هذا الرحالة الفرنسي، وسم مسلمو دمشق السلطان محمود الثاني بالخيانة لأنه "أراد أن يدخل إلى تركيا بعض منجزات أوروبا المسيحية، وإبرهيم باشا الذي قدّم نفسه إليهم بصفته منقذا للإسلام، وجدوه يمشي بوقاحة تفوق وقاحة سيده في استانبول في مسالك التجديد الكافرة". تتقاطع هذه الشهادة مع شهادة أخرى لرحالة من فرنسا، وهو ألفونس دو لامارتين. تحدّث الشاعر عن مسيحيي دمشق، وقال إنّ ثلاثين ألفا "من المسيحيين الأرمن الذين يسكنون المدينة في حالة ذعر ويخشون أن يتمّ القضاء عليهم إذا انتصر الأتراك مجدّدا، ولاسيما أن المسلمين مستاؤون من المساواة التي وطّدها إبرهيم باشا بينهم وبين المسيحيين، ثم أن بعض المسيحيين يستغلون فرصة التساهل معهم المتوفرة لهم ليشتموا أعداءهم وينتهكوا عاداتهم ما يذكي نار التعصّب بين الأديان".

    شبح الفتنة

    سعى محمد علي باشا إلى إنشاء أمبراطورية عربية واسعة الأرجاء تضم مصر وبلاد الشام والسودان والجزيرة العربية، ودخل في مواجهة مع القوى الإقليمية انتهت بخروج قواته من بلاد الشام بعد التدخل العسكري البريطاني المباشر. اشتعل الصراع الطائفي في جبل لبنان، وتحوّل حرباً بلغت سوريا في عام 1860. ظلّت آثار الحرب حيّة في النفوس خلال عقود من الزمن حتى برزت "الثورة العربية الكبرى" التي دعت إليها الجمعيات العربية السرية في المشرق العربي، وجذبت هذه الثورة الكثير من المسيحيين، مثلما جذبت ثورة 1919 عدداً كبيراً من الأقباط، ونادى الجميع بنهضة الأمة. على امتداد القرن العشرين، في مصر كما في بلاد الشام، شهدت العلاقات الإسلامية المسيحية العديد من الاختبارات، وها هي اليوم تعود إلى المربّع الأوّل. يستعيد المصريون صورة الهلال معانقا الصليب، ويستعيد المشرقيون شعارات الإخاء والوحدة، غير أنّ هذه الصور وهذه الكلمات لم تعد تحجب شبح الفتنة الهائم فوق رؤوس الجميع.

    النهار
    2012-09-15
    Mohammed Ali could have changed history... The Western world intervened in favor of the Ottomans.
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    الآخرون

    المطران جورج خضر


    "لا تتّكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص" (مزامير 146: 3). الاتكال ان تجعل الآخر وكيلاً لك عند الله أو عضداً لك عنده لأنك تعرف نفسك فقيرًا وتخشى عجزك عن رؤية الله وان يكون هو وحده متكأك. أنت تسعى في وحدتك إلى ثنائيّة وهي غير كافية لتتجاوز بها عزلتك. الثنائيّة هي الوجه إلى الوجه واذا كان كل وجه هشّا تكون رميت نفسك في هشاشتين.

    تكون قد ظننت نفسك اكتملت في الثاني لكنه بسبب مما يعوزه من الوجود لا يوصلك إلى اكتمال كيانك. يسندك فقط وقد لا يأتي سنده عظيمًا فتنهاران معًا. نقصانان نحن لا يصيران وحدة. فاما اذا اتحدت بالله بمعرفة محبوبيتك عنده تغدو واحدا فيه. أنت بالمحبة لا تضيف الى الله شيئا. تكتمل أنت به. تكتمل نسبيا قبل رؤية الملكوت. لكن هذه الرؤية هنا سابقة للوجود الكامل عند رؤيتك الله بالموت. عند ذاك، تكون قد أكملت سعيك.

    كلّ كمال على الأرض فقط سعي إلى ان يكلّلك الربّ في اليوم الأخير. لذلك لا نبلغ الرؤية كاملة لا قبل الموت ولا بعده اذ لا يسعك ان تكمل الا مع القديسين اذا اجتمعوا إلى ربّهم في اليوم الأخير. الخلاص هو للجميع مجتمعين. قبل ذلك نحن في السعي.

    أنت تكمل بالضعفاء اذا احببتهم فانتشلتهم. كل البشريّة مجموعة مهمشة ترى إلى مجدها فقط في اليوم الأخير. وأنت في هذه المجموعة عندما تنضمّ اليها بالحب. أنت منها واليها في الرجاء اعني رجاءك إلى الله. ليست كلمة واحدة في الكتاب تعدك بالمحبوبيّة اذا أنت أحببت. الجواب عن حبك ما قال عنه الكتاب ان له مردودا. قد يردّ إلى الحب البغض الظالم أي الذي ليست ذاتك منبعا له. اذا كنت مؤمنا كبيرا لك ان تنتظر العزلة. ولعلها تنقذك لأن لك نصيبا ان تكون حبيب الله الذي لا يترك أحدًا يموت عطشا أو يحزن بسبب من سراب.

    أنا ما قلت ان دعوتك الوحيدة ان تحيد عن كلّ وجه اذ ليس فيه كامل العزاء. شرعي ان تسعى إلى إقامتك في محبوبيّتك أي ان تقيم بالحب الذي تعطى لكنه ليس شرعيا ان تكتفي بهذا أي قد تجد نفسك منفيا إلى "صحراء الحب" كما يقول فرنسوا مورياك أي ان يحكم عليك بعض الذين ترجو محبتهم بالانعزال. حقك ان تطلب الانتباه اليك وأريد بذلك انضمام الناس إلى محبّة الله لا اليك. تصير عظيم الوجود لو سعيت إلى تلك الوحدة الصافية الإلهية التي تجمع نساكها إلى ربهم.

    ~~~

    حزننا اذا بقينا على هشاشة بشرتنا كوننا لم نبلغ السماء. هذا في حد نفسه حزن جميل لأن التقوى هي استباق الفردوس هنا في الحب الإلهي.
    المشكلة اننا لن نبلغ الملكوت هنا إلا مع الأطهار عنيت بهم الذين يحبوننا بالرب بلا شرط فينا. وقوّة سعينا في الرؤية التي اليها نتوق ودربنا التوق حتى نموت. والأطهار قلّة عزيزة وعنيت بهم الذين يطوقونك بالحب الإلهي الذي لا يستند إلى أي شرط فيك لكنه يأتيك من مجانية المحبة الأخوية التي هي انعكاس للمحبة الإلهية المجانية بطبيعتها.

    يلفتني في الانجيل ان الرب يسوع عندما تكلّم عن المحبة قال انك تعطيها وما وعدك مرة انك تُعطاها. هو كان يعرف التعزيات البشريّة التي كانت له من الجماعة التي احتاط بها ولا سيما من بطرس ويوحنا ويعقوب لكنه ما أراد ان نتكئ على التعزيات. كل تعليمه من هذه الزاوية انك تعطي بلا حساب أي بلا توقع لمردود. أنت تتكون من المحبة التي تعطيها أمل الاخذ لأنك موجود فقط اذا أعطيت واذا أعطيت لا يعني انهم اخذوا. لذلك قال: "بدّد اعطى المساكين فيدوم برّه إلى الأبد" (مزامير 112: 9). المحبة ليس فيها شرط في الآخر. أنت تعطي بلا حساب أي لا تتوقع المبادلة ولا تتوقع الوفاء. قلبك هو الذي يعطي اذا انفتح للعطاء وليس في أقوال الكتاب ان قلبك مفتوح لتأخذ. قد يبادلونك العاطفة واذا انزعجوا منك أو يئسوا أو جافوك بسبب ما في أنفسهم من جفاء تبقى مصرا على العطاء لأنك بهم تعطي ربك وتنتظر اليوم وغدا وحسبك ان تعايشه لأنه هو وحده العطاء.

    والرد على هذا القول أعرفه اذ قد يقال انك يا فلان تطلب الصحراء الكاملة في قلوبنا. أنا لا أطلب الصحراء الكاملة. أنا أراها تحققت في القديسين وهم قد أعطوا مجانا لأنهم كانوا يرون إلى وجه الله على كل وجه وإلى وجهه هذا المرتسم أعطوا وأبوا ان ينظروا إلى القباحة وتروّضوا على انّ كل وجه بشريّ كامل الجمال اذا أنت قرأت عليه بهاء المسيح.

    ~~~

    كلّ قلب بشري معرّض ان يصبح وكرًا للأفاعي كما يقول فرنسوا مورياك. أنت لا تحب الأفاعي لكن القلب البشري الذي يبقى على صورة الله ولو حوى الأفاعي. تعليمنا ان صورة الله المشوّهة في كلّ منّا لا يزول عنها الحب الإلهي الذي يحضنها. واذا أنت بقيت على الرجاء فهو رجاء إلى الله الذي ينزل إلى النفس لأنه يحبّها وليس لأن فيها جمالات باهرة اذ لنا ان نتروّض على هذا الأمل الصعب ان كل نفس ذائقة الموت حبيبة الله إلى ان يتوفاها.

    عليك أنت ان تتربى على ان ربّك يحبّ كلّ نفس. وما من شك انه يؤدّبها لكونه يحبّها على الدوام. عليك ان تحب كلّ نفس ولو سقطت وربما كان عليك ان تزداد لها حبا اذا امعنت في السقوط.

    لعل صعوبتنا في الوجود ان كنا من المؤمنين ان نرى السقوط دائما فينا وفي الناس. لكنا نكون قد بلغنا قمة السذاجة لو احسسنا ان هذا الوجود فردوسي. الفردوس تسكنه نفوس من بلغوا الجهاد الأعظم أي جهاد النفس، الذين عرفوا ان النفس مسكن الله دون بهجة هذا العالم.

    لعل ذروة الجهاد الا ترى نفسك شيئا وان ترى الآخرين معك اذا احببتهم أي ان تروا أنفسكم أحباء الله. وليس عليك ان تحسب محبة الله لأحد. المهم ان تؤمن بها لأننا بها نحيا. وأنت أمام المحبة الإلهية فقير اليها. وهي التي توجدك وتربيك على ذاتها.

    اما اذا ظننت انك صرت شيئا فتخسر كل شيء. واذا بطل ايمانك بأن النعمة تحييك وتغفر لك خطاياك تصبح عدما أو شبه عدم. ليس عليك ان تفهم كيف يستخدمك الرب لمجده. أنت معطى وهو يستخدمك لمجده كما يشاء. "انما الدين عند الله الإسلام" بعميق ما في هذه الكلمة من معنى. تعال واسبح في بحر الله فيعلمك... كل شيء ويستخدمك لمجده كما يريد.

    هو يرى علاقتك بمجده وأنت لا تعلم. قال المخلّص لك ولأترابك: "تعالوا إليّ أيّها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم". لا تخشَ اذاً العبء الذي ألقي عليك. قد تقع على الطريق كما وقع الذي حمل صليبه إلى الجلجلة. لا بدّ له ان يؤتيك بمن يسعفك على طريق الآلام لأنه يريدك قائما معه في اليوم الثالث.

    النهار
    2013-04-13​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    الكتابة البهيّة

    المطران جورج خضر


    الكتابة البهيّة أو القول المليح تبدو للشخصيّة الجميلة الطيبة في اقتبالها لآلامها أو في تأججها وهذا أبعد من مخاض. انه ولادة في الحق أو ولادة في البهاء. وهذا أو ذاك صدور من الله واذا خفتم العبارة فخلق من الله. ليس الإنسان خالقًا يؤتينا أشياء من لا شيء. المبدع يجهّز لك ما استلم من إلهامه من حيث ان ربّك وحده هو المبدع وانك تتلقى ما أوحى به لك ليظهرك جديدًا ويظنّ الناس انهم يعيشون منك والحق انهم يستلمون منك ما استلمت من ربك.

    هل الإبداع مشاركة كما الجنين؟ هذا يأتي من ذكر وأنثى تلاقيا. من أين أو ممن يأتي جنين الفكر أو الفن؟ أنت تسمى مبدعا ان قلت الأشياء كما لم يقلها أحد ولكن الأشياء نسميها لك أو منك والحق انك مستودعها. لا يزيد الإنسان شيئا على الخلق الذي وُجد مرة واحدة. انه يرتّب الخلق الذي تلقّاه. ينسب له لأنه عرف ان يتقبّل وان يسلّم.

    وتسلّم من تراث وليس التراث تكرارا آليا. هو احتضان بحب أي انه ولادة جديدة. ولكنك تلد من بذرة زرعها الله فيك. الجديد في القول الحسن جميل فالكلمة كان في البدء وما جاء بعده صور عنه فالله وحده مبدع الكلمات. وقياسا على هذا الإبداع الذي لا يزيد على الله شيئا نقول عن أهل الفن والكلمة الكبار انهم مبدعون.

    نحن هنا أمام سؤال صعب يتعلّق بطبيعة الكلمة. أنت تقولها جديدة في هذا الالتحام البديع بين معناها وصورتها اللفظية. هذه مشكلة لن نتعرّض لها لأننا في الأخير لا نعرف كيف تجيء الكلمات. ما صورتها فينا، كيف تصير على اللسان؟ أنت طبعا لا تستطيع ان تعقل المعنى ما لم يرتسم اللفظ على لسانك أو قلمك اذ ليس من فكر بلا لباس. ما من كلمة (معنى) بلا جسد لها. عن المسيح قال يوحنا: «الكلمة صار جسدا ونصب خيمته في حيّنا». هذا معنى الترجمة المألوفة: «وحلّ فينا» والمراد حلّ بيننا لأننا نتبدى على الأرض ونصير حضرا ان هو جاورنا فالتصقنا به ينصب خيمتنا إلى خيمته.

    في مطلع الإنجيل الرابع نقرأ: «في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وإلهًا كان الكلمة». وردت لفظة الكلمة بصيغة المذكر وأردنا الترجمة هكذا لنطابق اليونانية ولنعني ان ما ورد هكذا هو كلمة الله أي كيان قائم بذاته، إلهيّ، لا مجرّد نطق إلهي عرضي.

    الله يبدو فيك ثم منك لتكون كلمته. وتكون أنت كذاك بمقدار ما أنت مسيح، ذلك ان يسوع الناصري ينتج مسحاء. واذا قلنا ان المسيح حيّ إلى الأبد من بعد قيامته فلكي نعني انه والد الحياة فينا يوما بعد يوم ولحظة من بعد لحظة. فالمسيح يتوالد بمعنى انه يصدر عنه مسحاء أي ناس ممسوحون بنعمة روحه.

    لا تصدر منك كلمة حياة ما لم تكن ثمرة العطاء الإلهي. ليس الإنسان بخالق يأتي بالأشياء من لا شيء. ليس للعدم وجود من بعد الخلق. انت يقويك الله ولذلك لك معنى. ولكونه حقا تصبح بقوله ناقل حق. لذلك لا معنى لهذا البحث المزعوم فلسفيا عن العلاقة بينك وبين الله. أفهم التمايز الفلسفي بين هذين الكائنين ولكن العاشقين طلقوا الفلسفة من بعد الاتحاد.

    وما دمنا أسرى العقل المحض نبحث عما لنا وعما لله في ثنائية عقليّة ولكن العاشقين لا يناقشون العلاقة بين ما لهذا وما لذاك. اما في العشق فالبحث عما لي بخاصة وعما للآخر هو ثنائية الطلاق. العقل المستضاء بالنعمة لا تميّزه عن النعمة. واذا عشت فيها وبها لا تبحث عن مقولات. انا أفهم هذا الإصرار على العقل في اهتمام فلسفات القرون الوسطى التي كانت أسيرة اليونان. اما الذين عرفوا ضياء الله في الوحي فقد تحرروا من اليونان وباتوا من الكلمة الإلهية التي هي حياة الله.

    لا يعني هذا اننا نبطل العقل ولكنا نضيئه بالعقل الإلهي الذي هو الوحي. واذا نزلت علينا كلمته نعيش من النور المسكوب علينا فيسكن في كلماتنا. وفي هذا نتكون أي تأتي كلماتنا صورة عن الكلمة الإلهية والكلمة الإلهية والفم الإلهي واحد في آذاننا وقلوبنا حتى لا نسمع ما وضعه ربك في هذه القلوب.

    والنعمة كلمة الله أو هما واحد حتى تزول الكلمات المخلوقة التي على لساننا. ونصغي فقط إلى ما رسب فينا من العقل الإلهي​
    .
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    [lang=ar]

    الصليب في الإسلام


    محمود الزيباوي


    مخطوط سرياني يعود إلى عام 1191، المكتبة الوطنية الفرنسية​

    انشغلت وسائل الإعلام بظهور راهبات دير القديسة تقلا على شاشة قناة "الجزيرة" بعد خروجهن القسري من معلولا في شريط مصوّر أكدن فيهن سلامتهنّ. إثر هذا الظهور السريع، عرضت عدد من المواقع صوراً تظهر فيه الراهبات بصلبانهن "قبل الخطف"، وأخرى من دون هذه الصلبان "بعد الخطف". وكتب موقع "بانوراما الشرق الأوسط" معلّقاً: "يزعم المسلحون انهم نقلوا الراهبات للحفاظ على حياتهن وانهن باستضافتهم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا يوجد على صدور الراهبات أي صليب ما دامت الراهبات ضيوفاً، والضيف يُكرم ويُعطى الحرية".

    يعيد هذا السؤال إلى الذاكرة كتاب وضعه العلامة الدمشقي حبيب الزيات عنوانه "الصليب في الإسلام، درس مذهبي تاريخي مقتبس من الأصول الإسلامية". صدر هذا البحث عام 1935 عن مطبعة القديس بولس في حريصا من ضمن سلسلة "وثائق لدرس تاريخ البطريركيات الملكية"، وقدمّته مجلّة "المسرّة" يومذاك هدية لقرائها في ذلك العام. بعد سبعة عقود، أعادت "منشورات المكتبة البولسية" نشر هذا الكتاب، وافتتحت به سلسلة "مجموعة حبيب الزيات"، وحملت الطبعة الجديدة مقدمة قيمة ومجموعة من الفهارس العلمية وضعها الدكتور وسام كبكب. في هذه المقدمّة، أشار المحقّق إلى جرأة الزيات في "نقل الكلام كما ورد، حتى لو كان فيه إدانة للموقف الإسلامي من القضايا المطروحة"، وأشار إلى خطورة بعض هذه القضايا وحساسيتها، وقال في الختام: "أمّا الخطورة ففي نوعية المعلومات التي أبرزها ودقّة طرحها، إذ قد تعتبر، للوهلة الأولى، مسيئة لأجواء الحوار الإسلامي المسيحي، ولكنّها إذ قُوّمت بأن التاريخ عبرة تؤخذ منه الدروس الحلوة والمرّة، فإنّها تصبح إذ ذاك مادة يستفيد منها المسلمون للتحاشي عن أخطاء أسلافهم في التعامل مع المسيحيين، وتصبح حينها مؤلفات الزيات زاداً أساسياً لإرساء الحوار المسيحي الإسلامي في الشرق على أسس عقلانية".

    في بحثه المثير، يبرز حبيب الزيات ما قيل في كتب التراث عن الصليب، في الشعر والأدب والتاريخ والمذاهب، وتعددية المواقف منه دينياً ومدنياً "بين رفع وخفض، وظهور وخفاء، وتشدّد فيه وتسامح". يبدأ الباحث رحلته بالحديث عن "الصليب في اللغة"، وينقل عن "لسان العرب": "الصليب ما يتّخذه النصارى قِبلة، والجمع صلبان وصلب. وثوب مصلّب فيه نقش كالصليب". و"صليب الصلبوت"، وهو الصليب الذي استلبه صلاح الدين "من الفرنج يوم حطين، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلاً مرصعاً بالجواهر النفيسة"، بحسب ابن كثير في "البداية والنهاية"، وهو الصليب "الذي "تزعم النصارى أن عيسى عليه السلام صُلب عليه" كما يقول الذهبي في "تاريخ الإسلام". والنصارى في أمهات كتب التاريخ والاخبار الإسلامية هم "أتباع الصلبان"، و"عباد الصليب"، و"عبدة الصلبان"، وقد حمل صلاح الدين الأيوبي ومن بعده الظاهر بيبرس لقب "قامع عبدة الصلبان".

    في كتب الحديث المعتمدة، لا نجد في "صحيح البخاري" ذكراً للصليب سوى في حديث يتيم يُعرف بـ"حديث كسر الصليب وقتل الخنزير"، ونصّه: "لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما، مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". في "النهاية في غريب الحديث والأثر"، يذكر ابن الأثير الحديث الذي نهى فيه الرسول "عن الصلاة في الثوب المصلّب"، أي "الذي فيه نقش أمثال صلبان". ومنه: "كان إذا رأى التصليب في موضع قضبه"، وحديث عائشة: "فاولتها عطافا فرأت فيه تصليبا، فقالت: نحّيه عنّي". وحديث ام سلمة: "انها كانت تكره الثياب المصلّبة". ونجد في "لسان العرب"، حديث عدي بن حاتم في المعنى نفسه، ونصّه: "قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: أَلْقِ هذا الوثَن عنك". وقد سمّى الأعشى الصليب وثناً في بيت من نظمه: "تطوف العفاة بأبوابه/ كطوف النصارى ببيت الوثن".

    تعظيم الصليب

    في الجانب المقابل، تحفل كتب الأدب والشعر بالروايات والأبيات التي تشهد لحضور الصليب في عبادات المسيحيين. في "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"، يخبرنا شهاب الدين العمري ان جرير دخل في يوم عيد دير سمعان، ورأى "النساء والصبيان يقبّلون الصُلُب ويسجدون لها"، فقال:

    رأيتُ بدير سمعان صليبا/ تقبّله السوادن والظباء
    تعظّمه القسوس وتحتويه/ فترشفه ويخنقها البكاء
    فقلت لهم مهٍ هل غير عود/ تملّكه اعوجاج واستواء

    وفي "تزيين الأسواق في أخبار العشاق"، يروي داود الأنطاكي حكاية عن الوليد بن يزيد الذي عشق نصرانية، "وراسلها فأبت عليه، فكاد أن يطيش عقله، فتنكر يوم عيد للنصارى، وبايع صاحب بستان تتنزّه فيه بنات النصارى فأدخله، فلما رأته قالت للبواب: من هذا؟ قال لها: مصاب. فجعلت تمازحه حتى اشتفى بالنظر إليها، فقيل: أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا لها هو الخليفة، فأجابت حينئذ وتزوج بها"، وقال فيها:

    أضحى فؤادك يا وليد عميداً/ صباً قديماً للحسان صيودا
    من حب واضحة العوارض طفلة/ برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
    ما زلت أرمقها بعيني وامق/ حتى بصرت بها تقبل عودا
    عود الصليب فويح نفسي من/ رأى منكم صليباً مثله معبودا
    فسألت ربي أن أكون مكانه/ وأكون في لهب الجحيم وقودا

    يتجلّى تعظيم النصارى للصليب في قول أبي نواس في غلام من النصارى:

    قد رضينَا بسلامٍ/ أو كلامٍ من قريبِ
    فبروحِ القُدس عيسى/ وبتعظيمِ الصليب
    قفْ إذا جِئْتَ إلينا/ ثمّ سلّم يا حَبيبي

    كما يتجلّى في مناظرة شهيرة بين مسلم ونصراني، تحدّث عنها البيروني في "الآثار الباقية"، وتُعرف باسم "مناظرة بين الهاشمي والكندي".

    من المفارقات الغريبة، يحضر الصليب بقوة في كتابات خلعاء الشعراء الذين قصدوا الأدرية طلبا للنزهة وشرب الصهباء، ويُعرف نتاج هؤلاء الشعراء بأدب الديارات. قال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع في وصف دير قوطا، بالبردان، على شاطئ دجلة:

    أقمت بالدير حتى صار لي وطناً/ من أجله ولبست المسح والصلبا
    وصار شماسه لي صاحباً وأخاً/ وصار قسيسه لي والداً وأبا

    وقال الكندي المنبجي في حديثه عن دير مَرمَاعُوث، على شاطئ الفرات:

    ولقد سلكت مع النصارى كل ما/ سلكوه غير القول بالثالوث
    بتناوُل القربان والتكفير للصـ/ لبان والتمسيح بالطيبوث
    ورجَوتُ عفوَ الله متكلاً على/ خير الأنام نبيه المبعوث

    لبس النصارى الصلبان في أعناقهم في ديار الإسلام، والشواهد الأدبية في ذلك كثيرة. في زمن الأمويين، اشتهر الأخطل بسلسلة ذهب في عنقه يتدلّى منها صليب، وعُرف بـ"ذو الصليب". ونقل أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني": "لقد كان الأخطل يجيء وعليه جبة خز وحرز خز، في عنقه سلسلة ذهب فيها صليب ذهب، تنفض لحيته خمراً، حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن".

    وفي زمن العباسيين، هام عبد الله بن العباس بن الفضل بجارية نصرانية، وقال فيها:

    يتثنى بحسن جيد غزال... وصليت مفضض آبنوسي
    كم لثمت الصليب في الجيد منها... كهلال مكلل بشموس

    وقال عبد الله المعتز في "ظبي" هام به:

    وشرب كأسٍ في مجلس بهجٍ/ لم أر هما به ولم يرني
    من كف ظبي مقرطق غنجٍ/ يعذرني من عليه يعذلني
    تلوحُ صلبانه بلبتهِ/ كنور خيرية على غصن

    وقال مدرك بن علي الشيباني في عشق عمرو بن يوحنّا:

    يا ليتني كنت له صليباً/ أكون معه أبداً قريبا
    أبصر حسناً وأشم طيباً/ لا واشياً أخشى ولا رقيبا

    وقال الخالدي في وصف دير سعيد، غرب الموصل:

    سَعِدَت صُحْبتي بدير سعيد/ يوم عيدٍ في حسْنه ألفُ عيد
    كم فتاة مثل المهاة سلَبْنا/ ها صليباً من بين نَحر وجِيد

    في قصور الخلافة، زيّنت الفتيات والجواري نحورهنّ بصلبان الذهب، ولم تثر هذه الزينة نقمة كبار الخلفاء كما يبدو. في "تاريخ الرسل والملوك"، يروي الطبري: "دخل المهدي بعض دوره يوماً فإذا جارية له نصرانية، وإذا جيبها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها، وإذا صليب من ذهب معلّق في ذلك الموضع؛ فاستحسنه، فمد يده إليه فجذبه، فأخذه، فولولت على الصليب، فقال المهدي في ذلك: يوم نازعتها الصليب. فقالت: ويح نفسي أما تحل الصليبا". وفي "الأغاني"، يروي الأصفهاني حكاية تقول إن المأمون شوهد في يوم من أيام الشعانين وسط عشرين وصيفة من الروميات، "قد تزينّ بالديباج الرومي، وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب، وفي أيديهن الخوص والزيتون". في "الأغاني"، أيضاً وأيضاً، قيل إن عبد الله سبط الفضل بن الربيع، وزير الأمين، هام بجارية نصرانية رآها في بعض أعياد النصارى، "فكان لا يفارق البيع في أعيادهم شغفاً بها، فخرج في عيد مار سرجيس، فظفر بها في بستان إلى جانب البيعة، وقد كان قبل ذلك يراسلها ويعرفها حبه لها، فلا تقدر على مواصلته ولا على لقائه إلا على الطريق، فلما ظفر بها التوت عليه وأبت بعض الإباء، ثم ظهرت له وجلست معه، وأكلوا وشربوا، وأقام معها ومع نسوة كن معها أسبوعاً، ثم انصرفت في يوم خميس"، فقال فيها: كم لثمت الصليب في الجيد منها/ كهلال مكلل بشموس.

    وصف العديد من الكتاب والأدباء احتفالات المسيحيين بعيد الشعانين، ورفعهم الصلبان في هذه الاحتفالات. تغنّى الثرواني بدير الحريق بالحيرة، وقال: خرجنا في شعانين النصارى وشيّعنا صليب الجاثليق. وقيل عن زبيدة بنت جعفر المنصور، زوجة ابن عمّها الرشيد ووالدة الأمين، إنها تشارك في صنع "أعلام الشعانين وصلبانًا من ذهب وفضّة". وقيل إن المأمون نزل الدير الأعلى بالموصل يوم عيد الشعانين، فجلس "في موضع منه حسن مشرف على دجلة والصحراء والبساتين"، وشاهد رهبانه وقسانه "وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر، قد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة"، فاستحسنه، "ثم أمر بإخراج من معه من وصائفه المزنرات، فأخرج إليه عشرون وصيفة كأنهم البدور، عليهن الديباج، وفي أعناقهن صلبان الذهب، بأيديهن الخوص والزيتون".

    حجب الصليب

    في الجهة المعاكسة، يعرض حبيب الزيات في بحثه طائفة من الشواهد التي تنقل صورة مغايرة تماماً لهذا الواقع، وتبرز هذه الصورة بنوع خاص في باب "قول المسلمين إنّ الصليب أحقّ بالاطّراح والمقت"، وباب "كسر الصلبان وإحراقها".

    في حديثه عن العهود التي عُقدت في زمن الفتوحات، يشير الباحث إلى ذكر مسألة ظهور الصليب في عهد واحد فقط، وهو العهد الذي أعطاه عياض بن غنم لأهل الرقة يوم دخلها، ونصّه كما برواية البلاذري في "فتوح البلدان": "أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم لا تخرب ولا تسكن إذا أعطوا الجزية التي عليهم ولم يحدثوا مغيلة، وعلى أن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة، ولا يظهروا ناقوسا ولا باعوثا ولا صليبا". في زمن الخلافة العباسية، اشتهر المتوكّل بفرضه شروطا بالغة القسوة على أهل الذمّة، منها منع النصارى "من إظهار في شعانينهم صليباً، وأن يستعملوه في الطريق"، كما نقل ابن الأثير في "الكامل في التاريخ". وفي دار الخلافة الفاطمية، أمر الحاكم بأمر الله "ألا يظهر صليب ولا تقع عليه عين، ولا يُضرب بناقوس".

    يتوقف الزيات أمام أبرز المحن التي تعرّض لها المسيحيون على مر العهود الإسلامية. في عهد الأمويين، كان ابرز أعداء الصليب عبد الملك بن مروان وشقيقه عبد العزيز بن مروان، حاكم مصر. وفي زمن الفاطميين، كان الحاكم بأمر الله أكثر الحكام المسلمين تشدّدا في هذا الشأن. بحسب رواية المقريزي، في سنة 988، منع الحاكم النصارى "من تزيين كنائسهم، وحملهم الخوص على ما كانت عادتهم، وقبض على عدة ممن وجد معه شيئاً من ذلك، وأمر بالقبض على ما هو محبس على الكنائس من الأملاك، وأدخلها في الديوان، وكتب لسائر الأعمال بذلك، وأحرقت عدة من صلبانهم على باب الجامع العتيق والشرطة". وفي عام 1003، عاد الحاكم وأمر بهدم عدد من الكنائس، "وألزم النصارى لبس السواد وشدّ الزنار، وقبض على الأملاك التي كانت محبسة على الكنائس والأديرة وجعلها في ديوان السلطان، وأحرق عدّة كثيرة من الصلبان، ومنع النصارى من إظهار زينة الكنائس في عيد الشعانين، وتشدد عليهم وضرب جماعة منهم". وفي عام 1007، تمّ احراق "عدة صلبان على باب الجامع بمصر".

    بلغت هذه السياسة العدائية ذروتها في زمن حملات الفرنجة، وهو الزمن الذي راجت فيه تعابير "أتباع الصلبان"، و"عبّاد الصليب"، و"عبدة الصلبان"، وفيه حمل صلاح الدين الأيوبي ثم الظاهر بيبرس لقب "قامع عبدة الصلبان". تجلّى هذا الموقف العدائي الحاد في كتابات فقهية عديدة، كما في العديد من نصوص القسم والحلف. بدت هذه الكتابات في القرن العشرين وكأنها جزء من ماض بعيد، وبات الحديث عنها من المحرّمات، وها هي اليوم تعود بقوة إلى الواجهة، وكأنها الخزانة الفكرية التي يستند إليها ما يُعرف بالإسلام السلفي الراديكالي الذي يحتل اليوم الواجهة.

    هنا وهناك، نشهد أحداثا تماثل في فظاعتها ما عرفه عالمنا في القرون الماضية، ومشهد ظهور راهبات معلولا مجرّدات من صلبانهنّ يماثل في دلالته مشهد تحطيم الصليب الذي يعلو كنيسة الرقّة، كما نقلته وسائل الإعلام المحلية والعالمية. هذان المشهدان ما هما إلا من هذه الحوادث التي تشهد على خروج شياطين الماضي وسيطرتها على الصورة الراهنة بكل حذافيرها.

    النهار
    21 كانون الأول 2013
    [/lang]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    الآرامية والآراميون

     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    Articles, interviews, academic lectures and documentaries ONLY

    Interviews such as the academic serious one posted above. Any preaching or discussion should be done in the other threads. Otherwise posts are off-topic and a moderator will be asked to remove them.
     
    Last edited:
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    أجراس المشرق ~ التراث والإنشاد الآرامي

     
    Mighty Goat

    Mighty Goat

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    Could it be possible that Jesus was not Jewish? What would that mean to the faithful? Jesus the Phoenician exposes, among other unprecedented certitudes, the origin of the Jewish faith and the true hidden identity of Jesus Christ.

    Though the author claims no theological degree, as a Christian and a writer he has read and researched extensively and compiled a sound, compelling argument that the traditionally accepted story of Jesus the Jew, though largely undisputed by the faithful in favor of the biblical version, is actually an impossibility. By investigating the etymology of the name, Jesus, other questions arise regarding the incompatibility between the Great Annunciation and traditional Jewish practices, as well as the true lineage of the family of the Messiah. Then, by examining the lives of the family, friends, and Disciples of Jesus, the circumstances of Jesus’ birth are challenged, establishing which Bethlehem the child savior was born in and substantiating the origins—Galilean or Jewish—of Jesus and his Disciples. Furthermore, based on a new understanding of the true origins of Jesus and his apostles, Jesus the Phoenician reveals the truth about Jesus by showing the many holes in the traditional Jewish and biblical history that point to Jesus having been a Jew. And, finally, the reader is asked to consider the validity of the typically dismissed sources, the Apocrypha, the ex-biblical texts that suggest and support the theory of Jesus the Phoenician.

    By investigating and analyzing the Old and New Testaments, as well as numerous other books, Apocrypha, and scholarly sources, Jesus the Phoenician systematically debunks the traditionally accepted Jewish story of Jesus and synthesizes a groundbreaking explanation for this historical and theological blunder. By delving into the history of the Canaano-Phoenicians and disproving the accuracy of the established story of Jesus Christ, Jesus the Phoenician begs the reader to think outside of biblical tradition and to consider, as have scholars, theologians, and writers throughout history, the proof herein that denies the identity of Jesus the Jew.

     
    Mighty Goat

    Mighty Goat

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    عرسال هو عرش أيل
     
    Top