• Before posting an article from a specific source, check this list here to see how much the Orange Room trust it. You can also vote/change your vote based on the source track record.

Book Reviews

Picasso

Picasso

Legendary Member
Orange Room Supporter
المخطوطات العربية في لبنان

هوية ثقافية مشتركة وتلاقح متبادل

بقلم محمود الزيباوي



غلاف الكتاب


يوحنا الدمشقي، "قصة برلام ويوصاف"، 1646، مكتبة دير الشير.


السقوط في الجب، "قصة برلام ويوصاف"، القرن الثالث عشر، مكتبة دير البلمند.


"المخطوطات العربية في لبنان" مجلد فني صدر حديثاً عن "مركز التراث العربي المسيحي" التابع لـ"كلية العلوم الدينية" في جامعة القديس يوسف، بالاشتراك مع "الوكالة الاسبانية للتعاون الدولي من أجل النمو" (أيسيد). يأتي هذا الكتاب باللغتين العربية والإسبانية، ويشكل نافذة على المخطوطات المحفوظة في سبع من مكتبات لبنان، مع تعريف مدقّق بمجموعة صغيرة من هذه المخطوطات تشهد لـ"التقاء الثقافات والأديان والمعارف"، على ما يقول العنوان الفرعي لهذا الكتاب.

يتألف الكتاب من قسمين أساسيين، "المكتبات" و"المخطوطات"، وتسبق هذين القسمين مقدمة وافية غير موقّعة تشكل خير مدخل الى هذا الموضوع. اختار صاحب هذه المقدمة كلمة بديعة لبورخيس افتتح بها نصه: "لا أحد يستطيع أن يؤلف كتاباً. إن كتابا كي يكون كتاباً حقاً، لا بد له من فجر وغروب، من أجيال، وأسلحة، ومن البحر الذي يوحّد ويفصل".

المخطوطات في العالم العربي عديدة، و"ما تم جدولته وفهرسته لا يتعدى العشرة في المئة من مجموعها". يُقدّر عدد المخطوطات المحفوظة في لبنان بحوالى العشرين ألفاً، موزعة على مجموعات خاصة، منها المحفوظة في المكتبات، وتلك التي تعود إلى أفراد. لا يدّعي الكتاب تقديم صورة بانورامية شاملة لهذه المخطوطات، مكتفياً بالتعريف بـ"عيّنات من ثروة تكتنزها سبع من أهم مكتبات لبنان". تشهد هذه العيّنات لتلاقح ثقافي متواصل يتجلى في انتقال بعض المفاهيم والطرق "من محيط ثقافي ديني إلى آخر، بصرف النظر عن التناقضات والانطواءات الطائفية". يحاول الكتاب أن يتذكر هذا الواقع عبر نماذج مختارة تظهر بشكل جليّ بروز "هوية ثقافية عربية مشتركة، لم تكن مُدركة عن وعي أو مقبولة". تعود هذه المختارات إلى سبع مكتبات، هي تباعا مكتبة دير سيدة البلمند، مكتبة دير الشير، مكتبة دير المخلص، مكتبة دير الشرفة، المكتبة العامة في جامعة الروح القدس، المكتبة الشرقية، ومكتبة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت. لا يعني ذلك أن أهم المخطوطات المحفوظة في لبنان تعود إلى هذه المكتبات، فهناك نماذج أخرى لا تقل أهمية تعود إلى مكتبات أخرى تنتظر من يُعرّف بها، منها مكتبة البطريركية المارونية في بكركي، مكتبة الجامعة الأميركية، مكتبة مدرسة اللاهوت في الشرق الأدنى، مكتبتا ديرَي مار يوحنا (الشوير) والقديس بولس (حريصا) للروم الملكيين الكاثويك، مكتبتا ديرَي دوما والحرف الأرثوذكسيين، ومكتبة دير بزمار للأرمن الكاثوليك. هل يعني ذلك أن المخطوطات العربية تنحصر بالمجموعات المسيحية؟ يجيب كاتب المقدمة: "لا مكتبات إسلامية تُفتح للجمهور، باستثناء مكتبة جمعية المقاصد، ومكتبة دار الفتوى". كذلك، تملك بعض العائلات الإسلامية مجموعات كبيرة من المخطوطات المهمة، وجلّ هذه العائلات من الطائفة السنية في بيروت وطرابلس. من جهة أخرى، تملك الطائفة الدرزية مخطوطات عديدة، لكن الوصول اليها عسير للغاية بسبب "الحذر الشديد" الذي عُرف به الدروز في حراسة ميراثهم. في الخلاصة، يمكن القول إن "المجموعات التي يسهل الوصول إليها محفوظة في أديرة وفي بعض الجامعات الكبرى التي أنشأتها الإرساليات المسيحية". تتميز المجموعات الأرثوذكسية بتعلقها بتقاليدها وتراثها، مما يجعل منها مجموعات متجانسة في الدرجة الأولى. في المقابل، ترتبط المجموعات الكاثوليكية بالتقليد الغربي اللاتيني، وهذا التقليد يسوعي في وجه خاص. أما المجموعة البروتستانتية، فيغلب عليها اهتمامها بالكتاب المقدس. تضم هذه المكتبات المسيحية "مخطوطات نشأت أصلاً في أوساط غريبة عن تقليدها"، منها نسخ للقرآن الكريم، ونصوص عديدة من الأدب العربي التقليدي، وترجمات مؤلفات مسيحية تعود الى ملل أخرى.

تخلو المكتبات اللبنانية العامة من المخطوطات، إذا ما استثنينا "المكتبة الوطنية" التي لا تزال تنظر إعادة افتتاح أبوابها. تملك هذه المكتبة مجموعة قيمة من المخطوطات تعود في الأصل إلى الفيكونت فيليب دي طرازي، وهو من عائلية سريانية كاثوليكية، وقد أهدى قسماً من مجموعته الخاصة إلى مكتبة دير سيدة النجاة في الشرفة، وقدّم إلى المكتبة الوطنية عند انشائها عام 1921 عشرين ألف كتاب وثلاثة آلاف مخطوط، وأشرف على إدارة المكتبة حتى عام 1939، وأثراها بمجموعة أخرى من المخطوطات. كما هو معروف، نُكبت المكتبة خلال الحرب اللبنانية، ونجا من هذه النكبة بأعجوبة قسم من محفوظاتها، وهذا القسم ينتظر من يصنّفه ويُعرّف به.

المكتبات

يقدّم الكتاب تعريفاً علمياً مختصراً بمجموعات المكتبات السبع المختارة، وذلك في سبع مقالات مستقلة. خُصّصت المقالة الأولى لمكتبة دير سيدة البلمند، وحملت توقيع سعاد سليم التي أشرفت من قبل على تصنيف المخطوطات المحفوظة في الأديرة الأرثوذكسية التابعة لبطريركية انطاكية وسائر المشرق. أنشئ دير البلمند الرهبان السيسترسيون الفرنجة عام 1157، أيام "كونتية طرابلس" الصليبية. في القرن الثالث عشر، تم تحصين الدير عسكريا، وهُجر بعد انتصار المماليك على الفرنجة في عام 1289. بقي الدير خالياً زهاء ثلاثة قرون، وانتقل رسمياً إلى الطائفة الأرثوذكسية عام 1603، في عهد البطريرك يواكيم بن زيادة، بمساعدة والي طرابلس يوسف باشا سيفا. وتشير بعض المخطوطات المؤرخة الى أن بعض الرهبان الأرثوذكس أقاموا في هذا الدير قبل نهاية القرن السادس عشر. تحول الدير السيسترسي ديراً بطريركياً أرثوذكسياً، وبرز دوره في الحياة الدينية والثقافية منذ ذلك العهد. في هذا الدير، انشقّت جماعة صغيرة مؤلفة من سبعة رهبان حلبيين في عام 1704، والتحقت بكنيسة روما. استقرت هذه الجماعة في الخنشارة حيث ساهمت في تأسيس الرهبنة الباسيلية الشويرية. تضم مكتبة البلمند مجموعة قيمة من المخطوطات العربية تعود إلى الفترة الممتدة من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، وهذه المجموعة أرثوذكسية في الدرجة الأولى، وتعنى بالتراث الديني والروحي والثقافي والتاريخي. تعرضت هذه المكتبة للسرقة عام 1976، وتنقلت محتوياتها بين مناطق عدة، وعاد قسم منها إلى الدير عام 1987، إلا أن بعض المسروقات لا يزال مفقوداً، منها ثلاث مخطوطات مزوّقة بالمنمنمات.

بعد دير البلمند، إلى مكتبة دير الشير التي انتقلت إلى دير صربا. يُعرّف بهذه المكتبة المطران ميخائيل أبرص الذي أشرف عليها في السابق. تعود هذه المكتبة إلى طائفة الروم الكاثوليك، وقد أسستها الرهبنة الحناوية التي تفرعت في عام 1829 فرعين، فرعاً شويرياً وفرعاً حلبياً. انقسمت هذه المكتبة بفعل هذا التفريع، وانتقل جزء منها إلى المكتبة الشويرية، واضطرت خلال الحرب إلى الإنتقال من دير الشير إلى دير المخلص في صربا، قضاء كسروان. تحوي هذه المجموعة ألفاً وأربعمئة مخطوط، تعود غالبيتها إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر، أما الأقدم فيقدّر عددها بالخمسين، نُسخت بين القرنين الثالث عشر والسابع عشر، منها نسخة من "شرح كليات القانون" لقطب الدين الشيرازي تعود إلى عام 1262. لا تقتصر هذه المجموعة على الكتب الدينية، وتشكّل "احدى اهم مجموعات مخطوطات طبية عربية في لبنان"، كما تضم بعض الآثار الأدبية القيّمة، منها مخطوط بديع "يجمع في مجلد واحد سبعة أعمال مختلفة".

المكتبة الثالثة هي مكتبة دير المخلص في جون، للروم الكاثوليك، والمقالة الخاصة بها تحمل توقيع الأب فايز فريجات. ترتبط هذه المكتبة باسم أفتيموس صيفي، مؤسس الرهبانية الباسيلية المخلصية وباني دير المخلص، وهي مكتبة ثرية ابتلت بستّ نكبات، "أشدها دماراً ثلاث"، أولاها حين سبيت على أيدي عساكر الجزار عام 1777، وثانيتها الحرب الأهلية في 1860 حيث قُتل خمسة وعشرون راهبا مخلصياً، وثالثتها حرب 1985: فُقدت مئات المخطوطات، وعاد منها قسم، غير أن بعضها لا يزال مفقودا، ومنها خمس مخطوطات مزوّقة تُعتبر من أهمّ كتب هذه المجموعة. يحتفظ الدير اليوم بكتب قيّمة، منها المسيحي، ومنها الإسلامي، وأهمّ الكتب الإسلامية مخطوط بخطّ يد المقريزي، أهمّ مؤرخي مصر في العصور الوسطى، وآخر بخطّ العلامة الدمشقي محمد عطار زادة. من دير المخلص إلى دير الشرفة الذي أسّسه في نهاية القرن الثامن عشر إغناطيوس ميخائيل الثالث جروة، أول بطاركة الكنيسة السريانية الكاثوليكية. بحسب دراسة الأب جبرائيل ديب، تشكلت مجموعة هذه المكتبة من مجموعات عدة، أولاها لميخائيل جروة، ثم مجموعة الفيكونت فيليب دي طرازي، وتلتها مجموعات أخرى جاءت على شكل هبات. تضم هذه المجموعات الأولى ألفاً ومئتي مخطوط، منها 732 مخطوطاً عربياً، و381 سريانياً، و105 مخطوطات كرشونية (عربية بالحرف السرياني). بعدها، دخلت المكتبة مجموعة أخرى تُعرف بمجموعة البطريرك أغناطيوس افرام الثاني رحماني، وقد انتقلت من بيروت إلى دير الشرفة حديثاً، وتضم 880 مخطوطاً منها 271 بالسريانية.

يُعرّف الأب جوزف مكرزل بالمكتبة الخامسة، وهي المكتبة العامة في جامعة الروح القدس، ومقرّها الكسليك، في كسروان. تعود هذه المكتبة أولا إلى الرهبانية اللبنانية المارونية التي تأسست عام 1695. انقسمت هذه الرهبنة عام 1770 فرعين، الفئة الحلبية المريمية، والفئة البلدية اللبنانية. حصلت الفئة المريمية على القسم الأكبر من المخطوطات، وأعادت الفئة البلدية تكوين مجموعتها في دير طاميش، إلى جانب مجموعات ديرية أخرى توزعت على مناطق مختلفة. تعرضت هذه المجموعات للتلف والتدمير خلال حرب 1860 حيث قُتل أكثر من أربعين راهباً من أعضاء هذه الرهبنة، وعاشت نكبة أخرى خلال الحرب اللبنانية في السبعينات، فخسرت قسما كبيرا من كتبها. عام 2002، اتخذت الرهبنة قرارا يقضي بضم مجموعات الأديار في مجموعة واحدة في مكتبة جامعة الروح القدس، مما سمح بتصنيفها وجدولتها بشكل علمي صحيح. أقدم مخطوطات هذه المجموعة وأهمّها كتب طقسية مارونية تعود إلى الفترة الممتدة من نهاية القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن السادس عشر. إلى ذلك، تضم المكتبة مجموعة كبيرة من الكتب المسيحية تعود إلى القرون الأخيرة، منها العديد من المراجع الكاثوليكية المعربة. من جانب آخر، تحوي المكتبة عددا من الكتب الإسلامية، أهمّها جزء من قرآن مملوكي ونسخة من "ترجمان الأشواق" للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي.

تأتي المكتبة الشرقية في المرتبة السادسة، وهي أشهر مكتبات لبنان. يخبرنا انطوان صليبا ومايا قاصوف أنها تأسست مع ولادة الجامعة اليسوعية عام 1875، وضمّت أولا مكتبة المدرسة الإكليريكية في غزير وكتب دير اليسوعيين، وبات اسمها "المكتبة الشرقية" في زمن عميدها الأب لويس شيخو، "سلطان اللغة العربية"، كما لقّبه جمال باشا. جمع شيخو مخطوطات قيّمة أثرت المكتبة وصنعت شهرتها عالميا، ونمت المجموعة بشكل سريع مع تزايد الهبات الواردة إليها، وهي تضمّ ثلاثة آلاف وخمسمئة مخطوط شرقي، منها العربي، ثم السرياني واليوناني والتركي والفارسي، وقد ساهم في تصنيفها أولا لويس شيخو، ثم خليفته بولس نويا. أقدم مخطوطات هذه المكتبة انجيل سرياني من القرن التاسع عشر مصدره ماردين، و"أجملها" فنياً مجموعة من المخطوطات المزوّقة منها إنجيل باللغة العربية "اختفى خلال الحرب"، ونسخة من ديوان حافظ الشيرازي، وأربع نسخ للقرآن الكريم.

تأتي مكتبة المقاصد في المقام الأخير، وتاريخها يعود إلى زمن تأسيس الجمعية في عام 1878. يستعيد هشام نشابه في مقالته مرحلة البدايات، مع إنشاء مدرسة للأناث، ثم مدرستين للذكور، وبعدهما "مكتبة عامة للمطالعة" تحوّلت سريعا "أكبر مكتبة اسلامية متخصصة في العلوم الإسلامية في لبنان". في عام 1952، تبرع الشيخ سعيد أياس بمجموعة ضمت مئتين وعشرين مخطوطاً تبيّن بعد دراستها أنها أربعمئة وخمسون "إذ كانت تجمع مخطوطات عدة في مجلد واحد، مما جعل الإحصاء السابق والسريع أقل بكثير من عدد المخطوطات الفعلي". تضم هذه المجموعة كتباً اسلامية متنوعة، منها مجموعة كبيرة مصدرها المغرب العربي، كما تحوي عددا مهماً من المخطوطات الطبية "منها ثلاث من تأليف أطباء مسيحيين". أقدم مخطوطات المقاصد كتاب عنوانه "ديوان الحادرة"، نسخه جمال الدين ياقوت الرومي المستعصمي المتوفي عام 1291، وهو من مشاهير الكتبة، "ويقال انه نسخ ثلاثمئة وأربعاً وستين نسخة لكتاب القرآن الكريم".

المخطوطات

في القسم الثاني، يقدّم الكتاب مجموعة من المخطوطات تشهد للتلاقح الثقافي بين الجماعات الدينية المختلفة، وذلك في خمسة أبواب، وهي تباعا: الكتاب المقدس، اللاهوت والفلسفة، الطب والعلوم الطبيعية، الأدب، والعلاقات مع إسبانيا. أول المخطوطات المعروضة انجيل طقسي من مجموعة دير المخلص يعود إلى القرن الرابع عشر، وهو مزوّق على الطريقة الإسلامية، وعناوينه مزينة بأسلوب زخرفة عناوين المصاحف. يلي هذا المخطوط أنجيل طقسي آخر من مجموعة دير المخلص أُنجز بين عام 1329 وعام 1330، وهو مزوّق بالأسلوب نفسه. المخطوط الثالث لاهوتي فلسفي، وهو "كتاب درياق العقول بعلم الأصول"، من تأليف "الأب الفاضل العالم القس ابي خير ابن الطيب"، وهو من محفوظات المكتبة الشرقية، ويعود تاريخ نسخه إلى عام 1452. يليه مخطوط رابع من دير الشير عنوانه "إيضاح المبهم من معاني السلم"، ألّفه الشيخ الأزهري أحمد الدمنهوري، ونسخه الراهب كيرلس الإنجيلي عام 1771.

في باب "الطب والعلوم الإنسانية"، تحضر أولا "رسالة في حدوث الزلزال وعلتها"، وهي مصنّفة في الاصل لترسل إلى "مفتي دمشق الشام بأسرع وقت من أغابيوس"، الراهب الرومي الحناوي. يلي هذه الرسالة مخطوط "العمدة في صناعة الجراحة" من مجموعة المقاصد، وهو كتاب من تأليف "ابن القف المسيحي الملكي النحلة المتطبب ابو فرج ابن يعقوب" في القرن الثالث عشر، وقد نسخه في عام 1793 "المعلم جبراييل ابن المعلم ميخاييل الشهير بالسكروج". بعد هذا الكتاب الطبي، نتعرف الى مخطوط طبي آخر من محفوظات المقاصد، وهو "كتاب انتخاب الاقتضاب"، من تصنيف "الشيخ الريس الأوحد العلم الفيلسوف الكامل الأركان الفاضل أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه أبي نصر سعيد ابن أبي الخير المسيحي ابن عيسى المتطبب". نسخه في عام 1702 "الفقير المعترف بالذنب والتقصير يوحنا الطبيب ابن مخاييل الطبيب ابن عطايا"، وهو من مجموعة "علامة بيروت الشيخ محمد سعيد بن محمد بك أياس الدمشقي أصلاً والبيروتي مولداً".

ندخل باب الأدب، وفيه أربع نسخ مزوّقة من "قصة برلام ويوصاف" تعود إلى أزمنة مختلفة. أقدم هذه النسخ مخطوط من محفوظات البلمند تزيّنه تسع منمنمات تتبع أسلوب مدرسة بلاد الرافدين التي طبعت فن الكتاب العباسي في القرن الثالث عشر. شاعت "قصة برلام ويوصاف" في سائر أقاليم الشرق المسيحي، وهي قصة مستوحاة من سيرة بوذا جاءت في قالب مسيحي صرف، وتُنسب إلى القديس يوحنا الدمشقي. انتشرت هذه القصة في العالم البيزنطي، وصوّرها الرسّامون مراراً في عدد كبير من المخطوطات اليونانية. في مخطوط البلمند، يخرج الرسام كلياً على قواعد الفن البيزنطي ويتبنى الأسلوب الذي راج في تصوير "مقامات الحريري" وقصص "كليلة ودمنة"، ويظهر هذا النهج بشكل واضح في منمنمة تصور الأخطار التي يتعرض إليها الإنسان في حياته الفانية حيث اقتبس الرسام بشكل مباشر منمنمة من "كليلة ودمنة" تعالج الموضوع نفسه من باب مغاير. يتغير الأسلوب في مخطوط ثان من محفوظات دير الشير، نسخه ميخائيل بن جرجس بن الخوري يوحنا الحناوي في عام 1646. يضمّ هذا المخطوط ثلاثاً وثلاثين منمنمة يظهر فيها الأثر العثماني في الكثير من العناصر التشكيلية المعتمدة. يتغير الأسلوب من جديد في نسخة ثالثة غير مؤرخة تعود إلى المكتبة الشرقية، وفيها عدد من المنمنمات يغلب عليها الطابع "الشعبي" الركيك، غير أن الأثر الإسلامي العباسي يظلّ حاضراً في التأليف الإيقونوغرافي الذي شكّل أساسا لهذه الصور. نصل إلى النسخة الرابعة، وهي نسخة "حديثة" تعود إلى عام 1869، نسخها بيده "المؤثر من الرزايل المتعري من الفضايل بالزي راهبا متوحدا الفقير اصاءيا ابن دومط صراف حماه سابقا الأرتودكسي مذهبا المتطرح يومئذ بدير البلمند العامر بأعتاب سيدتنا القديسة البتول سيدة الملائكة والبشر". يخلو هذا المخطوط من الصور، لكنه يتبع في تزيين عناوينه الأسلوب الرائج في الكتب العربية التي تعود إلى تلك الحقبة.

إلى جانب هذه المخطوطات الأربعة، يحضر في باب الأدب "كتاب ديوان الشاعر نقولا الترك" من مجموعة جامعة الروح القدس، وهو من نتاج عام 1833، ومطلعه "بسم الله الرحمن الرحيم". يتألف هذا الديوان من كتب عدة، أولها "كتاب العموم"، ثم "كتاب الهجو والمزاح والتنكيت"، و"كتاب المقامات"، و"كتاب المزامير"، و"كتاب المديح في سعادة الأمير بشير الشهابي". يلي هذا الديوان "كتاب باب الإعراب عن لغة الأعراب"، وهو في قواعد اللغة العربية وضعه "العبد الحقير لدى ربه أسير وصمة ذنبه جبرايل فرحات الراهب اللبناني الماروني"، نسخه عام 1822 "القس ارسانيوس النيحاوي اللبناني".

ختام كتاب "المخطوطات العربية في لبنان" ثلاثة مخطوطات تشهد للعلاقات المبكرة مع إسبانيا، أولها مخطوط من محفوظات المكتبة الشرقية عنوانه "كتاب سياحة الخوري الياس الموصلي". يعود النص الأصلي لهذا الكتاب إلى عام 1683، وقد حققه الأب أنطوان رباط اليسوعي عام 1904 معتمداً نسخة تعود إلى عام 1817. وتعرّف الجمهور العريض الى هذا الاثر في كتاب صدر عام 2001 تحت عنوان "رحلة الياس الموصلي ألى أميركا أول رحلة شرقية إلى العالم الجديد"، "حرّرها وقدّم لها نوري الجراح". أما المخطوط الثاني، فهو من محفوظات دير الشرفة، ويتناول "حياة البطريرك أغناطيوس ميخائيل جروة"، وقد دُوّن بطلب من الملكة ماريا لويزا دي بوربون. المخطوط الأخير "منخز الندامة" من مكتبة دير المخلص، وهو ترجمة عربية لكتاب وضعه راهب كرملي اسباني، نُسخ في مصر عام 1815، ويتميز بزخارفه الإسلامية العثمانية التي أُنجزت "بعناية فائقة"


الملحق الثقافي لجريدة النهار
الأحد 3 تشرين الأول 2010​
 
  • Advertisement
  • Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    زغرتا وجبل لبنان

    بقلم أنطوان الدويهي


    يصدر قريباً باللغة الفرنسية عن دار
    Geuthner
    العريقة في باريس، المتخصّصة في الدراسات الشرقية، كتاب أنطوان الدويهي، "مجتمع زغرتا/ البنى الاجتماعية- السياسية للجبل اللبناني 1861- 1975"، الذي وصفه الناشر بـ"العمل المرجعي البالغ الدقّة"، و"الكتاب الأساسي الذي لا سابق له" حول مجتمع زغرتا وجبل لبنان. يضيء هذا العمل ما يعتبره الدويهي "دورة تاريخية كاملة" على مدى 114 عاماً، بين مذابح 1860 واندلاع حروب لبنان عام 1975. تتسم تلك المرحلة ببروز الكيان اللبناني الحديث المتمتّع بالحكم الذاتي ثم المستقل، المتعدد الطائفة، المنفتح على العالم وعلى العصر، الليبيرالي والديموقراطي ضمن صيغته وميثاقه المجتمعي الخاصّين. تقع هذه الدورة المكتملة بين مرحلتين انتقاليتين شديدتي الاضطراب، مرحلة 1842 – 1861 قبلها، ومرحلة 1975 – 2010 بعدها، التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. الكتاب أبعد ما يكون عن الكتابات التأريخية الوصفية أو السردية أو التوثيقية الشائعة، إذ يعتمد منهجية انتروبولوجية تحليلية، وبنيوية خلاّقة، تذهب الى عمق الظواهر والتحوّلات، في ثباتها النسبي وحركيتها، وفي ترابط عناصرها ومكوّناتها، إن على مستوى المجتمع المحدّد الكثير الخصوصية الذي يتناوله (مجتمع زغرتا- اهدن)، او على مستوى المجتمع الكلي (مجتمع جبل لبنان، ثم المجتمع اللبناني)، وعلاقات التفاعل بينها. يندرج التحليل في خطّ متوالٍ من البداية الى النهاية، لا يغيب عنه اي عامل من العوامل الداخلية، والإقليمية، والدولية. انها صورة قرن كامل بكل ظلاله، حيث يضبط العقل الرائي الجزئيات والكليات، التي يضيء بعضها البعض، في مرحلة زاخرة بالأحداث والتغيّرات ومسارات التثاقف مع الغرب. يأتي الكتاب في هذا الظرف البالغ الاهتزاز والخطورة الذي نحن فيه، ليضع امامنا، عبر زغرتا- اهدن وجبل لبنان ولبنان، مرآة كاشفة لماضينا وذاكرتنا، اللذين لا سبيل من دونهما لإدراك ما نحن فيه، وما نحن ذاهبون اليه. في ما يأتي تعريب المدخل الى الكتاب:

    كان جبل لبنان على مدى الآف السنين موقعاً اسطورياً، وصورة مقدّسة، ورمزاً للجمال الأرضي في المخيّلة الشرق أوسطية والأوروبية، منذ ملحمة جلجامش السومرية- البابلية، الى كتب رحّالة الغرب المسيحي في الأزمنة الحديثة، مروراً بالنصوص التوراتية، وبالمراجع الإسلامية الكلاسيكية، الى أرتور رامبو هاتفاً في إشراقاته: "يا لبنانات الحلم!".

    لكن الجبل اللبناني ليس صورة اسطورية فقط. فهو يملك هوية ومصيراً فريدين، حددتهما بنيته الطبيعية، وموقعه الجغرافي، وتكوينه البشري، ومساره التاريخي. فهذا الجبل الشامخ، سقف المشرق، المرتفع 3085 متراً فوق سطح البحر، المرمي كالأعجوبة بين عالم الصحارى والبحر المتوسط، ليس جبلاً قاحلاً مقيماً في عمق الأراضي. على العكس من ذلك، فهو بثلوجه الأبدية، ووهاده السحيقة، وغاباته الكثيفة، وسفوحه الخضراء، ومياهه الغزيرة، ومشاهده الباهرة، وتنوّعه المناخي والبيولوجي، يتمايز بشدّة عن محيطه، ويشكّل مكاناً ملائماً تماماً لتمركز الجماعات البشرية وتأمين حمايتها واستمراريتها في الزمان. الى ذلك، يقع جبل لبنان- وهذه هي ميزته الأخرى الكبرى- في نقطة محورية، في تقاطع طرق، هو مكان التقاء حضارات الشرق الأوسط القديم والوسيط في ما بينها من جهة، وبينها وبين حضارات الغرب من جهة أخرى. كما ان موقعه على شاطئ البحر قبالة اوروبا، عند آخر الطرف الغربي لآسيا، يجعل منه حدوداً، وصلة وصل بين القارّتين.

    يتناول هذا الكتاب، في الجانب الشمالي من جبل لبنان، مجتمع زغرتا - اهدن البالغ الخصوصية. فهذه المدينة "المزدوجة" لا تزال محاطة بما يشبه السر، وتحديدها الجغرافي والبشري لا يزال يغلب عليه الإبهام، حتى لدى الكثير من اللبنانيين. لأن- وهذا امر لا مثيل له في لبنان ونادر للغاية في المجتمعات المعاصرة- هناك مدينتين مختلفتين لجماعة بشرية واحدة: فإهدن، ارض الجذور، المرتفعة زهاء 1500 متر قبالة البحر المتوسط، المسوّرة جهة الشرق والشمال بجبالها العالية وغاباتها على سفح وادي قاديشا، هي "مدينة الصيف". نظيرتها زغرتا، المقيمة تحتها في السهل، على مرتفع لا يتجاوز المئة متر، المزنّرةً بالأنهر وبحقول الزيتون والليمون، هي "مدينة الشتاء". تربط بين المكانين طريق متعرّجة تبلغ نحو الثلاثين كيلومتراً. يبدو الزمن دائرياً في زغرتا- اهدن، والحياة المتأثرة بعمق بحركة الصعود والنزول الأبدية، ليست الا تنقّلاً دائماً بين "فوق" و"تحت"، بين فصول الصيف السريعة العبور والشتاءات الطوال.
    تحمل زغرتا- اهدن من جبل لبنان بعدين رئيسيين، احدهما اسطوري، والآخر جغرافي- تاريخي. جهة المتخيل الجماعي، ان موقع اهدن الطبيعي الخلاّب، والتشابه بين لفظتي "اهدن" و"عدن" (نجد كلمة "عدن" للدلالة على اهدن في العديد من النصوص الأوروبية الكلاسيكية)، حملا على الاعتقاد بأن مكان الفردوس الأرضي كان هنا. هذا الاعتقاد لم يبق وقفاً على المؤرّخين المحلّيين الذين اهتّم بعضهم بدراسة أوجه الشبه بين موقع اهدن ووصف الفردوس الأرضي في الكتاب المقدّس، بل تبنّاه البعض من الرحّالة الأوروبيين ايضاً. كما اننا نجد في الكثير من الخرائط الأوروبية القديمة كلمة "فردوس" محلّ كلمة "اهدن". وقد انتشر هذا الاعتقاد الى حد ان أرنست رينان ضمّن كتابه "بعثة فينيقيا" إيضاحاً حول "نزعة الموارنة الى وضع الفردوس في واديهم المقدّس".

    اما جهة البعد الجغرافي التاريخي، الذي يهمّنا على نحو خاص في هذا المؤلَّف، فقد شكّلت زغرتا- اهدن الخط الحدودي بين بلاد الموارنة والمحيط الإسلامي- العثماني، في شمال هذا الجبل اللبناني الذي هو نفسه ملجأ وحدود بامتياز. فهذه الوضعية هي التي رسمت الى حدّ بعيد مصير زغرتا- اهدن وكوّنت سماتها الناريخية، لا سيما تقاليدها الحربية، وروحية عدم الخضوع والإستقلالية التي طبعتها، وتنظيمها الاجتماعي- السياسي المحكم البنية، ودورها المهم داخل الكنيسة وجبل لبنان ثم لبنان، وحذرها تجاه "الخارج"، وثقتها المفرطة احياناً بذاتها، والشعور بالخصوصية، وحتى بالتفوّق، المقيم فيها.

    يتضمّن هذا الكتاب تحليلاً لمجتمع زغرتا، او اهدن (لا فرق في ذلك)، في اطار التحوّلات التي شهدها جبل لبنان، ثم لبنان المعاصر، بين العام 1861 والعام 1975. ان اختيار هذين التاريخين ليس عشوائياً قط، إذ ان هذه الحقبة الممتدة اكثر من قرن من الزمن، تشكّل دورة تاريخية كاملة. فبعد سقوط إمارة الجبل عام 1842، بعد اكثر من ثلاثة قرون من حكم المعنيين ثم الشهابيين ضمن السلطنة العثمانية، دخل جبل لبنان مرحلة انتقالية مهتزّة دامت نحو عشرين عاماً، بحثاً عن صيغة وتوازنات جديدة. وقد عرفت البلاد خلالها اضطرابات طائفية واجتماعية خطيرة، ونظاما تقسيمياً بين الموارنة والدروز كان مآله الفشل، وصولاً الى مذابح 1860 الرهيبة التي استهدفت المسيحيين في جبل لبنان ودمشق. كان الباب العالي يراهن على هذه الاختلالات، لا سيما هزيمة المسيحيين في جبل لبنان، ليضع حدّاً نهائياً لحلم الاستقلال القديم. لكن الانتصار العسكري الذي تحقّق، ما لبث ان تحوّل هزيمة سياسية كبرى، لاصطدامه بوضع دولي غير ملائم البتة لمآرب الأستانة. فقد كان للمذابح وقعها العميق في ارجاء اوروبا، أدّى الى اتفاق الدول العظمى آنذاك، للمرّة الأولى، على مسألة جبل لبنان، مما أفسح المجال للحملة العسكرية الفرنسية التي أطلقها نابوليون الثالث على جبل لبنان وسوريا عام 1860.

    منذ ذلك الحين بدأت حقبة تاريخية جديدة، مع بروز نظام الحكم الذاتي لجبل لبنان (المتصرّفية) عام 1861 الذي فُرِض على العثمانيين وضمنته الدول الكبرى. شكّل هذا المنعطف اعترافاً وتكريساً عالميين للنزعة الاستقلالية التي طالما عمل من اجلها ورعاها على مدى قرون تحالف الكنيسة المارونية والأمراء المعنيين والشهابيين. هكذا وُلِِد لبنان الحديث، المتعدد الطائفة، الديموقراطي والليبيرالي، المنفتح على الغرب وعلى الأزمنة الجديدة، المتّسم بنفوذ قوي للمسيحيين على المستويات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والديموغرافية. لكن هذا النفوذ أصبح اقل بروزاً في ما بعد، ضمن التوازنات الدقيقة لمجتمع اكثر فأكثر تعددية، خصوصاً مع قيام لبنان الكبير الواقع تحت الانتداب الفرنسي، عام 1920، الذي أدخل الى الكيان اللبناني مجموعات بشرية، سنية وشيعية واسعة، قبل ان تنال البلاد استقلالها في حدودها الراهنة عام 1943. وقد اتّسمت هذه الحقبة على نحو خاص بالوهج الثقافي الكبير، وبازدهار اقتصادي عُرِف بـ"الأعجوبة"، وبنمط عيش ونوعية حياة لا مثيل لهما في المحيط الشرقي، وبممارسة للحريات جعلت من لبنان واحة فريدة وسط منطقة هيمنت عليها كليّاً الديكتاتوريات العسكرية والملكيات المطلقة.

    هذه الدورة الزمنية البالغة 114 عاماً انتهت مع اندلاع حرب، او حروب لبنان، عام 1975. فبدأت مرحلة انتقالية جديدة، شبيهة بمرحلة 1842 - 1861، على طريق البحث عن صيغة جديدة للبنان. لكن هذه المرحلة كانت اكثر خطورةً، وتعقيداً، وعنفاً، وطولاً بكثير، من مثيلتها في القرن التاسع عشر، وهي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات. واليوم، في سنة 2010، بعد 35 عاماً من المواجهات، والاحتلالات، والهزّات، وفترات التهدئة، لا نزال بعيدين عن ادراك نتائجها النهائية وتحديد خواتمها الفعلية.

    ان مرحلة 1861 - 1975 المكتملة التي يتناولها هذا الكتاب، هي ايضاً مرحلة دخول المجتمع اللبناني الحداثة، مع ما رافق ذلك من تحوّلات متوالية، وممارسات جديدة، ومؤسسات، وتطلعات، وتناقضات، ونزاعات، وانعكاسات اخرى، بفعل عوامل داخلية وخارجية متصلة بحركة تثاقف طويل الأمد مع الغرب، إن على مستوى المجتمع الكلّي او على مستوى مجتمع زغرتا- اهدن.

    من اللافت ان العوامل الوطنية الداخلية، لكن ايضاً العوامل الإقليمية، والدولية، تركت انعكاساتها العميقة ليس على الماكرو- سوسيولوجي فقط (الممثل هنا بالمجتمع اللبناني)، لكن ايضاً وبالقوّة نفسها، على الميكرو- سوسيولوجي (الممثل بزغرتا- اهدن). فالوضعية الحدودية للمجتمع الزغرتاوي كانت جعلت منه نوعاً من القلعة المتقدّمة، تكوّنت وترسّخت فيها تقاليد حربية متينة. لكن مع صعود نفوذ اوروبا الصناعية في البحر المتوسط والمشرق في القرن التاسع عشر، وتراجع السلطنة العثمانية ثم انهيارها عام 1918، وبروز المدى اللبناني المتمتّع بالحكم الذاتي ثم بالاستقلال، تضاءل في صورة تدريجية "الخطر الاسلامي- العثماني" ثم اختفى. هكذا فقدت التقاليد الحربية القديمة في زغرتا- اهدن غايتها وهدفيتها. لكنها لم تلبث ان اتخذت، في البنية التاريخية الجديدة، منحيين جديدين:

    1- النزعة القويّة لحكم جبل لبنان، ثم لبنان المستقل، من يوسف بك كرم عام 1861 الى رينه معوض عام 1989، مروراً بيوسف كرم الثالث عام 1944، وحميد فرنجيه عام 1952، وسليمان فرنجيه عام 1970.

    2- ممارسة العنف داخل مجتمع زغرتا- اهدن، الذي اجّجه الصراع على النفوذ السياسي، والطموح الى الترقّي الاقتصادي- الاجتماعي، في بلاد انتقلت على نحو متسارع من الاقتصاد الزراعي التقليدي، الى اقتصاد بالغ الانفتاح يهيمن عليه قطاع الخدمات. وقد أدّت النزاعات الدموية، المتمحورة في صورة خاصة حول الانتخابات النيابية، بين العام 1951 والعام 1967، الى حركات انتقال سكانية واسعة داخل المدينتين، نتجت منها تجزئة المجتمع والمكان خمسة احياء، تمركزت فيها خمس عائلات اجتماعية- سياسية مختلفة، وظهر فيها مفهوم المسؤولية الجماعية وما ترتّب عليه من نتائج. ان بنية زغرتا- اهدن الخماسية التي تبدو مغرقة في القدم، هي في الحقيقة حديثة العهد ترقى الى النصف الثاني من القرن العشرين، وتشكّل مثالاً معبّراً للغاية عن التحوّلات غير المتوقّعة وغير المعهودة التي يمكن ان تؤدّي اليها عملية التثاقف داخل المجتمعات التقليدية.

    لا يمكننا اخيراً إنهاء هذا المدخل من دون الإشارة الى بعد آخر لمنطقة اهدن، كثير الأهمية وغير معروف بما فيه الكفاية، وإن كان لا يدخل في اطار هذا الكتاب. فانطلاقاً من اهدن وبقوفا (التي كانت محاذية لإهدن ثم أصبحت جزءاً منها)، نشأ آخر القرن السادس عشر جسر التواصل الأوّل بين اوروبا والمشرق. انه المعهد الماروني في روما الذي تأسّس عام 1584 بجهود البابا الشهير غريغوريوس الثالث عشر (احد روّاد حركة الاصلاح الكاثوليكي وصاحب التقويم الغريغوري)، وجهود البطريركين المارونيين ميخائيل ثم سركيس الرزي. وقد تابع هذه المهمّة في ما بعد ودعّمها البطاركة يوسف الرزي، ويوحنا بن مخلوف، وجرجس بن عميرة. وهؤلاء البطاركة الخمسة الذين قادوا الكنيسة المارونية طوال نحو ثمانين عاماً (من العام 1567 الى العام 1644)، هم كلهم من اهدن- بقوفا، وكان مقرّهم البطريركي دير سيدة قنوبين القريب من مسقطهم.

    وخلافاً للرأي الشائع، بما فيه لدى الاختصاصيين، ان المعهد الماروني الروماني الذي ظهر قبل اكثر من قرنين على حملة بونابرت على مصر، هو، وليس هذه الحملة، صلة الوصل الأولى بين اوروبا والمشرق. وقد استمرّ هذا المعهد في اداء مهامه طوال 228 عاماً (حتى العام 1812)، متيحاً المجال – وهو امر فريد ولا سابق له في عصره – لأجيال عديدة من ابناء جبل لبنان، كذلك لعدد كبير من موارنة حلب وقبرص، لتلقي العلوم في اوروبا الحداثة، حين كان الشرق لا يزال غارقاً في غيبوبة عميقة. وطوال القرنين السابع والثامن عشر، قام متخرّجو المعهد بعمل تعليمي وثقافي كبير في جبل لبنان، لا مثيل له في انحاء السلطنة العثمانية، مهّد لنهضة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي كانت بيروت مركزاً اساسياً لها. على الضفّة الأخرى، وبفعل ثقافتهم الموسوعية، المتعدّدة الاختصاص واللغة، ساهم متخرّجو المعهد بفعالية على مستوى اوروبا في تطوير علوم الاستشراق، لا سيما إغناء الدراسات العربية والسريانية وعلوم الترجمة وتكريسها في الحواضر الثقافية الكبرى في الغرب، خصوصاً روما، وفلورنسا، وباريس، ومدريد، وبراغ، وفيينا، حيث كانت لهم ادوار بارزة


    الملحق الثقافي لجريدة النهار

    الأحد 24 تشرين الأول 2010​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter

    صدور الطبعة العربية من كتاب غسان تويني "فلندفن الحقد والثأر - قدر لبناني"

    فــــي وداع جــبــــران


    مع اقامة معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 54 من 3 كانون الاول الى 16 منه في مركز بيال للمعارض، تصدر عن دار النهار للنشر الطبعة العربية لكتاب غسان تويني "فلندفن الحقد والثأر – قدر لبناني" الصادر بالفرنسية عن دار ألبان ميشال بالتعاون مع جان فيليب دوتوناك، وقد نقله عن الفرنسية جان هاشم.
    وتنشر "النهار" اليوم فصله الاول "في وداع جبران".

    1
    غالباً ما صار يقال لي إنّ الصورة التي حفظها اللبنانيّون عنّي هي صورة الرجل الذي وقف متكلّماً، في كاتدرائية القديس جاورجيوس، أمام جثمان ابنه الذي سقط اغتيالاً، ودعا إلى الصفح. أودّ أن أعلّق على هذه الصورة التي تلاحقني أو التي ألاحقها. فعندما دخل النواب رافعين النعش على سواعدهم سرعان ما عادت بي الذاكرة إلى يوم حُمِل جثمان والدي إلى هذه الكاتدرائيّة نفسها قبل عشرات السنوات، وقد مات للقضايا ذاتها إنما ليس اغتيالاً.

    كان ذلك في العام 1947. فإذ كنت طالباً في جامعة هارفرد، التحقت بالوفد اللبناني إلى منظمة الأمم المتحدة عشية التصويت على قرار يبتّ مستقبل فلسطين بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها. وقد سألني كميل شمعون، رئيس الوفد اللبناني، أن أطلب إلى والدي، سفير لبنان آنذاك في الأرجنتين وفي شيلي، أن يزور سانتياغو من أجل إقناع الرئيس الشيليّ بالتصويت لصالح قضيّتنا. إلا أنّ والدي جبران لم يكن قد قدّم بعدُ أوراق اعتماده إلى الرئيس غبريال غونزاليس فيديلا. أضف أنه بسبب إقامته وقتها في بوينوس آيرس، كان عليه أن ينتقل إلى العاصمة الشيليّة في يومٍ واحد، في القطار أو بالطائرة، ما يعني القيام برحلة مُضنية. والحال أنّه كان ضعيف الصحّة ويعاني من ارتفاع الضغط. اتّصلت به من نيويورك وألححت عليه في الطلب. وبدا أن هذه الرحلة تفوق طاقته، لكنه قرّر القيام بالمحاولة مخالفاً رأي أطبائه ورأي والدتي التي رافقته. وعند وصولهما إلى سانتياغو في حالة من الإنهاك الشديد، وجدا في انتظارهما عربة خيل، هي صورة عن مجتمع أميركي جنوبي ما زال بالإجمال محافظاً ومتعلّقاً بالشكليّات، لتنقلهما للمشاركة في مأدبة أقامتها على شرف والدي الجالية العربية ذات الغالبية الفلسطينيّة. وصارت هذه العربة، إذ أستعيد صورتها فيما بعد، تذكّرني بالعربة التي تسير في طليعة المواكب الجنائزيّة. وإذ صعد أثناء السهرة إلى المنصّة ليلقي خطابه، صرعته سكتة دماغيّة. وكان، قبل عشر سنوات، قد نجا منها بـ«أعجوبة» بفضل تدخّل والدتي. لم تفلح الأمور هذه المرّة. وفي 11 تشرين الثاني، عشيّة وفاته، وجدتني أستفيق فجأة من نومي، ربما في حوالى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وأفتح كتاب صلاة باللغة اللاتينية أهدته إليّ صديقة فأقع على صفحة صلاة الموتى. وفي الغداة، رأيت في المكتب جميع المندوبين مقطّبي الوجوه فبادرت إلى السؤال تلقائيّاً عمّا إذا كان والدي قد توفّي. فأُبلغت أنه فارق الحياة مساء الأمس وتحديداً في حوالى الساعة الحادية عشرة. ورافقني رئيس الوفد السوري، عادل إرسلان، بصفته صديق العائلة، إلى المطار حيث غادرت إلى بوينوس آيرس. وها أنا في الحادية والعشرين من عمري أجدني قد بتّ مسؤولاً، رغماً عنّي إلى حدٍ ما، عن صحيفة النهار التي يملكها والدي. وبعدها تشابكت الأحداث بشكلٍ متسارع. انضممت إلى والدتي ومعها أخوتي حيث أقيم قدّاسان الأوّل في سانتياغو والثاني أقامه اللبنانيون في ماندوزا، على الحدود الأرجنتينيّة الشيليّة، بعد أن أعيد جثمان والدي إلى بوينوس آيرس في القطار. وأخيراً تمّ إحياء قدّاس رسمي بإيعاز من الرئيس بيرون الذي شكرته بعدها على بادرته هذه. ثمّ نظّمت رحلة عودة الأسرة ورفات والدي إلى بيروت. وإذ كان السفر بالطائرة ما يزال خياراً قليل الاحتمال آنذاك، فقد فضّلت والدتي وأخوتي العودة بحراً. وبوصول الرفات إلى بيروت في 20 كانون الأوّل، نقل فوراً إلى كاتدرائيّة القديس جاورجيوس للروم الأورثوذوكس في ساحة النجمة، حيث أقيم له في اليوم التالي مأتم وطني.

    ووجدتني الآن، في ذاك اليوم الواقع فيه 14 كانون الأوّل من العام 2005، واقفاً أمام جثمان ولدي الحامل اسم جدّه، وتنبّهت فجأة، أمام هذا الجمع الغفير المضخّم بعمليات النقل التلفزيوني، أنّه عليّ أن أقول شيئاً ما. فقد أنهى المطران جورج خضر كلمة التأبين وأشار إليّ بأن ألقي كلمة. وليس المطران خضر من أشهر علماء اللاهوت الأورثوذوكس في عصرنا هذا، وأحد الشخصيات العروبية المسيحية الرفيعة، بل هو رفيق شبابي، معه أنجزت دراساتي الثانوية واختصاصي في الفلسفة. وبالتأكيد لم أكن قد حضّرت شيئاً أقوله. ولم أعرف إن كان عليّ أن أتابع بلهجة المطران خضر اللاهوتية والفلسفية أم عليّ أن أجاري الحشود الصائحة معبّرة عن حزنها وغضبها. وإذ تقع كاتدرائية مار جاورجيوس في الجهة المقابلة لمجلس النواب، فقد طلب رئيسه أن ينقل إليه جثمان النائب عن الروم الأورثوذوكس جبران تويني، الذي اغتيل عشيّة ذاك اليوم مع اثنين من مرافقيه. وبعد التآم المجلس حمل النواب النعش على مناكبهم إلى الكاتدرائيّة، ولدى مرورهم رفع الحشد، هادراً مهدّداً، صور ولدي وصور سائر شهداء هذا البلد الذي سقط في سبيله الكثير منهم. ثمّ دخل الجثمان بيت الله وأنا أتساءل عمّا يمكن أن أفوه به في مثل هذه الظروف، وإلى مَنْ أتوجّه بالكلام؟ أإلى ابني الشهيد المسجّى على بعد أمتار مني؟ أم إلى رجال الدين؟ أم إلى الحضور المؤلّف من شخصيات الصفّ الأول في الحياة اللبنانية ومن أقرباء ومجهولين ومن مسحوقين مثلي؟ أم إلى الحشد الضخم في الخارج الذي تنقل إليه مكبّرات الصوت ما يجري في الداخل؟ أم إلى لبنان بأجمعه الذي يتابع الجنازة بواسطة النقل التلفزيوني؟ نظرت إلى ابنتَيْ جبران الصُغرَيَيْن، وهما توأمان ولدتا له من زواجه الثاني وليس لهما من العمر سوى أربعة أشهر. كنت في حالة غير طبيعية لا تسمح لي بمواصلة تساؤلاتي الصامتة، ومن دون أن أفكّر استندت على يد المطران وارتقيت درجات المذبح متوجّهاً إلى باب الهيكل. ومن الأعراف السائدة أن يصار قبل دفن الفقيد إلى فتح النعش مرّة أخيرة وأن يرشّ أقرب أقربائه حفنة من تراب على وجهه. لكن نظراً إلى الطريقة التي اعتمدها مدبّرو عمليّة الاغتيال، لم يعد هناك، بالمعنى الصحيح للكلمة، لا جثة ولا وجه، وفي النتيجة لم يعد من مسوّغ لفتح النعش. بدا كلّ هذا عملاً لا مثيل لوحشيته. مع ذلك، وفي لحظة توجّهي صوب النعش أوقفتني يد أحدهم. لبثت واقفاً هناك هنيهة، حائراً، عاجزاً وقد أُسقط في يدي. ثمّ عدت لألقي كلمة، بل لأطلق الكلام إذ لم أكن أعرف بعدُ بِما سأتفوّه، وقلت بصوت منخفض جدّاً، وبعكس كلّ التوقّعات، إنّني لا أدعو إلى الثأر، وهو ثأر لا قدرة لي عليه أساساً، كما أنني لا أؤمن به. وبطبيعة الحال طالبت بالعدالة كما أوصيت بالصفح: «فلندفن الحقد والثأر". وأضفت أنني آمل أن تكون عملية الاغتيال هذه هي خاتمة سلسلة الاغتيالات وأن يجد لبنان سبيله إلى السلام. وددْت أن أصرخ: "كفانا دماً!"، لكن لا أظنّ أنني قلتها، أما الجمهور في الخارج فإنه، من جهته، تبلّغها بشكلٍ جليّ.

    في تلك اللحظة سادت في الكاتدرائية حركة ذهول وعدم تفهّم ربما لما حصل. فلا أحد، أو تقريباً لا أحد، كان يتوقّع، في ظلّ هذه الظروف الفظيعة، أن أمنح عفوي، ومني أنا ربما أقل من أيّ شخصٍ آخر. فجوّ العنف الطاغي في البلاد كان يبرّر على الأرجح ردّاً بحجم ما أصابنا مؤخّراً، وربما ما كنت لأرفض ذلك قبل دقائق من دخولنا الكاتدرائيّة. فما من شيءٍ في الجرائم التي ارتكبت في الأشهر الأخيرة ضدّ العديد من شخصيات الصفّ الأوّل يمكن أن يبرّر أيّ حِلْم. لكن أنا نفسي فوجئت بهذا الكلام يصدر عنّي، وللتخفيف من وقعه رأيت من المناسب أن أضيف أنني آمل من كلّ قلبي أن تتحقّق العدالة. أحسست هنيهة بالحقد، وكانت تلك مناسبة لكي ألقي كلمة تأبينيّة في ذكرى ولدي القتيل، لكن شيئاً من هذا لم يحدث. فكيف دهمتني فكرة الصفح الطارئة هذه في لحظة أتأمل فيها، وأنا مديرٌ ظهري للجمهور، النعش الذي ترقد فيه جثّة ولدي الشهيد؟ ربما لأنني أمسكت لبرهة بيد المطران الذي تكلّم بالنفحة نفسها، إنما بمزيد من الغضب. فهو كصديق للعائلة رافق جبران في نشأته ويعرف تماماً ما كان يمثّله لي وللوطن. وفي الوقت نفسه أحسست أنّ هذه الجريمة التي طالت ابني، ومزّقت كامل جسده، هي تحديداً جريمة تطال صورة الله. الله الذي خلق الانسان على صورته تمّ الاعتداء عليه مباشرة. ووجدتني بذلك أفكر في أمورٍ متناقضة لا حصر لها. والرغبة في الغفران لم تحجب في أعماقي حالة من الغضب الشديد على أولئك الذين حرمونا حتّى من إتمام وداعنا، ومنعونا من طبع القبلة الأخيرة على جبين غابي. بطرقٍ متعدّدة قتلوه!

    ما قلته قبل لحظات هزّ كياني هزّاً، وهو ما جعلني آخذ كامل وقتي، أثناء تقبّلي التعازي من المقرّبين الذين انضمّوا إليّ في قاعة استقبال خاصّة، لكي أصوّب معنى خطابي وأشدّد مرّة أخرى على ضرورة تحقيق العدالة. إلا أنّ هذه التصويبات لم تكفِ وظلّ هناك من يعاتبني لائماً إيّاي على تراخِيَّ. وقد أخذ عليّ بعض السياسيّين أنّني ألمحت إلى تبرئة سوريا المتّهمة مباشرة بمحاولات وعمليّات الاغتيال الأخيرة التي استَهدفتْ، ليس جبران وحسب، بل الصحافيّ سمير قصير، أحد أقرب معاونيَّ في الجريدة، وجورج حاوي، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، والياس المرّ، وزير الدفاع، وأخيراً الصحافيّة في تلفزيون الـ"إل. بي. سي." ميّ شدياق. وفي السنة السابقة كانت محاولة اغتيال بسيارة مفخّخة قد استهدفت ابن حمِيَّ، مروان حمادة، وهو صحافي ووزير وأحد مساعدي رفيق الحريريّ المقرّبين، ما اعتبر نذيراً بالقضاء على هذا الأخير بعد أشهر قليلة. وقد تبيّن أنّ هؤلاء الأشخاص الذين ساءهم بشكلٍ ما صفحي كانوا على حقّ، إذ إنّ سوريا أذاعت، غداة هذه الأحداث، بياناً قالت فيه إنّه كان من المتوقّع لأناس مثل جبران تويني أن يتعرّضوا للاغتيال كونهم كانوا يدعمون العدو، أي إسرائيل. لكنّني أجبت بأنّني لا أبرّئ أحداً، وبأنّ كلّ ما في الأمر أنني كنت في صدد دفن ابني المغدور. ولا أظنّ أنّ هذا كان تعبيراً عن ضعف من جانبي. وأضيف أنّ أناساً، أعرفهم ولا أعرفهم، قد حضروا مأخوذين بسورة حماس تركت أثرها فيّ، لكي يشكروني على ما قلته في ظرف على هذا المستوى من الشناعة. وأشكال التأييد هذه هي التي التقطتها الصحافتان اللبنانية والدوليّة ونقلَتَاها.

    وليست هذه المرّة الأولى التي يتهدّدني فيها هذا الموت الفظيع، الذي لا يمكن وصفه، ليضيّق عليّ دائرته حتى أصابني في لحمي ودمي. فقد سبق أن فقدت في العام 1966 أحد أعزّ أصدقائي، كامل مروّه، وهو الأوّل في سلسلة طويلة من المعاونين والأصدقاء والشركاء، وحتّى المعارضين لي، الذين شهدتُ سقوطهم في ظروف مماثلة، حتى جاء حاليّاً دور ابني.

    لاحَتْ بوادر هذه الفاجعة في باريس، مساء يوم سبت قبل يومين من هذا الموت المأساويّ. كان جبران ينزل مع زوجته في شقّة صغيرة ملاصقة لشقّة العائلة. عادا من السينما وقرعا بابنا. وكان جبران قد اشترى في طريقه ألواحاً من الشوكولا المرّ الذي أُحبّه كثيراً متذرّعاً بذلك لكي يزورنا. وقد استغربتُ منه هذه الهديّة التي تأتي في هذه الساعة المتأخّرة من الليل، وارتبت في أنّها تخبّئ وراءها طلباً ما. وأفهمتني زوجته أنه قرّر العودة إلى لبنان يوم الأحد، أي في اليوم التالي، وأنّ كلّ محاولاتها لثنيه عن ذلك قد ذهبت سدًى، وأنها هي التي بادرت إلى هذه الزيارة متخيّلة أنني ربما تمكّنت من حمله على تغيير رأيه. كان جبران يدرك تماماً أنّه مهدّد، فقد سبق للعديد من أجهزة الاستخبارات أن سرّبت أسماء أولئك الذين تنوي سوريا تصفيتهم، واسم جبران على رأس اللائحة. ويبدو أنّه لم يعبأ بذلك، فقد كان عليه أن يتكلّم في مجلس النواب صباح الثلاثاء، وتحديداً عن اللبنانيين المفقودين في سوريا، وهي قضيّة مرّة ولا يرقى اليها الشك، إلا أنّ قلّة من الناس تجرّأت على تناولها. وهذا الإيضاح هو الذي عزّز رأيي القائل بأنه يجب ألا يعود بأي شكل من الأشكال إلى لبنان في ظلّ هذه الظروف ولكي يلقي كلاماً من هذا النوع في مجلس النواب. إلا أنّه حاول طمأنتي قائلاً: «لن يحدث شيء». وتركتهما يغادران. وفي صبيحة يوم الاثنين كنت أتابع الأخبار على شاشة التلفزيون عندما علمت فجأة أنّ سيّارة مفخّخة قد انفجرت على الطريق من بيت مري إلى بيروت، في حوالى الساعة التاسعة والنصف، وأنّه لم يُعرف حتى الآن من هم الضحايا. سارعت إلى الاتّصال بلبنان لأعرف إن كان جبران قد غادر المنزل. وجاءني الردّ بأنّه غادر قبل دقائق. بدا كما ولو أنني أحضر عملية الاغتيال مباشرة.

    وبات الأمر الآن على عاتق القضاة الذين عيّنتهم لجنة التحقيق الدوليّة لكي يجلوا الحقيقة في ظروف اغتيال ولدي.


    النهار
    الاثنين 29 تشرين الثاني 2010

     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    كــــونـــتـــــيـــة طـــــرابــلــــس

    بقلم محمود الزيباوي



    تحت عنوان "كونتية طرابلس، دولة متعددة الثقافات والطوائف 1102-1289"، تنشر دار "غوتنير" الباريسية في كتاب أكاديمي أعمال المؤتمر الذي أقامته جامعة الروح القدس في الكسليك منذ ثماني سنوات، بالتعاون مع جامعة بول فاليري في مونبيلييه. يجمع الكتاب ست عشرة مداخلة تتناول جوانب تلقي الضوء على تاريخ هذه الدولة الصغيرة التي كثيرا ما قورنت بدولة لبنان الحديثة، جغرافيا واجتماعيا وثقافيا. تعيد هذه الدراسات طرح الأسئلة التي اختلف المؤرخون في قراءة أحداثها، وتقدم مدخلا لإعادة تقويم تلك المرحلة البالغة التعقيد من تاريخ المشرق.

    وفقا لما نقله ابن كثير في "البداية والنهاية"، كانت مدينة طرابلس "في أيدي المسلمين من زمان معاوية". جدّد الخليفة عبد الملك بن مروان عمارتها "وحصّنها وأسكنها المسلمين، وصارت آمنة عامرة مطمئنة"، "وقد كانت قبل ذلك ثلاث مدن متقاربة ثم صارت بلدا واحدا، ثم حُوِّلت من موضعها". تمّ هذا التحوّل بعد حقبة تاريخية عاصفة امتدت زهاء قرنين من الزمن، انقسمت فيها الخلافة العباسية دولاً متحاربة، وتحوّل المشرق مجموعة من الإمارات والدويلات. في العصر الفاطمي، تميّزت طرابلس بحكم ذاتي مستقّل، واشتهرت بمكتبتها المعروفة باسم "دار العلم"، وكانت بحسب تعبير ابن الأثير من "أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملا وثروة". في بداية القرن الثاني عشر، حوصرت المدينة، ثمّ سقطت بيد الإفرنج الصليبيين في عام 1109، وباتت عاصمة مقاطعة ساحلية تمتد من جبيل إلى طرطوس تُعرف باسم "كونتية طرابلس". ظلت المدينة تحت حكم الصليبيين إلى أن اخترق حصنها سلطان المماليك الأشرف خليل بن قلاوون في عام 1289. أمر السلطان قلاوون بهدم المدينة القديمة التي كانت تقع في ما يعرف اليوم باسم الميناء، وبنى على ميل منها مدينة جديدة حملت اسمها، وشيّد الجامع الكبير الذي يحمل اسمه، وتفرعت من حول هذا الجامع المباني المتعددة النوع، وامتدت على امتداد النهر.

    قبل أن تخضع للحكم الصليبي، كانت طرابلس تحت سلطة بني عمار، وحظيت في ظل رعايتهم باستقلال داخلي، وباتت عاصمة لولاية امتدت حدودها من جونية وجبيل إلى جبلة وطرطوس، وعرفت ازدهارا كبيرا شهد له الكثير من الرحالة والمؤرخين في ذلك العصر، واشتهرت بمكتبتها الكبيرة التي جعلت منها حاضرة ثقافية جامعة في ذلك العصر المضطرب. تصدّى بنو عمار للفرنجة، فاستعان الصليبيون بالسلاح البحري الإيطالي، واحتلوا جبيل، ومن ثم طرابلس. عند تأسيسها، كانت الكونتية أشبه بـ"كورنيش ضيق" يحدّه البحر غربا، وجبال لبنان وجبل انصارية شرقا، ويمتد جنوبا حتى جونية، وشمالا حتى نهر بانياس. توسعت هذه الحدود خلال القرن الثاني عشر، فامتدت في الشمال الشرقي الى وادي العاصي، ووصلت إلى حدود شيزر (في محافظة حماه)، وبلغت في الجنوب الشرقي حصن الأكراد، أي قلعة الحصن، في محافظة حمص، وضمّت في الداخل البترون والكورة وبشري وإهدن. تصدعت هذه الكونتية من الداخل بسبب خلافات الأسر الإقطاعية التي حكمتها، وسقطت مع تصاعد هجوم المماليك من الخارج، وانهارت نهائيا إثر خروج آخر حكامها من جبيل في عام 1302.

    تعددية النصوص

    أسّس الصليبيون أولا كونتية الرها، ثم إمارة إنطاكيا، وبعدها مملكة القدس، وجاءت كونتية طرابلس في النهاية. حظيت مملكة القدس باهتمام المؤرخين في الدرجة الأولى، وانصبّ عدد كبير من المختصين على دراسة كونتية الرها وإمارة إنطاكيا، أما كونتية طرابلس فلم تجد من يعيد اكتشافها إلا في النصف الأول من القرن العشرين، كما يقول جان ريشار في مقدمة الكتاب، وهو صاحب أشهر كتاب خاص بهذه الإمارة، دراسة جامعية نُشرت عام 1945، وضعها الباحث تحت إشراف رينه غروسيه، أشهر مؤرخي الصليبيين في الثلاثينات. على مدى عقود من الزمن، قارن الكثير من البحّاثة بين كونتية طرابلس ودولة لبنان، لكن هذه المقارنة تبقى ناقصة كما يؤكد جان ريشار، فالكونتية تضم أراضي تخرج عن الخريطة الجغرافية اللبنانية، وهي تحتاج إلى دراسة جديدة بعد نشر الكثير من النصوص العربية التي لم تكن معروفة في القرن الماضي. من جهة أخرى، كشف علم الآثار عن حقائق وشواهد أعادت طرح النقاش وساهمت في تحديد نقاط كثيرة بدت غامضة في الماضي القريب.

    بعد هذه المقدمة، يأتي التمهيد بقلم الأب كرم رزق من جامعة الروح القدس في الكسليك، وفيه يربط الكاتب بين تعددية سكان الكونتية ولبنان الحالي، ويرى في أعمال هذا المؤتمر استمراراً لأبحاث رينه غروسيه ومن تبعه من المؤرخين المختصين. في المقالة الأولى يرسم جان ريشار خريطة بانورامية تحدد وضع أسر الفرنجة الإقطاعية في الكونتية وتفكك سلطتها مع بروز الأزمات الاقتصادية في القرن الثالث عشر، وذلك بعد خسارة حكامها لقطاع واسع من أراضي الكونتية التي شكلت أساسا لحكمه. الدراسة الثانية وضعها الباحث الياس القطار، من الجامعة اللبنانية، وفيها عرض سريع لمواقف المجموعات السكانية المحلية إزاء حكم الفرنجة. ترك المسلمون السنّة المنطقة بعد دخول الصليبيين، وعادوا إليها بعد انتصار صلاح الدين في معركة حطين، وسكنوا في القلمون، وثمة التباس في تحديد الدور الذي لعبوه في معركة نهر الكلب عام 1285. أما الشيعة، فكانوا يشكلون الغالبية، بشهادة الرحالة ابن جبير، وأكبر طوائفهم طائفة الإمامية التي كثر عددها في جرود كسروان مع أفول العهد الصليبي، مما يعني أن علاقتهم بالفرنجة كانت مهادنة، كما في صور، بحسب الباحث. تقلبت الأحوال مع الإسماعيليين، وساءت بشكل كبير بعد عام 1172، والشاهد الأكبر على هذا التحول مقتل الكونت ريمون الثاني على أيدي "الحشاشين" عند أبواب جبيل، كما ذكر الأسقف اللاتيني وليم الصوري في تاريخه. في المقابل، يرى الياس القطار أن كره المماليك لهم يشهد لعلاقة حسن جوار بينهم وبين المستعمرين على رغم الأزمات المتعاقبة. كان وضع النصيريين مشابها لوضع الإسماعيليين، وكانت النتيجة في النهاية انتقالهم إلى الضنية وعكار وجبال اللاذقية هربا من حملات المماليك عليهم. يبقى الأكراد، والأرجح أن علاقتهم بالصليبيين كانت أشبه بـ"تبادل مصالح"، كما يُستدل من روايات المؤرخين الأيوبيين، ومنها خبر تسليمهم جبيل وثلاث قرى للفرنجة مقابل نصف المحصول الزراعي المخزّن في القلعة. وكان لليهود مكان في الكونتية، كما شهد الرحالة بنيمين التطيلي، ومنهم من عمل في المدرسة الطبية الذائعة الصيت. نصل إلى المسيحيين الشرقيين، وهم منقسمون طوائف عدة منذ القرن الخامس. عمل بعض أعلام السريان النساطرة في المدرسة الطبية، وكان للسريان اليعاقبة وجود كثيف، أما الملكيون، أي الروم الأرثوذكس، فالتزموا "الحياد السلمي"، مثل غالبية الأرثوذكس في تلك الحقبة، ومن دلائل هذه "السلبية" اغتيال الكونت بونس في الكورة عام 1137. يبقى الموارنة، وقد خصص لهم الباحث الجزء الأكبر من مقالته، وأعاد طرح الأسئلة التي تثير المؤرخين منذ أكثر من قرن، وتتمحور هذه الأسئلة حول علاقة الموارنة بالفرنجة وتحالفهم معهم استنادا إلى نصوص ملتبسة تعود إلى تلك الحقبة، وتتعدد آراء المختصين في تأويلها.

    يقدم الباحث احمد حطيط (الجامعة اللبنانية) قراءة ثانية لهذا الموضوع في مداخلته. امتدت الكونتية من شمال طرطوس إلى المعاملتين قرب نهر الكلب، ومن المنيطرة حتى قلعة عكار، وضمّت مجموعة من الطوائف المسيحية الشرقية توزعت في مناطقها. سكن النساطرة طرابلس، وبقي الملكيون (أي الروم الأرثوذكس) في البترون والكورة، وكان السريان اليعاقبة في جونية وجبيل، بحسب الجغرافي الإدريسي. أما الموارنة، فكانوا في جرود جبيل وبشري واهدن، مع مسيحيين من الملكيين واليعاقبة. عاش النصيريون إلى جانب الموارنة، واستقل الإسماعيليون في الجبال التي عُرفت باسمهم، بينما استقرت طائفة الإمامية في كسروان. وكان في الكونتية يهود وأرمن. يعيد الكاتب طرح السؤال التقليدي: "هل ساعد سكان طرابلس الفرنجة؟". ويرى أن تعددية المصادر لا تسمح بالإجابة بشكل قاطع، والأرجح أن الكل هادن طورا، وحارب طورا، وفقا للظرف التاريخي. بحسب الأسقف وليم الصوري، وقف الموارنة مع الصليبيين ضد المسلمين، ثم وقفوا مع المسلمين ضد الصليبيين في بشري عام 1137، وعاقبهم الفرنجة جماعيا في طرابلس أمام أعين الناس، كما يروي جبرائيل بن القلاعي في "حروب المقدمين".

    كذلك، ساعد الموارنة نور الدين الزنكي في احتلال المنيطرة عام 1165، وسهّلوا بذلك تقدم صلاح الدين في عام 1186. وبعدها مد سالم مقدم بشري يد العون إلى المماليك حين اجتاحوا اهدن وبشري. يختم أحمد حطيط هذه المراجعة بالدعوة إلى "تقويم تعددية النصوص بموضوعية وتجرد"، فاتحا الباب أمام أبحاث جديدة تساهم في تحديد معالم هذه الصورة التي تبقى ملتبسة إلى يومنا هذا.

    بدوره، يقدم الباحث جان شرف (الجامعة اللبنانية) قراءة أخرى لموقع الموارنة في كونتية طرابلس من خلال مؤلفات البطريرك اسطفان الدويهي، مشيرا إلى "صمت الدويهي إزاء بعض الأحداث"، محللا الأسباب والدوافع التي دفعت البطريرك إلى هذا "الصمت". تلي هذه المقالة المثيرة دراسة من جيرار ديديان، من جامعة بول فاليري في مونبيلييه، وفيها يستكشف تاريخ الأرمن في هذه المنطقة والدور البارز الذي لعبوه في تطور الأحداث بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. تكتمل الصورة مع دراسة انطوان ضومط، وفيها يشدد المؤرخ على مكانة التجارة في كونتية طرابلس، ودورها في تحديد طبيعة هذه الكونتية ومسار الأحداث فيها. يجد علم الفن والآثار حصته في هذا المؤتمر من خلال ثلاث مداخلات. الأولى من ليفون نورديغيان، أستاذ الآثار في جامعة القديس يوسف، وهي دراسة تتناول جداريات كنيسة مهدمة تُعرف بـ"سيدة الخرايب" في كفرحلدا، قضاء البترون. والثانية من جان فوازان، من جامعة نانسي، وفيها تعريف بقلاع الكونتية الموزعة في دوما، المنيطرة، مسيلحة، قليعات، أنفه، جبيل، صافيتا وطرطوس. تتطرق المقالة الثالثة إلى الموضوع نفسه من منظور مغاير، وهي من توقيع بالاز ماجور، من الجامعة الكاثوليكية في المجر.

    تتعرض المحاضرات الأخيرة لجوانب أخرى من تاريخ كونتية طرابلس. من جامعة بول فاليري، تقدم إيزابيل أوجي مراجعة تقويمية لعلاقة أباطرة بيزنطية من سلالة الكومينيين بحكام الكونتية الفرنجة. وتستكشف اوليفيا اولمو مدى تأثر الفرنجة بالمسيحيين الشرقيين على الصعيد الاجتماعي في الكونتية. تتناول المقالة الأخيرة تكوين سلالة أسرة فيسكونت التي حكمت الكونتية، وهي من تحقيق ماري ادلييد نيلن، العاملة في مؤسسة "أرشيف فرنسا الوطني". خلاصة هذه الأبحاث مقالة من جان كلود فوازان تشير إلى صعوبة تقويم العلاقة بين المستعمِرين والمستعمَرين، وهي علاقة ملتبسة تحولت في كثير من الأحيان مساكنة أثمرت زيجات مختلطة وعلاقات تجارية متواصلة، وتقارب ولقاء تمثل في بعض الوجوه الثقافية المشتركة

    النهار
    الأحد 19 كانون الأول 2010​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    زيــارة لاليــاس أبــو شــبكة

    عباس بيضون

    كتب جبران شيئاً بين النثر والشعر، بين الحكاية والعقيدة، بين الفكر والأدب بين الفلسفة والدين. لم ير نفسه مجرد كاتب، أديب أو شاعر. ولم يكتب مجرد الأدب. فبالتأكيد كان يحس أن كتابته ستوقظ أرواحاً وتفضح أكاذيب وتهز قواعد راسخة. مع ذلك لم يكن جبران مجرد مصلح. لم يحارب الهيمنة الكنسية فحسب ولكنه آمن بالتقمص دون أن ينكر المسيح.

    وأضاف ابن عربي ونيتشه إلى أنبيائه، وحين كتب «النبي» و«حديقة النبي» كان يعني نفسه، لقد انتدب نفسه لديانة جديدة، وهكذا كان عمله أيضاً نقداً للدين القديم: مؤسسة وإلى حد ما عقيدة. لقد كان جبران نبياً. لكن ميخائيل نعيمة أيضاً كان ذلك في مرداد، وأحسب أن أمين الريحاني الأقل صوفية كانه تقريباً في خالد. ليس الثلاثة وحدهم فثمة كثر عرض كل منهم «نبيه» فيما بعد. إيليا ابو ماضي عرض بدوره ديانة جديدة بسيطة ومادية. والشاعر القروي انتقد كجبران في ما بعد الضعف المسيحي، كان هؤلاء جميعاً مسيحيين مهاجرين من لبنان. البلد العربي الوحيد الذي يسعنا أن نتحدث فيه عن وجه مسيحي للثقافة، لا بسبب الصدارة المسيحية الطويلة للسياسة والاقتصاد والثقافة في لبنان فحسب، ولكن أيضا بسبب التربية المسيحية للغالبية الساحقة من الأدباء اللبنانيين. فإلى أمد ليس بعيداً كان الكتاب اللبنانيين مسيحيين بنسبة كبيرة جدا وهؤلاء وجدوا بالطبع أمامهم تراثاً عربياً موسوماً بالإسلام، لكنهم كانوا أكثر حرية في التفاعل معه. إذ لم يتخذ هذا التفاعل طابعاً إلزاميا ولم يخضع لقواعد مشددة. لم يكونوا محكومين بمؤسسة حارسة كالأزهر مثلاً، ولم يرثوا دليلاً إسلامياً لقراءة القرآن والتراث الإسلامي. فإن القرآن شأنه في ذلك شأن نهج البلاغة (المنسوب للإمام علي مثال الإسلام الشيعي) كان نصاً بالنسبة لهم لا كلاماً إلهيا لا يجارى. وكان في وسعهم دون حرج أن ينهلوا من تراث الهرطقة الإسلامي «التصوف والباطنية» وأن يرجعوا إلى نثر غنوصي مليء بالأسرار والرموز والشاعرية. لم يتعرض هؤلاء للإسلام مباشرة وإن ساهموا في تمجيد إسلام مثالي صوفي وشيعي وباطني. لكنهم انتقدوا الكنيسة بجرأة وبدون أن ينكروا المسيحية جهراً، جنحوا إلى ديانة جديدة، أو إلحاد أو نقد عقلاني.

    على الضفة الإسلامية كان نقد المؤسسة ونقد الدين نفسه قائمين وعنيفين جذريين في أحيان لكن أياً من هؤلاء النقاد لم يعتبر نفسه نبياً ولم يدع إلى رسالة أخرى. وأكثرهم تطرفاً اتخذ له مرجعاً في التراث الإسلامي نفسه الذي يعج بالمحتجين والمفكرين والمنتقدين. الزهاوي اتخذ المعري إماماً وطه حسين اقترب من الجاحظ. أما جبران والمهجريون اللبنانيون فأتاح لهم المهجر والنشأة المسيحية أن يضيفوا إلى أسماء في التراث العربي مراجع غربية، كل هذا يجعلنا نفكر أن الأدب اللبناني كان داخل المحيط العربي الإسلامي أدباً عربياً غير إسلامي، أو أنه أدب لا يقع تماماً في الإطار والسجال الإسلاميين، ليست مسألة الديانة الجديدة وحدها هي الفارق، ثمة في أدب جبران شاعرية غير قرآنية. ليست الجزالة ركناً فيها بالضرورة واللغة المجازية فيها غير ملحمية ولا مدوية، قد تكون أقرب إلى الإنجيل، لكنها نثر في تموجه وضبابيته لا ينسب إلا داخل يعج بالأسرار والرؤى والأحلام. انها لغة داخلية إذا جاز القول أي لغة قلما يمكن أن تغدو بوقا عاماً، يجب أن نسمي هنا نثر جبران الإصلاحي الذي لم يكن أفضل ما كتبه ونفكر أكثر بنصوص غايتها كرسوم جبران النفاذ إلى النفس العارية الأثيرية، لغة هوائية متموجة ملونة منغمة وموقعة. هذه هي اللغة التي لم تكن مع ذلك خاصة وأقلوية للغاية، والتي عبرت بأسلوب صالح للتعميم مسل وممتع ومدهش أحيانا عن هموم روحانية بالدرجة الأولى ودينية وحررت هذه الكتابة الهموم من اللغة الدينية التي باتت خشبية ومحنطة وأعطتها مدى آخر وروحاً ثانية.

    ليست لغة جبران الروحانية هي المثال الوحيد، فثمة في مكان آخر نثر دنيوي. يفوح حسية ومزاحاً ونقداً عقلانياً واحتفاء بالواقع كذلك الذي نجده عند مارون عبود. وهذا أدب بلا مسحة دينية ونقد الدين فيه هو إلى حد نقد للغيب هو أيضاً أدب إنساني مسيحه كمسيح رينان طفل ورجل وبشر قبل كل شيء. لكن ثمة أدباً ينحت أكثر مما يروي ويحول اللغة إلى كتلة وإلى حجم وفراغ ومعمار أولاً، أدب يحي جمالاً سيمترياً ورياضياً وقيما بطولية، وعباده للشكل والإيقاع وأسلبة مفرطة. أدب هو بدون أن يدري أو يدعي وثني إلى حد ما، يمكننا أن ندرج في هذا الاتجاه أمين نخله وسعيد عقل، هكذا في التحرر من النص القرآني النسبي ومباراة القرآن شق الأدباء المسيحيون في اللغة العربية طرقاً متعددة لم يكن الياس أبو شبكة بعيداً عنها.

    الوسواس لا الزيارة

    أين نضع الياس أبو شبكة، لا يبدو عليه أنه من السلالة الجبرانية ولا من المتأثرين بالأدب المهجري فليس المثال النبوي مثاله ولا المغامرة الصوفية والا الاستبطان الروحي ثم انه في الغالب أخذ على الأدب المهجري رخاوة لغوية ورخاوة عاطفية، فشعر أبي شبكة شعر عاطفة صراعية ولغة صدامية إذا جاز القول. لم كانت الرومانطيقية هي كلمة السر في الشعر العربي يومذاك لكنها رومانطيقيات، وهي (أي الرومانطيقية) في غالب الأحيان إسم لأشياء كثيرة ومختلفة. لكن يمكننا أن نتحدث عن عودة لشعر أقل متانة وفخامة. لشعر المقطعات السهلة والخفيفة والمعدة للغناء والغزيرة بالانشاء العاطفي. شعر وجد دائماً في الشعر العربي إلى جانب البلاطي الحماسي الحربي الجزل والمتين، وجد كشعر حب وخمر ويوميات بسيطة. وباسم الرومانطيقية استعيد شعر مباشر يركز على معان بسيطة ولا يعبأ كثيراً بالنسيج اللغوي بقدر ما يهتم بالرسالة العاطفية. في الشعر اللبناني كان هناك إلى جانب أبو شبكة شاعر متين نحات منمنم لكنه شكلاني وبارد هو أمين نخله، وشاعر عاطفي لا يملك دائماً شكله هو صلاح لبكي.

    الإثنان بالتأكيد في نظمهما أقل شاعرية من جبران في نثره. فشعرهما وشعر بقية معاصريهما قصير المدى ضئيل المسرح محدود المغامرة. نمنمة لطيفة لكنها متكررة أو توسل عاطفي بلا عمق. ولنقل أننا حيال شعر غير طموح لأن يتوسع في عالمه وتجربته وقاموسه. لم يكن هذا شأن أبو شبكة الذي لم يبال كثيراً باللغة الغيبية والسياحة الروحية لجبران، فأبو شبكة ليس من هؤلاء الذين يطمئنون إلى الغموض ولا التهاويم ولا الاستسلام الكلي للإيقاع والموسيقى الصوتية، هو على الأرجح، رغم دينية تجربته وباطنيتها أميل إلى الوضوح فالعذاب لا يكون مبهما وضبابياً والألم صريح وواضح كجرح، لم يهتم أبو شبكة بالتأكيد برمزية طبعت الأدب اللبناني منذ جبران. لم يكن جبراني الطبع ولا اللغة ولا المخيلة. هذا الفارق يحسب بالتأكيد في أدب كان ـ على نحو أو آخر ـ تحت السطوة الجبرانية، لنقل أن أبو شبكة لم يعان ليتحرر من هذه السطوة. لم يكن مزاجه مزاج استبطان ولا غنوصية ولا سياحة روحية. ثم انه كان الأول الذي يحمل شعره بوضوح أثر تمعنه في الشعر الفرنسي: راسين، الفرد دوفيني، بودلير. ثلاثة أحسب أنهم أثروا في شعر أبو شبكة. لذلك عمر بوسواس ديني ومخيلة توراتية وعالم شيطاني وجحيمي. لم يكن في الرحلة الروحية ولكن في المعاناة والعذاب الروحيين، لم يكن في الدين كاستبطان وحج ولكن كوسواس وخوف وصراع داخلي، لم يكن المجنون ولا النبي مثاله وشخصه، ولكن الآثم الخاطئ المكسور تحت وطأة شهواته، الزاني الموصوم. لم تسكنه الملائكة ولكن الشياطين، ولنقل أن أبو شبكة الذي لم يحتفل بضبابية جبران، اثر عليها، لا الوضوح فحسب، ولكن المباشرة فأبو شبكة شاعر معان اولاً، لكنها معان لا تجعلها مباشرتها بسيطة ولا سطحية انها معان منغرسة في تجربة وسواسية صراعية عميقة إلى حد كبير.

    لذا لا تعني تسمية الأشياء بأسمائها عند أبو شبكة الفراغ منها والاكتفاء بلفظها، فحين يسمى أبو شبكة الاثم والشهوة والحب فليس لكي يضع حداً ولكن يبدأ نبشاً وحفراً وتوغلاً داخل العذاب الشخصي وداخل الخوف والتهاويل والظلام المسكون بالشياطين، أي انه يغوص في معان مفتوحة وفي أسماء مفتوحة ووساوس مفتوحة. شعر أبو شبكة لذلك شعر أرضي رغم عالمه الديني، فالمغامرة على الأرض لا في السماء، والقلق قلق الكائن البشري والصراع داخل نفسه، ولنقل بكلمة أبسط ان الصراع داخل نفسه وجسده. الجسد هو الذي يصارع، ويصارع والصراع يدور بلغة الجسد ولغة الرغبة. لغة أبو شبكة ليست شبحية ولا تهويمية، انها مسنونة حادة مجسمة إلى حد بعيد، لغة لها إيقاع الارتطام الجسدي فهي هكذا لغة جسدية، بل مبالغة في جسديتها. إذ الشهوة هي ايضا في الدم وهي الوجه المدمى المنخور والجسد المتساقط. مخيلة أبو شبكة في أفصل شعره جسدية سدومية، ولغته كذلك عصبية إلى حد بعيد. ففي تقطعها توتر واضح وفي سيولتها هياج واضح، بل هي في أعلى تخييلها هيسترية هاذية. لغة كهذه مبرية حادة هي غير لغة جبران التهويمية الضبابية، وهي بدون شك غير لغة النوستالجيا المهجرية الرقيقة المنغمة. شعر أبو شبكة من هذه الناحية تهييج اللغة، أو تقصيب لها، ليس أبو شبكة نحاتاً ولا منمنماً ولا مزخرفاً بالطبع، فلغته هجومية وعنيفة وقاسية، إذ مهما كان الأمر، فإن هذه العوالم الحجمية ليست بدون قسوة، بل ليست بدون قدر كبير من الاشمئزاز والنفور والقرف (بالمعنى الجسدي للكلمة) وهذا بطبيعة الحال يفرده، تماماً فشعر معاصريه لم يكن قاسياً بل بدا وكأن القسوة منافية للشعر أو أن الشعر مرادف للطف والأنس والإلفة وأبو شبكة يعرف كيف يلعن ويرجم ويزدري، بل يعرف كيف يكره نفسه وجسده وشهوته بالدرجة الأولى. انه فعل العقاب والتشهير. لكنه، وربما بسبب ذلك، يرق أكثر أو تتميز رقته أكثر فهي رقة التائب الذي يغتنم لحظة هناءة وطمأنيته، بل الرقة التي تنتزع من أدار الغضب والقسوة، كذلك يحسن أن يعيّد، ان يرفع صوته بالشكر والتهليل، وكما يعرف الفجور يعرف أيضاً الزفاف والخلاص. الريف غالباً هو أرض الخلاص والسلام فالإثم يقترن بالمدن الموبؤة. هذه هي الأماكن المدنسة الفاجرة. أيا كان موضوع شعره فأبو شبكة يعرف القسوة وقسوته وقسوة أبو شبكة أيضا فعل لغوي فنحن نراها بالتأكيد في لغة مسننة ضارية جسدية حتى الافراط صدامية بل وهجومية واضحة ومحددة إن لم نقل دقيقة، هنا ليست الأصوات أسرع من المعاني ولا الصورة أسرع من الفكرة. ثمة أفكار لنقل ثمة أفكار لها طبيعة الوساوس. أفكار هوسية هيستيرية، وعلى هذا فهي أفكار متوترة مرضية. وتخرج كانفعالات وعذابات ورؤى مخيفة.

    أبو شبكة يعرف أن يعيّد، بل هو فريد في تميزه للمقامات والأحوال. ثمة الخطيئة وثمة التوبة. ثمة الإثم وثمة الزفاف، ثمة المدينة وثمة الريف، ثمة العقاب وثمة الخلاص، دراميته هذه واضحة بل هو في الشعر العربي يومذاك فريد في دراميته. شعره هو الكائن وسط عذاباته ونزاعه الداخلي وسقوطه في النهاية تحت وطأة صراعه الداخلي، فحين يخاطب أبو شبكة أميرة الشهوة الحمراء إن دمي، من نسلك الهادم والمهدوم فاحترمي أو يا ابنة الاثم هذه شفتايا.

    فهو يدير الحوار إلى داخله وفي داخله تمر فصول الخوف والقلق والعذاب والنعمة فصلاً فصلاً.

    من هو الياس أبو شبكة

    من هو الياس أبو شبكة، إذا عدنا إلى سيرته نجدها أيضا خاصة، ومفارقة فإن يولد في الولايات المتحدة (1903) وان يشتغل والده في الخرطوم ويقتل فيها على أيدي قطاع طرق.

    ليست مألوفة ولا عادية. كتب أبو شبكة بالعربية والفرنسية ورغم إتقان سابقيه اللبنانيين للفرنسية إلا أنهم تشبعوا بالتراث العربي والقصيدة العربية فلم تتعد صلتهم بالفرنسية غالباً التأثر البعيد والاقتباس. وأبو شبكة من الأوائل الذين وضعوا هذا التأثير في صلب عملهم الشعري. وربما كان الأوائل الذين قرنوا الشعر برأي بالشعر وقراءة نقدية لمعاصريه. فقد انتقد ما اعتبره تقليدية الأخطل لكنه أيضاً انتقد فاليريه سعيد عقل. وفي الحالين كان الشعر بالنسبة له تعبيراً حراً وداخلياً أكثر مما هو صناعة أو معمار. في هذا جعل أبو شبكة عن الشعر رؤية اختيارا ثقافياً ونقداً للشعر. كما جعل الشاعر ناقداً وداعية، قد يكون أبو شبكة في ذلك كما سعيد عقل من بعده سلفا صالحاً للأجيال الشعرية الآتية في اعتبار الشعر مسؤولية ثقافية أيضا، أبو شبكة كان خاصاً ايضا في طبعه وسلوكه. أخّره الفقر عن زواج خطيبته عشر سنوات لكنه مع ذلك خاض في مغامرات غرامية فبعضها علني وتجرأ على ان يعلق صورة عشيقة مصرية في صدر بيته الزوجي. حدة وقلق وفقر عقيم. وقدرة على النقد والشجار تجاوزت الشعر إلى السياسة وتقلب بين يسارية مبكرة ومسيحية متطهرة. وبالتأكيد لم تكن نزعاته الأخرى أقل التباساً: محافظة وتحرر، عروبوية لا تمنع حساسية لبنانية وطائفية أحياناً، أحس اللبنانيون والعرب بسرعة بالياس أبو شبكة الذي توفي في الرابعة والأربعين والأرجح أن صداه كان قوياً في العراق الشعري بوجه خاص واليوم يبدو أن الياس أبو شبكة بعد 60 سنة ونيف على وفاته قد نفذ من الزحام.

    السفير
    الجمعة 7 كانون الثاني 2011
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    زيـــارة لمـــارون عبـــود

    عباس بيضون

    هل نقول ان مارون عبود مغبون. أدباء لبنان، وربما أدباء العرب كلهم، لا يمرون بعد رحيلهم في المطهر، أي انهم لا يعرضون لمحاكمة ثانية فلا يأتينا لذلك خبر عنهم ولا نعلم إذا كانت لهم حياة ثانية او ثالثة، او انهم اندثروا بوفاتهم. لا يأتينا نبأ عنهم فلا نعلم إذا كانوا أحياء باقين او ان حياتهم انقطعت. لذا لا نستطيع القول ان مارون عبود مغبون ولو ان هناك علامات على ذلك. قلما نجد حديثا عنه او اسما له في الصحف، قلما نجد له ذكراً في التلفزيونات والإذاعات، هذه علامات بيد اننا لا نعرف إذا كان مارون عبود لا يزال في الذاكرة وان الفتيان يعرفونه معرفة آبائهم او انه بالنسبة لهم اسم دارس. لا نملك احصائيات ثبت ذلك او تنفيه وليس لدينا علم بطباعة كتب عبود إذا كانت تتجدد او انها هي الأخرى انقطعت. لكننا مع ذلك نشعر ان الرجل مغبون. وأن غبن رجل كمارون عبود يحسب له لا عليه. غبن كاتب كمارون عبود قد يعني ببساطة اننا لا نقرأ. كان بديهياً ان يحل مارون عبود ومن هم في صفه بين كلاسيكياتنا وأن نداوم على قراءتهم مداومتنا عليها. غير اننا لم نجد مهلة لنتأمل في بداياتنا ولنتأمل في أنفسنا. خرجنا من شقاق الى شقاق فلم يتحصل لنا الى الآن تاريخ فعلي ولم تتحصل لنا بدايات، ولم نجتمع على أمر في الماضي او الحاضر. ولم نراجع بالتالي حقبة او تراثاً، كان جل ما فعلناه انقطاعات متواترة لم تحفظ لنا مساراً ولا طريقاً. وليست لنا بالتالي مصادر او أصول. ولم نقف على ماض او حاضر. لم نؤسس مكتبة ولم نميز بين مراحل وحقب وكلما شعرنا اننا عثرنا على تاريخنا اعترضنا فجوة جديدة، وتخايل لنا اننا لم نبدأ، فكيف يمكننا والحال هذه ان نرث ما تبدد واختفى وأبعدته عنا قطيعة بل قطائع. اعتددنا في يوم بالأمير فخر الدين وبطانيوس شاهين، كان الأول عنوان الاستقلال والدولة والثاني عنوان الثورة. لكننا لم نصدق استقلالنا ولا دولتنا، وبالطبع لم نصدق عامياتنا وثوراتنا، فكيف نكون أحفاد فخر الدين وطانيوس شاهين وكيف يصح انتسابنا إليهما، وقد تراكمت على دولة الأول دول وعلى ثورة الثاني ثورات.

    أما وقد أنسينا عامية طانيوس شاهين وأنسينا العاميات كلها صح لنا ان ننسى فارس آغا رائعة مارون عبود التي كتبت بحبر العاميات بحيث يمكننا القول ان مارون عبود أديب العاميات. سبق جبران والريحاني الى نقد علاقات الاقطاع الماثلة في الكنيسة المتملكة ومالكي الأرض الكبار لكن أحداً منهما لم يكتب نصا في راديكالية وعنف وقسوة فارس آغا. يمكننا ان نعتبر فارس آغا نصا نضالياً لكن فارس آغا بالدرجة ذاتها نص سياسي وبيان ديموقراطي. فارس آغا مخاض تاريخ، انها ملحمة الصراع ضد الاقطاع الديني والدنيوي. ولم يصل نص من قبل الى راديكالية فارس آغا ونضاليتها فالواضح اننا امام نص ملتزم واع كل الوعي لايديولوجيا الاقطاع وعواقبه السياسية، لذا كانت «فارس آغا» فضحاً كاملاً لداخليات الاقطاع وملابساته وكواليسه. انها نص عيني ووجداني في آن معا ولا ننسى ان مارون عبود ناضل في سبيل قريته عين كفاع وفلاحيها ضد لصوص الماء والأرض. هنا يبرز مارون عبود الديموقراطي الذي يسخر من مسلمات راسخة وينتقد بل ويهزأ من مقدسات متحجرة، هزء لم يبق حصانة لتقليد او عرف او موروث، فالواضح ان مارون عبود الواقعي تناول في فارس آغا المسائل في بنيانها المادي والسياسي والثقافي، واستطاع بجرأة واندفاع ان يلامس الممنوع والمحرم.
    أدب مارون عبود وفارس آغا خصوصاً خرج من مخاض صراع اجتماعي فكري طبع مرحلة بكاملها ولم يكن عبود الوحيد الذي تمثله فالواضح ان أدب تلك الفترة انشغل به والغريب ان الصراع الذي كان بهذه الدرجة والوضوح كان يشير الى تمفصل تاريخي لن يلبث ان يعتم ويغدو التاريخ اللاحق نفسه ضبابياً ان لم يكن سديميا.

    قد يكون مارون عبود مدرسة بذاتها في أدب لبنان. ففي حين كانت الرؤيا الاجتماعية عند جبران في قفص ميتافيزيقي وخلاص ديني، وفي حين كان التغني بالريف والهروب الى الطبيعة هي زفرة الشعر المهجري المشبعة بالحنين، فإن مارون عبود كان بحق ابن أرضه وواقعه. لم يعارض مارون عبود السيطرة الكنسية برؤية دينية فالمشاكل التي عالجها كانت مشاكل الملكية والاستبداد، مشاكل ليست لروح الفلاح الذي كان عبود المتكلم باسمه بل لمعاشه ويومه، ثم ان الريف الذي صوره لم يكن بحال جنة متخيلة ولا ملاذاً. كان الريف ببساطة وسذاجة أهله وخرافاتهم وتدينهم الشعبي.
    إذا كان لنا ان نسمي أدبياً ما لبنانياً فإنه لن يكون سعيد عقل المادح المثابر للبنان ولن يكون أدباء المهجر ولن يكون ابو شبكة في «الحان الحان»، سيكون مارون عبود الذي ليس ريفه جنة مكسوفة ولا مرآة غاربة ولا ملجأ نفسياً وروحياً. مارون عبود الذي ينطق أدبه بمقاساة هذا الريف ونزاعاته، كما ينطق وهذا الأهم بلغة هذا الريف وصوره وتعابيره ومأثوراته وأمثلته وسحره وخرافاته وشعوذاته. ان كان لنا ان نجد لأديب لبناني رافداً محليا وليس هذا دائماً شأن الأدب في لبنان، فهو طيار وغالباً ما يقع على رؤى كوسموبوليتية وميتافيزيقية وخطابية. كان لمارون عبود حتى في أسلوبه خزانة للمأثور البلدي والبلاغة البلدية. وكان في أدبه لذلك، حتى في عبارته، شميم التراب ومعاناة الناس وزفرتهم ووعورتهم، امكن لمارون عبود ان يولد زواجاً فريداً بين الواقع واللغة. لم يكن الريف بالنسبة له فولكلورا كما لم يكن تغنيا. لقد وجد الريف حقا في أدبه لكنه ليس ريفا مصنوعاً وطوباويا انه ريف المفارقات والأوهام والسذاجات والتخاريف. انه ريف مرئي بعيني مثقف نقدي يراه من داخل ومن خارج. يراه على مبعدة ومن الصميم، لذا يضحك مارون عبود من هذا الريف ويسخر وينتقد. ليس الريف الغارب ولا الريف الطوباوي لكنه الريف الحالي الذي لا يستحق مرثية ولا مديحاً بقدر ما يستحق سخرية وضحكا. نعم الضحك قد يكون مارون عبود هو الضاحك الوحيد في أدبنا الذي يتوزعه الحنين والرثاء والتغني وهي أبواب ثلاثة تجاوزها مارون عبود لأنه امام الحقيقة العارية لا يملك إلا ان يتساءل ويضحك أمام الحقيقة العارية لا يملك إلا أن يقف على المفارقات وينبشها ويعلنها. لم يكن مارون عبود رومانطيقيا كما كان جيله كله. كان او ربما، مع الريحاني وعمر فاخوري واقعياً حراً. أحبه القراء يوم كان يكتب لكن ذاكرتهم كما هي ذاكرات العرب قاطبة ليس للواقع فيها سوى لحظته، اما المدى فهو للتذكر والحنين والماضي الخيالي او البطولي، لم يكن هذا شأن مارون عبود الذي لم يكن يقدس الماضي ولا يضمه. كما لم يكن من شأنه تقديس الأشياء فهي جميعها ملأى بالمفارقات والضحك والسخر أكثر إنسانية وذكاء وانعدام أوهام حيالها. أنسي عمر فاخوري ولولا جهد امين ألبرت الريحاني لكان الريحاني أنسي أيضاً، فليس الواقع منظورا بالنسبة لقرائنا ولا الكتابة عنه ومنه منظوره مقدرة. وإذا راقت لنا فإنها هي والواقع لا يمكثان في أذهاننا أكثر من لحظتهما، ويبقى الاهتمام الأكبر ماثلاً للماضي الأسطوري، الماضي الذي ليس سوى عصر ذهبي لا نزال يقتلنا الرثاء له والحنين إليه.

    السفير
    الجمعة 14 كانون الثاني 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    كتاب نيكولا بو وكاترين غراسييه عن تونس:

    السيدة "الوصية على قرطاج"

    بقلم كامل العبيدي – واشنطن

    نشرت "قضايا النهار" منفردة قبل نحو سنة، وضمن اهتمامها الطبيعي بالنتاجات الصادرة في باريس حول مسائل عربية مهمة، مراجعة للكتاب – الحدث يومها "الوصية على قرطاج"

    والذي سيصبح الآن بعد الانتفاضة التونسية ذا أهمية مضاعفة تبعاً لما تضمنه من توقعات "نهاية عهد" أواخر 2009. كاتب المراجعة الذي ارسلها الى "قضايا النهار"

    هو الصحافي والناشط الحقوقي التونسي كمال العبيدي. ننشر ايضاً الرد العنيف الذي ارسلته السفارة التونسية في بيروت على هذه المراجعة يومها.

    لم يستحث كتاب على ما يبدو عداوة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الشهيرة للصحافيين الانتقاديين كما فعل كتاب نيكولا بو وكاترين غراسييه بعنوان "الوصية على عرش قرطاج: السيطرة على تونس"(•)، هذا الجمع الذي يأتي في الوقت المناسب لروايات عن صعود النفوذ السياسي والاقتصادي لزوجته الثانية واتهامها بالتورّط في الفساد، في وقت "يشارف فيه" حكمه السلطوي "على نهايته" لأسباب صحية، بحسب صحافيَي التقصي الفرنسيَين اللذين وضعا الكتاب.
    لقد رفعت ليلى طرابلسي، مزيّنة الشعر السابقة التي يُزعَم أن بن علي صادقها عندما كان ضابطاً أمنياً رفيع المستوى وتزوجها بعد خمس سنوات من تسلّمه السلطة عام 1987، دعوى في باريس ضد الكاتبَين بتهمة القدح والذم. وقد رفضت المحاكم الفرنسية طلبها فرض حظر فوري على الكتاب وسمحت بصدوره قبيل إعادة انتخاب بن علي غير المفاجئة في تشرين الأول الماضي لولاية خامسة ممتدّة لخمس سنوات.

    على الرغم من أن كتاب "الوصية على قرطاج" ليس موثّقاً بقدر Notre Ami Ben Ali (صديقنا بن علي) الذي شارك بو في تأليفه إلى جانب جان-بيار توكوا من صحيفة "الموند" ونُشِر قبل بضعة أسابيع من إعادة انتخاب بن علي "الأورويلية" بـ99 في المئة من الأصوات قبل عشرة أعوام، إلا أنه استقطب مزيداً من الاهتمام الإعلامي وتسبّب بغضب أكبر في القصر الرئاسي. يُنسَب الفضل على نطاق واسع للكتاب إلى جانب مقالات وملاحظات نقدية من صحافيين ومعارضين تونسيين محاصَرين، بالمساهمة في خفض نسبة الأصوات التي حصل عليها بن علي من نحو 95 في المئة عام 2004 إلى 89.62 في المئة في الانتخابات الأخيرة. لقد أفادت المجموعات الدولية التي تعنى بحرية الصحافة عن زيادة الهجمات على الصحافيين في تونس عقب صدور الكتاب في فرنسا. كانت حقائبهم تخضع للتفتيش بحثاً عن نسخ من الكتاب لدى وصولهم إلى مطار قرطاج في تونس. وحُظِرت المواقع الإلكترونية التي تعرض الكتاب أو تنشر خبراً عنه. وتعرّض الصحافيون المحليون، لا سيما أولئك الذين اقتبس عنهم المؤلفان أو اشتُبِه بتعاونهم مع زميلَيهم الأجنبيين، للاعتداء أو سُجِنوا في خضم حملة غير مسبوقة لتشويه سمعة الصحافيين التونسيين والأجانب الذين ينتقدون النظام.
    يلفت الكاتبان إلى أنه لولا الحقوق – الفريدة في المنطقة – التي منحها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة للمرأة التونسية بعد بضعة أشهر من الاستقلال عام 1956، ما كانت زوجته الثانية وسيلة بن عمار ولا زوجة خلفه الثانية لتتمكّنا من ممارسة كل هذا النفوذ السياسي أو التمتع بكل هذه الأضواء. لكن ليلى طرابلسي توصَف بأنها أكثر جشعاً وخطورة بكثير لمستقبل البلاد من "الماجدة وسيلة" التي طلّقها بورقيبة المتقدّم في السن والذي أصبحت تصرّفاته غريبة، وذلك قبل عام من قيام بن علي بطرده من منصبه بسبب "إصابته بالخرَف".

    وفقاً للكاتبَين، لا تتمتّع طرابلسي بصحة ممتازة بسن الثانية والخمسين وحسب، بل تطّلع أيضاً على كل أسرار الدولة منذ عام 1987. لقد وضعت أزلامها في كل مكان، وجمعت إلى جانب عائلتها الممتدّة التي تبدي تضامناً مطلقاً بين أفرادها، ثروة طائلة تستطيع "شراء طاعة أي شخص متردّد". ومن هنا قانون 2005 السيّئ السمعة الذي منح "منافع تقاعدية" هائلة للرؤساء السابقين عند مغادرتهم منصبهم أو لعائلاتهم في حال وفاتهم. سرعان ما أُقِرّ القانون وتمت الموافقة عليه ونشره في وقت كانت تكثر فيه الشائعات عن صحة الرئيس.

    يعتبر المؤلفان بو وغراسيه أنه إذا توفي بن علي، 73 عاماً، فجأة أو أصبح عاجزاً عن النهوض بأعباء منصبه، فقد تصبح زوجته "الوصية على قرطاج" وتحوّل تونس من "ديكتاتورية ناعمة" إلى "جمهورية موز". لا يزال ابنهما الوحيد، محمد، دون سن العاشرة. ويرجّع الكاتبان صدى شائعات متزايدة في أوساط التونسيين بأن مرشح السيدة الأولى المفضّل لخلافة زوجها هو صهرها، رجل الأعمال والسياسي الصاعد صخر الماطري، 29 عاماً، الذي برز واحداً من أغنى الأقطاب الصناعيين والإعلاميين في البلاد بعد زواجه من ابنتها نسرين. وشقيق السيدة الأولى الأصغر، رجل الأعمال الحاضر في كل مكان بلحسن طرابلسي، هو شخصية بارزة أخرى في ما يسمّيه التونسيون "العائلة الحاكمة".
    يروي المؤلفان أيضاً كيف تمت حماية ابنَي شقيقَيها، عماد ومعز طرابلسي، من المقاضاة في فرنسا بعد تورّطهما في سرقة يخوت فخمة. أحد اليخوت المسروقة، وقد شوهد يرسو قرب القصر الرئاسي في قرطاج في أيار 2006، يملكه برونو روجيه، وهو مصرفي مقرّب من الرئيس السابق جاك شيراك ووزير داخليته آنذاك نيكولا ساركوزي. وقد عُرِف عن الرجلَين امتداحهما مهارات بن علي القيادية. كان ساركوزي رئيس الدولة الأول بعد العقيد القذافي الذي يحكم ليبيا المجاورة منذ عام 1969، الذي هنّأ بن علي على إعادة انتخابه.

    يخصّص بو وغراسييه حيّزاً كبيراً للحديث عن قدرة مجموعات الضغط الموالية لبن علي في باريس على توسيع دائرة داعميه في أوساط السياسيين الفرنسيين من الاتجاهات المختلفة. وتشمل هذه المجموعات "رجلاً مضيافاً" غالباً ما يدعو الصحافيين الذين يغطّون أخبار تونس لتناول العشاء في أفخر المطاعم الباريسية و"تمضية عطلتهم مع عائلاتهم في أحد نواديه في تونس على نفقة الأميرة".

    ويَمضي الكاتبان لتبيان التناقض بين التزلّف الفرنسي والطريقة التي ترفع بها الولايات المتحدة صوتها لانتقاد سجل بن علي الذي يزداد سوءاً في مجال حقوق الإنسان، وللحض على وقف الهجمات على الصحافة. كما تشجّع واشنطن ديبلوماسييها على الاجتماع بالمعارضين التونسيين "مما يثير غضباً عارماً لدى القصر الرئاسي في قرطاج". ويخلصان إلى أنه في غياب "حوار سياسي متماسك وحقيقي" مع تونس، "تتحوّل باريس نحو الإطراء على ديكتاتور في طريقه للخروج من السلطة".

    (2/ 12/ 2009)

    (•) La Régente de Carthage: Main Basse sur la Tunisie Nicolas Beau and Catherine Graciet La Découverte, Paris 2009

    ( صحافي تونسي)​

    المكتب الإعلامي لسفارة تونس في بيروت:

    كاتب زور عن كتاب دنيء

    نشرت جريدتكم في عددها الصادر يوم الأربعاء 2 كانون الأول الجاري مقالا تحت عنوان "كتاب نيكولا بو وكاترين غراسييه عن تونس: السيدة "الوصية على قرطاج" نقلاً عن جريدة "ميدل إيست انترناشونال". وإن المطلع عليه ينتابه شعور من الغرابة والاستياء، خصوصا أنه نشر بصفحة "قضايا النهار" كما لو كان يطرح قضية فكرية أو سياسية تدخل في إطار حرية التعبير عن الرأي ومناقشة الخيارات الاجتماعية والسياسية ذات العلاقة بالشأن التونسي أو يرتقي إلى ذلك. والإجابة لا تستدعي أي جهد، لأن القارئ وجد نفسه أمام نسيج من الأكاذيب والمغالطات المنقولة من كتابات البعض ممّن اختصوا في التطاول على المقامات وترويج الأخبار الزائفة والادعاءات المغرضة بحثا عن الإثارة الرخيصة والشهرة المفقودة.

    والكتاب الذي تناوله المقال هو عيّنة من تلك الكتب التي ينطبق عليها القول "إذا لم تستح فافعل ما شئت!" لأنه ضرب عرض الحائط بأبسط القيم الأخلاقية ويكرّس نزعة مرضية للإساءة والتشكيك في مسيرة دولة يشهد العالم بأسره من خلال تقارير شتى المؤسسات الدولية على أنها أنموذج يحتذى للبلد الصاعد في جميع ميادين التنمية.

    وإن مبعث استيائنا يكمن في مبادرة مؤسسة عريقة عرفت بجديتها وحرفيتها، وهي جريدة "النهار" التي نكنّ لها كل التقدير والاحترام، الى ترجمة مقال أراد ترويج كتاب تجاهلته وسائل الإعلام التي خبرت التمييز بين الغثّ والسمين، والتي تفرّق بين حرية التعبير و"حرية الثلب وهتك الأعراض بل وقاحة الثلب".

    ثم ان كاتب المقال شهد على زوره عندما اعترف بأن الكتاب موضوع تعليقه "ليس موثقا"، وهو عين الحقيقة، لأنه تحدّث عن واقع افتراضي في بلد موجود ربما على كوكب آخر، لا يمكن أن يكون تونس، البلد المنفتح على العالم والذي يستقبل سنويا أكثر من سبعة ملايين سائح.

    وهل يستقيم الحديث عن "فساد" عندما يعلم كل من زار بلادنا وقرأ عنها:

    - ان تونس دولة القانون والمؤسسات عرفت الدستور منذ عهد قرطاج، أي منذ ثلاثة آلاف سنة وان قائدها الرئيس زين العابدين بن علي بادر منذ اللحظات الأولى لتغيير 7 تشرين الثاني 1987 الى إعادة الاعتبار للنظام الجمهوري القائم على سيادة الشعب.

    - ان المسار الديموقراطي الذي تشهده تونس زاد ترسّخا خلال الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة التي كرّست شفافية الممارسة الديموقراطية وأكدت نضج التجربة السياسية التعددية.

    - كيف يستقيم الحديث عن "اعتداء" على الحريات الصحافية في بلد يفتخر بتقاليده الصحافية التي تعود إلى مطلع القرن الماضي والذي تصدر فيه أكثر من 250 مطبوعة ونشرية بما في ذلك صحف أحزاب المعارضة التي توزع بكل حرية. ثم ألا ينطبق القانون على الجميع حتى في أعرق الدول الديموقراطية ولا مجال لأية "حصانة" للإفلات من المسؤولية.
    - ان منتدى دافوس الاقتصادي صنّف تونس، في تقريره الأخير لهذه السنة، في المرتبة الثانية عالميا في مجال الشفافية وحسن التصرف في الأموال العمومية.

    - إن مسار الحداثة في تونس وعنوانه الأكبر تحرّر المرأة تعزّز لمناسبة الانتخابات النيابية التي انتظمت ببلادنا منذ أسابيع قليلة عندما حازت المرأة نسبة تقارب الـ30% من مقاعد مجلس النواب وهي نسبة تتجاوز المعدل الأوروبي الذي هو في حدود الـ17% من المقاعد.

    وجملة هذه المكاسب لم تأتِ من فراغ وإنما هي ثمار الحكم الرشيد الذي أسس له الرئيس بن علي، الحكم القائم على المشاركة السياسية وحرية المبادرة والمراهنة على رأس المال البشري الذي هو ثروة تونس الأولى.

    ونحن إذ نذكّر بهذه المعطيات والحقائق فإن تونس لا تضع نفسها في موقع دفاع لأنها في غنى عن ذلك ولأن المكاسب التي يلمسها شعبنا في حياته اليومية من خلال مؤشرات التنمية البشرية ومقومات العيش الكريم وجودة الحياة ومناخ الحرية والديموقراطية، تمثل خير ردّ على مثل هذه الأصوات الناعقة وهذه المحاولات اليائسة للنيل منها. وهنا يكفينا التذكير ان الكتاب موضوع المقال صدر عشية الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي شهدتها تونس اخيرا، وهو ما يقيم الدليل على انتهازية مؤلفيه لان غايتهما الدنيئة لا تتجاوز السعي لإحداث "فرقعة إعلامية" والمحاولة عبثا للتشويش على تلك الانتخابات، وانه لمن المضحكات - المبكيات أن يتجرأ كاتب المقال على القول بأن الكتاب ساهم "في خفض نسبة الأصوات التي حصل عليها بن علي"!!..

    إن مثل هذه المحاولات لا يمكن أن تنال من صورة تونس أو أن تؤثر في مسيرتها التي تمضي قدما بفضل حكمة قيادتها ووعي شعبها نحو مزيد من التألق والنجاح.

    صحيح ان الحجارة لا تستهدف إلا الشجرة المثمرة، والآية الكريمة تقول "أما الزّبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" (صدق الله العظيم).


    المكتب الإعلامي لسفارة تونس في بيروت

    (4/12/2009))​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    تطلب إنجازه عشر سنوات وفريق عمل من ثلاثين شخصاً

    غريد الشيخ: «المعجم» اختصار للمعاجم القديمة والحديثة ويضمها كلها

    اسكندر حبش

    بعد جهد عشر سنوات صدر مؤخراً لغريد الشيخ «المعجم» وفيه تحاول أن تجمع ما بين المعاجم العربية القديمة والمعاجم الحديثة. حول هذا العمل كان اللقاء التالي:

    [ ما الذي دفعك اليوم إلى إصدار معجم جديد للغة العربية، وبخاصة أن هناك العديد من المعاجم الأخرى؟

    ـ طبعا السوق كما قلت ملأى بالمعاجم العربية القديمة والحديثة ولكن خلال عملي منذ سنوات طويلة في تحقيق المخطوطات واضطراري إلى الرجوع إلى المعاجم يوميا عشرات المرات وجدت أن هناك ثغرة كبيرة بين المعاجم القديمة والتي ما زلنا نضطر يوميا للرجوع إليها بما فيها من صعوبة في الوصول إلى الكلمة التي يحتاجها القارئ، وبُعدٍ عن عصر تسيطر فيه التكنولوجيا، أي هو عصر السرعة في كل شيء، وبين المعاجم الحديثة التي لها أهميتها ولكنها تفتقر إلى كثير من الألفاظ العربية التي اعتبر منتجو المعاجم الحديثة أنها لغة بائدة أو كلمات لا نستعملها اليوم.

    ومن هنا كان لا بدّ من تأليف معجم يضم جميع مفردات اللغة العربية والتي نُضطر إليها إن كنّا نريد الرجوع إلى كتب التراث والشعر العربي القديم أو أثناء قراءة القرآن الكريم.

    ولا بدّ لهذا المعجم وفي هذا العصر بالذات أن يكون سهل التناول ويحتوي إلى جانب اللغة العربية، المصطلحات الحديثة، الفلسفية والعلمية وغيرها وأيضا معجما للإعراب لصعوبة هذه المادة وتفرقها في كتب كثيرة قد لا يتوفر لدى كثيرين الحصول على الكتاب الأفضل.

    [ قبل أن أتابع بسؤال آخر حول المعجم، هل لك أن توضحي جملة «الحصول على الكتاب الأفضل»؟

    ـ أقصد بالنسبة إلى كتاب الإعراب والقواعد السهلة والتي يحتاج إليها كل من يعمل في الكتابة والقراءة من إعلاميين وطلاب وجامعيين الخ..

    [ السؤال البديهي الذي يطرح نفسه، هو حول طريقة عملك في هذا المعجم وأين يفترق في العمق عن العمل الذي عرفناه في المعاجم الأخرى؟

    أولا قمنا، أنا وفريق عمل مؤلف من حوالى ثلاثين شخصا من المتخصصين باللغة العربية، بتفريغ معجم لسان العرب – المادة اللغوية طبعا ـ واستكملنا النقص وقارنا مع معجم تاج العروس، ثم رجعنا إلى القاموس المحيط وبهذا نكون قد أفرغنا كل المادة اللغوية في هذه المعاجم الثلاثة واستبعدنا الزوائد والاستطرادات التي كانت ضمن تأليف المعاجم القديمة.

    وبعد هذه المرحلة الأولى قمنا بترتيب المادة اللغوية حسب نطق الكلمة وإملائها وهي الطريقة الأسهل في العصر الحديث. وبعد ذلك قمنا بإدخال المصطلحات العلمية والفلسفية والقانونية بعد أن ترجمناها من اللغات الأخرى وأيضا وضعنا الكلمة حسب نطقها، بالترتيب الأبجدي، مع وضع اللفظ الأجنبي إلى جانبها. ثم قمنا بإدخال الاعرابات المختلفة للكلمة، فكان المعجم بهذه الطريقة موجها إلى كل الأعمار والمستويات ومرجعا بالنسبة إلى المتخصصين وغير المتخصصين.

    [ كم استمر العمل في إعداد هذا المعجم؟

    ـ تقريبا عشر سنوات.

    [ كيف توزع العمل على الفريق الذي ساهم في تحقيقه؟

    ـ المرحلة الأولى كانت في تفريغ المعاجم القديمة على بطاقات، ما يسمى اليوم، التقميش، وهذا العمل هو الذي استغرق الوقت الأطول وعمل فيه أكبر عدد من المتخصصين. ثم بعد ذلك أُخذ هذا العمل إلى التنضيد ثم صُحّح لأكثر من خمس مرات. طبعا، في كل مرة كان يختلف المصحح عن المرة الأولى.

    ثم جاءت الاضافات ووضعت في مكانها المناسب أي بحسب ترتيبها الأبجدي. أريد أن أشير الى أنه أثناء تفريغ المعاجم القديمة على بطاقات، كان هناك فريق يقوم بترجمة المصطلحات من اللغات الأجنبية وكانت أيضا تُصف وتوضع في مكانها. وما يميز هذا المعجم عن غيره أن المادة العلمية فيه أشرف عليها متخصصون كالدكتور منيب العيد، أستاذ علم الفيزياء في الجامعة الأميركية، فقد أشرف على كل المادة العلمية بعد أن تجمعت، فتجد في هذا المعجم تعريف الأوزون والاحتباس الحراري والماء وحتى المعادن في الأرض والجو، وهي مكتوبة بشكل علمي يستطيع طالب المدرسة أن يعود إليها ويعتمدها في دراسته.

    صعوبات واقتراحات

    [ما هي الصعوبات التي واجهتموها في تعريب المصطلحات وبخاصة أننا نعرف، أن هناك اقتراحات عدة في تعريب المصطلحات وبخاصة العلمية؟

    ـ طبعا هناك متخصصون باللغة الانكليزية هم الذين قاموا بترجمة المصطلحات من موسوعات عالمية وليس من الانترنت، وبعد الترجمة قمت باختصار هذه المادة المترجمة لتكون مناسبة للمعجم كعمل يحتاج إلى الدقة والتركيز والاختصار. أما بالنسبة إلى المصطلحات الفلسفية فقد اعتمدنا «المعجم الفلسفي».

    [ تقولين «وليس من الانترنت» وفي مقدمة المعجم تشيرين إلى خطورة الانترنت؟ برأيك كيف يمثل خطرا على اللغة العربية وعلى غيرها؟

    ـ طبعا العلم الحديث والتكنولوجيا أمر مهم جدا بالنسبة إلى الإنسان اليوم ولكن ككل سلاح له محاسنه ومخاطره، أو بالأحرى هو سلاح ذو حدين خصوصا بالنسبة إلى من يعتمدون هذه التكنولوجيا اليوم ويعتبرونها صحيحة مئة بالمئة ولا يشكون في صحة ما يجدونه على الانترنت أو على الأقراص المضغوطة. وهذا ما يلاحظه كل من يعلم في علم معين، فإذا أردت أن ترجع إلى الانترنت لتستخرج مادة علمية مثلا وأنت تعرفها جيدا، تكتشف مدى الأخطاء الموجودة وهذا ما لا يعرفه الجاهل طبعا. أما بالنسبة إلى اللغة العربية فللأسف الشديد إن وجود المعاجم الكثيرة القديمة والحديثة على الانترنت وعلى الأقراص المضغوطة يساهم في نشر الأخطاء الكثيرة والمشوهة للغة العربية والمدمرة لها لأن الانترنت أسهل في التناول بالنسبة على الطالب وغيره وارخص طبعا من شراء معجم. من هنا، وجدنا أنه لا بد من إصدار صرخة إلى جميع مجامع اللغة العربية لتستدرك وتصدر معاجم جيدة ومتقنة ومصححة وتضعها على الانترنت أو على الأقراص بدل أن تنتشر المعاجم السيئة والمليئة بالأخطاء.

    [ هل أشرتم في المعجم إلى التطورات اللغوية التي لحقت ببعض الكلمات وأصبح استعمالها شائعا؟

    ـ حاولنا فقط في المعجم الحفاظ على اللغة العربية الأولى أي على متن اللغة وأضفنا الاستخدامات المتعددة للكلمة أي المجازات والتي تجاهلها أصحاب المعاجم الحدية.

    [ تصدرين أيضا «معجمي المصور» باللغات الثلاث

    ـ هذا المعجم موجه إلى كل الأعمار تقريبا وخصوصا من سن العاشرة إلى سن المئة وعشرة
    [ والهدف منه؟

    أولا تعليمي فهو يساعد القارئ على تذكر أكبر عدد من الكلمات وربطها مع الصورة وهذه بالطبع من أفضل طرق التعليم حاليا أي أن ترتبط الصورة مع الكلمة باللغات الثلاث.

    [ مشروع المعجم بحاجة إلى مؤسسة وعملت عليه مع فريق عمل بدون دعم؟

    ـ طبعا في ظل تقصير المؤسسات الكبيرة ومؤسسات الدول بشكل خاص بالنسبة إلى اللغة العربية وجدت أنه لا بدّ من خطوة شجاعة وعمل دؤوب للوصول إلى الهدف الذي وضعته نصب عيني وهو إخراج معجم لغوي عربي يحافظ على متن اللغة في عصر فيه الكثير من الحرب على هذه اللغة ومن منطلق أن أي أمة لا تستطيع الحفاظ على ذاتها إذا أهملت لغتها واستخفت بها على حساب اللغات الأخرى.

    من صعوبات هذا العمل أنه استمر لفترة طويلة وكان بحاجة إلى تمويل لدفع مستحقات من يعمل فيه وأنا طبعا كصاحبة مؤسسة صغيرة هي «دار النخبة» كان لا بد من الاستعانة بمن يهتم بهذه اللغة ويسعى للحفاظ عليها وقد وجدت من يقف إلى جانبي في هذا المشوار الطويل.

    [ سؤال أخير لِمَ سميته «المعجم»؟

    لأنه يُعتبر اختصارا للمعاجم القديمة والحديثة ويضم كل ما تضمه هذه وتلك. كلمة أخيرة أريد أن أضيفها لو سمحت، هو أننا بدأنا في دار النخبة في نشر بعض إصداراتنا الأدبية على الانترنت مجانا ليستطيع أي إنسان أن يقرأها ولتصل إلى أكبر عدد من الناس على مبدأ الثقافة للجميع.


    السفير
    الأربعاء 19 كانون الثاني 2011​
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member
    Les Etats-Unis haussent le ton

    Les arrières du régime de Ben Ali sont donc bien assurés du côté de Paris, mais ses responsables savent depuis la nouvelle conjoncture mondiale des années 1990 que la puissance française n'est plus ce qu'elle était. C'est pourquoi ils ont également beaucoup investi pour établir des ponts avec Washington; Les ةtats-Unis sont bien implantés au Maghreb et, après les attentats du 11 septembre 2001, ont fait de la Tunisie, comme de l'Algérie et du Maroc, des alliés privilégiés dans la lutte contre le terrorisme islamiste. Depuis plus, aux yeux de Washington, dans ses jeunes années Zine-el-Abidine a eu le bon goût de passer une vingtaine de mois en Amérique, où il a été formé à l'ةcole militaire supérieure de renseignement et de sécurité de Baltimore. Voilà qui crée des liens. Il n'est d'ailleurs pas le seul du régime à avoir noué ce type de relations avec les sécuritaires américains. Ministre de la Défense depuis 2005, Kamel Morjane, dont le nom circule parfois pour remplacer Ben Ali, entretient également de solides contacts aux ةtats-Unis - pays dont il posséderait en outre la nationalité (en plus de la tunisienne) -, qu'il a notamment noués lors de sa longue carrière au sein de l'ONU, couronnée par son accession en 2001 au poste numéro deux de Haut Commissaire des Nations unis pour les réfugiés.

    La régente de Carthage - page 162


    Kamel Morjane
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member
    Mais en dépit de ces flagornerie qui n'ont rien à envier à celles des élus français, les ةtats-Unis savent aussi, contrairement à la France, manier le bâton.Depuis les années 2000, les diplomates de la représentation américaine à Tunis rencontrent régulièrement les opposants au régime et et entretiennent des contacts avec les dissidents exilés à l'étranger. A la grande fureur de Carthage... Autre signe d'une certaine fermeté américaine: le site web de l'ambassade des ةtats-Unis est le seul recensant les (nombreuses violations des droits de l'homme à ne pas être censuré en Tunisie.

    La régente de Carthage -page 163
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member
    Si la Tunisie de Ben Ali coopère avec les Américains dans le cadre de la lutte antiterroriste, à Washington les administrations successives n'hésitent pas pour autant à remettre fermement Zine à sa place. Ainsi, en juillet 2009 John Kerry, président de la commission des affaires étrangères du Sénat et ex-candidat démocrate à la présidentielle, déclare: "Nous allons voir si le président Ben Ali va aérer la vie publique. La situation est alarmante et l'on me rapporte que la liberté des médias est l'une des plus mauvaises dans le monde arabe." Une déclaration qui sonne comme un avertissement.

    La régente de Carthage - page 164
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member
    Mais le coup le plus dur fut incontestablement assené par l'ancienne secrétaire d'Etat de George W. Bush, Condolezza Rice. En tournée au Maghreb en septembre 2008, elle a effectué une halte en Tunisie et bien évidemment rencontré Ben Ali, qui avait mis les petits plats dans les grands pour la recevoir. Las ! Parfaitement briefée par l'ambassadeur des ةtats-Unis, elle intima à Zine-el Abidine de ne pas se représenter à sa propre succession en octobre 2009.Gros malaise et fureur du président, qui n'oublie pas que, lorsqu'il renversa Bourguiba, il bénéficia de l'accord tacite, pour ne pas dire de la bénédiction, de Washington. La France, elle, n'avait même pas été prévenue.

    La régente de Carthage - page 165
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member
    Il me reste 43 pages pour boucler le livre !
    A qui le tour maintenant ?
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    عزازيــل وحــق الهرطقــة

    عباس بيضون

    رواج رواية »عزازيل« لـ يوسف زيدان قد يعود إلى أن الرواية جديدة في الأدب العربي. انها رواية تاريخية وهذا نوع لم يدرج كثيرا بعد جرجي زيدان ولم تكن الأعمال القليلة التي صدرت في هذا السياق ذات قيمة. ثم أن عزازيل رواية موسوعية ثقافية أي أنها تستثمر تبحراً علمياً وهذا نوع أكثر ندرة ان لم نقل أنه مفقود. عزازيل تعود إلى تاريخ الكنيسة المسيحية والصراع حول الطبيعتين وبالضبط إلى نسطور والمذهب النسطوري الذي أدين في مجمع نيقيه. أما الذي أثار ردوداً عنيفة فهو انحياز الرواية الى الأريوسية والنسطورية باسم العقل، العقل الذي يرى في التثليث راسباً لعقيدة مصرية قديمة كما يرى ذلك الراسب المصري في مواضع كثيرة من اللاهوت المسيحي. لقد بنت المسيحية على ديانات فرعونية اخناتونية وغير اخناتونية. اعادة الاعتبار للأثر المصري في الديانة المسيحية لا ينحصر هنا فحسب. الصراع مع النسطورية كان مركزه الاسكندرية وهنا يحسب للكنيسة المرقسية تأثيرها المركزي في صياغة الايمان المسيحي، لا تحبذ الرواية هذا التأثير سابقا ولاحقا وتدينه باسم العقل الذي يجد في نسطور وأريوس قبله ممثليه. الرواية إذن مُراجِعه بكل معنى الكلمة. انها ردة متأخرة على الايمان الحالي واعادة اعتبار لما اعتبر في حينه هرطقة وانشقاقا ولما يفترض أنه غدا خارج هذا الايمان منذ ذلك الحين. لا بد أن هذا جرأة وهرطقة جديدة لكنها بالطبع أقل مجازفة ومخاطرة من تلك التي كانت لسلمان رشدي في »آيات شيطانية« اذ لا يواجه زيدان عقيدة الردة ولا فتوى بقتل المرتد. سيكون ارتداده لذلك ميسوراً إلى حد ولن يحتاج الى الاختفاء في حراسة الشرطة. ليس في المسيحية خطر يحيق بالمراجعين والمرتدين كذلك الخطر الذي يحيق بالمسلمين أو حتى بالشيوعيين في الأنظمة الشيوعية السابقة، لا أعرف اذا كان يوسف زيدان مسيحيا ولا استغرب ان يكون مسلما فمحاكمته للمسيحية باسم العقل لا تخالف المحاكمة الاسلامية للعقيدة المسيحية، وما يبدو غير معقول للمسلمين يبدو غير معقول لراهبه النسطوري. ليس هذا مستغرباً فالرؤيا الاسلامية لا تختلف جوهرياً عن الاريوسية والنسطورية لكن رواية هرطقة مسيحية في مجتمع ذي غالبية اسلامية. بل في مجتمع تناضل فيه الأقلية المسيحية من أجل نيل حقوقها، لن تجد في مواجهتها سلطة قوية. بل يخشى ان تجد مسايرة من هذه السلطة. وأن تستثمر كحجة على الايمان المسيحي في جملته. كما ان رواية كهذه تدعونا إلى التساؤل اذ كان في الامكان نشر رواية ذات هرطقة إسلامية. ماذا تكون النتيجة عندئذ وهل سيكون صاحبها في أمان.

    غير أن »عزازيل« ليس فقط مراجعة للجدل الكلامي المسيحي. انها ايضا تاريخ العسف الذي ساست به الديانة المنتصرة والمتربعة منذ ذلك الحين، في السلطة، مجتمعها، لقد أغرقت بالدم خصمها الوثني وساست بالعنف انشقاقاتها الداخلية. كان الضحية الأولى أب الراهب الراوية الذي قتله مسيحيون في مذبحة ضد الوثنيين، وكانت الضحية الثانية العالمة التي سحرته بعلمها وجمالها هيباتيا ومنها اشتق اسمه في الرهبنة هيبا، والثالثة العشيقة التي رعته وغمرته بالحب ولن تكون الضحية الأخيرة نسطور الذي كان له بمثابة الأب. كان ذلك قبل التفتيش، لقد انتصرت المسيحية منذ بدء أمرها بالقوة، اقتلعت الوثنية بالعسف والدم وتوحدت الكنيسة بالنبذ والحرم، لن يكون هذا بعيدا عن الشيوعية والنازية وعن كل عقيدة شاملة تفرض ايمانها بالحديد والنار وتجرّم كل مخالفة او اختلاف. لسنا بعد في التاريخ الكنسي ولكننا نستشرف الحاضر. لا يخفي زيدان في الرواية انحيازاً للوثنية حاملة الفلسفة والحرية الفكرية والعلوم كما تجلت في هيباتيا لكن مذبحة الوثنيين ونبذ نسطور هما ايضاً احراق الكتب والهولوكست والمحاكمات الستالينية في أيامنا. ثم ان هيبا الراوية وبطل الرواية مثقف حديث اذا جاز القول، ليس فقط بموسوعيته وعالميته (لغاته العده وسياحته بين القدس والاسكندرية وسوريا) لكنه ايضا كذلك بشكوكيته الدائمة وتمزقه بين ايمانه غير الاكيد رغائبه غير المنكورة تماماً. انه كذلك ايضا باستقلاله. فهو صديق نسطور ولربما حاباه لكن بدون أن يكون نسطورياً، او بدون ان يغدو مناضلاً في سبيل النسطورية. لقد هاله ان يرسله نسطور الى الاسكندرية لمقارعة البابا كيرلس، لم يكن هذا نوعه ولا غرضه وقد سري عنه حين عاد نسطور عن طلبه. ليس هيبا متيقنا من شيء لا من افكاره ولا من رغائبه ولا من غيره، انه تقريباً معلق بين هذه جميعها. لا يتقدم خطوة في سبيل أي منها ويبقى على مسافة منها جميعاً. انه بذلك المثقف الحديث منذ كافكا الى اليوم. مثقف حديث باستقلاله وشكوكيته وحسه النقدي. هكذا نخرج من التاريخ إلى اليوم وإلى العصر.

    ليس هناك قراءة للماضي لا تقصد الحاضر. لكن رواية يوسف زيدان تاريخية بل هي نبش في دفائن تاريخ شبه مكتوم، فعليه ما يشبه الحرم، واسترجاعه واظهاره وتجسيده الروائي خصوصاً عصب الرواية. يعود زيدان شأن، امبرتو اكو في »اسم الوردة« إلى العصور الوسطى، ومثله يسوح في أديرتها وهرطقاتها وظلامياتها. نسوح في عزازيل في أديرة الاسكندرية والقدس وسوريا. لا بد أن لهذه الجغرافيا الدينية سحرها. كما اننا في قلب الجدل الكلامي وفي قلب الهرطقات وفي قلب التنازع بين الحواضر الكنسية وفي قلب السلطة المسيحية او المسيحية الصائرة الى السلطة. مع كل ذلك يخامرنا شعور بأن تاريخية الرواية رغم كل هذا النبش الأكيد بل والحفريات التاريخية غير كافية، نشعر بأن تبحر الرواية وموسوعيتها، لا أدري كيف أقول ذلك، مكفوفان. الديكورات التاريخية وافية خاصة في الاسكندرية حيث نطل على اجتماع الوثنية الغاربة والمسيحية المنصورة. النبش في لفائف الجدال الكنسي واف ايضا (أتكلم دائما من الناحية الروائية) لكن يتراءى لي ان النقاش العقلاني للمسيحية لا يروي (من الري). هناك اكتفاء بذلك يكاد يختفي معه الجانب الأكثر اعتاماً ولا عقلانية. ان كشف الجذر المصري القديم للتثليث والمحاكمة العقلانية للتثليث سياق لا نجد فيه الأسرار والباطنية والروحانية المصاحبة لكل دين. »هيبا« يعترض في موضع من الرواية على نسبة الايمان إلى العقل، لكن الرواية لا تفعل شيئا آخر. شخصية هيبا اذا تتبعنا فصولها شخصية اشكالية إلى حد بعيد. انه راهب مسيحي لكن كل مصائبه جرتها عليه المسيحية. قتلت المسيحية المنتصرة اباه وملهمته وعشيقته وأطاحت بأبيه الرمزي. أي ان هيبا بلا شك يحمل تجاه المسيحية عاطفة مزدوجة، كره وحب بل ان افكاره وحياته توحي ان ثمة شقاً وثنياً في شخصيته. لكن هيبا مع ذلك ومع كل علمه لا يعاني كثيرا هذه التناقضات ولا تبدو ذاته مسرحاً فعليا للتنازع بين المسيحية والوثنية في لحظة اشتباك تاريخي حاسمة. انه سلبي شكوكي تجاه ذلك كله وهو بذلك مثقف حديث أكثر مما يجب. انه يتصرف كما لو أن هذا الصراع قد افل او لم يعد ذا بال وهذا ما قد يكون عليه المؤلف، يوسف زيدان نفسه المعاصر، لا هيبا الذي عاش في قلب المعركة وفي زمنها.

    أمر آخر هو اللغة، لم تتعرض اللغة لتزمين. انها، بحسب ادعاء الكتاب، ترجمة عن السريانية في القرون الأولى للمسيحية. لا أعرف كيف يمكن ان تتجلى السريانية القديمة في ترجمة عربية يعود زمنها للعام ٢٠٠٤ بحسب النص ايضا. لا أعرف كيف يمكن ان يكون الايحاء اللغوي بقدم النص السحيق مع حداثة الترجمة القريبة. لا بد ان المؤلف عانى مسألة كهذه لم يكن الجواب عليها سهلاً. لكن الحل الذي انتهى اليه لم يكن حلاً. استبعد ان تكون الترجمة بلغة حديثة لكنه ايضا لم يتخيل لغة قديمة مقابلة، هكذا وجدنا نصا منمقا ذا بلاغة مطاطة مبالغة، أي لغة بلا زمن وان ادعت قدما غير محدود ولا متعين، لغة تدعي انها القدم وان كانت بلا قدم محدد. احسب ان لغة كهذه شوشت احساسنا الزمني وجعلت تاريخية الرواية ملتبسة.

    ثم في النهاية لم نفهم هذا الحوار مع عزازيل (ابليس) الذي يوشي الرواية ويتخللها، انه لازمة بلا طائل، في النهاية نمتدح نصا جدته اخذتنا وأخذته احيانا. لكنه يبقى مع ذلك فريداً في أدبنا، تاريخية وموسوعية وجرأة.

    السفير الثقافي
    06/02/2009​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    Gene Sharp: Author of the nonviolent revolution rulebook

    In an old townhouse in East Boston an elderly stooped man is tending rare orchids in his shabby office. His Labrador Sally lies on the floor between stacks of academic papers watching him as he shuffles past.

    This is Dr Gene Sharp the man now credited with the strategy behind the toppling of the Egyptian government.

    Gene Sharp is the world's foremost expert on non-violent revolution. His work has been translated into more than 30 languages, his books slipped across borders and hidden from secret policemen all over the world.

    As Slobodan Milosevic in Serbia and Viktor Yanukovych in Ukraine fell to the colour revolutions which swept across Eastern Europe, each of the democratic movements paid tribute to Sharp's contribution, yet he remained largely unknown to the public.

    Despite these successes and a Nobel Peace Prize nomination in 2009 he has faced almost constant financial hardship and wild accusations of being a CIA front organisation. The Albert Einstein Institution based on the ground floor of his home is kept running by sheer force of personality and his fiercely loyal Executive Director, Jamila Raqib.

    In 2009 I began filming a documentary following the impact of Sharp's work from his tranquil rooftop orchid house, across four continents and eventually to Tahrir square where I slept alongside protesters who read his work by torchlight in the shadow of tanks.

    More...
     
    Oran-gina

    Oran-gina

    Member



    Sarkozy-DSK, le duel présidentiellement vôtre


    Le livre que consacrent Philippe Martinat et Alexandre Kara à Nicolas Sarkozy et Dominique Strauss-Kahn laisse imaginer un duel politiquement très excitant.
    L'AUTEUR
    Philippe Kieffer Journaliste et producteur. Ancien responsable du service Médias à Libération (1985-1995), rédacteur en chef du magazine culturel UBIK sur France 5 de 2001 à 2007. Ses articles
    TOPICS


    DSK - Sarkozy: le Duel, de Philippe Martinat et Alexandre Kara. Ed. Max Milo. 288 pages.

    Double saga romanesque sur fond de pouvoir, de gourmandise financière, et d'attractions féminines potentiellement fatales...



    Si une bonne biographie politique est un livre qui peut se lire d'une traite sans bailler, alors DSK-Sarkozy Le Duel est un très bon livre. Une réussite mathématiquement «au carré», à sa manière, puisqu'il propose deux biographies en une avec les édifiantes vies croisées de Nicolas Sarkozy et de Dominique Strauss-Kahn. Le tout écrit à quatre mains aussi bien informées que non complaisantes, celles des journalistes Alexandre Kara et Philippe Martinat.

    «Biographie comparative» annonce la couverture, où se font face les profils de ces deux hommes que le pouvoir exercé par l'un, et la méthodique ambition de l'autre d'y accéder, unissent et séparent à la fois. Biographie compétitive, aussi, donc, où sont tissés, croisés, fondus, les destins à la fois parallèles et imbriqués de deux hommes qui se connaissent et s'apprécient autant qu'ils peuvent avoir à se craindre demain, au printemps 2012.

    Postulant que cet affrontement aura lieu, les auteurs ne versent pas pour autant dans la politique-fiction. Ils s'en tiennent aux faits, passés comme présents, et aux caractères de personnages qui, sans totalement correspondre aux clichés de flambeurs machiavéliques dont ils sont souvent affublés, n'ont rien d'enfants de choeur.

    ...La construction des réseaux de Nicolas Sarkozy et de Dominique Strauss-Kahn s'est faite selon le mode d'emploi des politiques purs et durs, labourant les champs d'influence les plus variés, se créant des obligés dont le soutien ou le bulletin de vote sera le jour venu réclamé.

    C'est la qualité première de ce projet que d'échapper à la classique biographie (souvent désuète avant même de paraître) de l'homme politique en position de présidentiable. Ici, le conventionnel «portrait de l'artiste en aspirant Président» cède la place à un pertinent jeu de miroirs narratifs où se déploient deux personnalités complexes, deux parcours balzaciens, et une même passion conquérante, aussi vorace chez l'un que chez l'autre. Une passion qui en fait comme des jumeaux contraires.
    Deux enfances aux antipodes

    Enfance parisienne relativement modeste, frustration et père absent pour Nicolas Sarkozy. Jeunesse dorée à Monaco, famille aimante, hédonisme permanent pour DSK. D'une certaine façon, sur la ligne de départ de leurs vies, le plus «Neuilly» des deux n'était pas celui qu'on croit... Elève puis étudiant moyen, appétit et intelligence carriériste chez Sarkozy, toujours dans l'ombre où le sillage d'un «ancien» à séduire (tour à tour Pasqua, Chirac, Balladur). Brillante autonomie de dilettante surdiplômé côté Strauss-Kahn, œuvrant très tôt auprès de «mentors» qui surent mettre à contribution une mécanique intellectuelle aussi efficace que polyvalente (Jospin, Mitterrand, et... Sarkozy lui-même! qui l'adoube ou l'exile en 2007 –comme on voudra– en facilitant son accession à la direction du FMI).

    Deux rivaux, oui. Deux ennemis? Non. Enfin, pas encore. Deux baby-boomers épris d'American way of life, fils choyés des Trente Glorieuses, petits-fils de la vieille Europe qui fut impériale et coloniale. Nostalgie marocaine à gauche, racines et mélancolie hongroise à droite. Deux amoureux à haut risque, des femmes, de l'argent, du pouvoir. De tout ce qui peut être conquis, sans fin. Des hommes, en somme, qui «...flirtent tous les deux avec la ligne jaune du mélange des genre et du clientélisme à outrance...», et pour qui les médias sont la principale trousse à outils d'accession aux sommets convoités. L'un, Sarkozy, est une synthèse parfaite de l'«Enfant de la Télé» des sixties (hélas pour la réforme de l'audiovisuel à laquelle il se livre, mais c'est une autre histoire...). L'autre, enfant curieux et gâté des nouvelles technologies, a épousé les médias en général et la télévision au sens propre en la personne d'Anne Sinclair (hélas pour pour ceux qui l'appréciaient et en sont désormais privés). En résumé:

    ... [ces] deux hommes, qui baignent dans les milieux de la finance, du patronat, de la communication et des people, ne font pas de la fréquentation quotidienne des philosophes une priorité.

    C'est peu dire.
    Deux conceptions de l'argent

    A quoi s'ajoute une commune boulimie pécuniaire, oui, mais qui se traduit par deux approches, deux «cultures» de la dépense aux antipodes: «Bling Bling» compulsif à l'Elysée, contre jouissance au jour le jour de ce que l'argent permet chez Dominique Strauss-Kahn.

    Ni avocats ni procureurs, Alexandre Kara et Philippe Martinat parviennent à conjuguer les trajectoires de Nicolas Sarkozy et de DSK sans occulter interrogations et zones d'ombres liées aux aventures (féminines) ou «affaires» (financières) qui ont, plusieurs fois, failli les perdre ou les faire renoncer à la politique (Mnef, ELF dans un cas, Clearstream dans l'autre). Généreusement pourvu en anecdotes autant qu'en analyses, clair et précis sans verser dans le simplisme ni la psychologie de comptoir, ce Duel souffre pourtant d'un défaut, ou plutôt d'un «manque»: là où DSK s'est prêté au jeu du double portrait, Sarkozy s'est défilé. Dommage.

    Au final cependant, une lecture d'où ressortent trois constats. Un, le Nicolas Sarkozy que peignent les auteurs est beaucoup plus intriguant et nuancé que le flot caricatural qu'il s'emploie quotidiennement à soulever contre lui... Deux, la réduction médiatique de Dominique Strauss-Kahn au seul «jouisseur» invétéré qu'il est ne peut faire oublier un impressionnant potentiel d'homme d'Etat impatient de montrer ce dont il est capable dans l'hexagone. Trois, si ce Duel ne devait ou ne pouvait avoir lieu en 2012, il faudrait (faudra?) le regretter tant il s'annonce, au travers de ce livre, politiquement excitant.

    Philippe Kieffer

    Source: /www.slate.fr
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter

    من وحيِ رواية الطاهر بن جلّون: "تلكَ العتمةِ الباهرة"


    بقلمي

    إخلع أيها الإنسانُ ذاكرتَك، واخلع بشريّتَك، وقُلِ الهَولُ والرعبُ وصفانِ قاصرانِ لما سيأتي

    سريعاً عبروا، لا يعلمُ أنّ انقلاباً عسكريّاً دُبِّرَ وسيُنَفَّذ، هو الجنديُّ الذي ينفّذ الأوامر ليسَ إلا. الملكُ نجا فانتقم

    ثم الحفرة، ولم يُطلق رصاصة، ولم يعلم ولم يفعل ولم يقم بما يُعاقَبُ عليه. جنديٌّ يتبعُ الأوامر

    ثم خلقَ عالماً

    أن يُدفنَ أحدهم حيّاً فذلكَ مُخيف، يخافُ فيموت، أو يختنق فيموت. لكن أن ينزلَ إلى القعر، إلى العالم السفلي، أن يُدفَنَ ليظلَّ حيّاً، فاخلع قلبكَ قبل أن تقرأ ما سيأتي

    هنا الجحيم، حيثُ لا طوابع لا أختام لإرسال الرسائل، هنا الصمتُ حبرُ هذه الرسائل. هنا الضوءُ ترَف. تنجو إن ضاءَ شيءٌ ما في داخلك. أنتَ ضوءُ نفسك، وأنتَ الخالقُ عالمَك فكرةً فكرة. إن حلمتَ هلكت، وإن أمّلتَ هشّمَكَ الانتظار. كيفَ لكَ إذاً أن تعجنَ ذاكرتَك بخميرةِ النسيان دونَ أن تنسى نفسَك؟! كيفَ لكَ أن تظلّ بشراً يعقل دونَ ذاكرة، تولَدُ من جديد، في القبرِ تولَد، أجل في القبرِ تولَد، وتكبرُ، في القبرِ تكبرُ، في القبرِ تحيا، في القبرِ تُنسى، في القبرِ تُعتَبَرُ ميتاً، في القبرِ لا تزالُ، في القبرِ يخترقُ الموتُ صدرَ الحياة منفلشاً فيها، لا تعرفُ مَنِ الحَيّ مَنِ الميت مَنِ الباقي مَنِ الفاني!

    أن تبهرَ العتمة، أن تبهرَ العتمة بمزيدٍ من العتمة. أن تنزلَ إلى قعرِ القعر، حيثُ لا أمل ولا خوف ولا رجاء ولا شمس ولا ليل. وحيثُ لا إنسان يجرؤ على أن يفكّر أو تراوده خاطرة النزول إلى حيثُ لا تجرؤُ وحشيّة متناهية أن تقفَ أمامَ هذا الوجه الذي لم يرَهُ إلا هؤلاءِ إلا هُوَ. وجهُ الموتِ ليصبحَ وجهَك بعدَ أن تخسرَ وجهَك، ومنهُ تجعلُ في نفسكَ هدراً للحياة حتى يتيبّسَ الموتُ من هدرِ الحياة غزيراً وكثيفاً وحتى آخر قطرة، فلا يعودُ شيءٌ هناكَ ليمتصّهُ الموت، فينبثقُ ما ليسَ حياةً ولا موتاً لكنه يتركُ للآخرينَ أن يقولوا: لا يزالُ على قيدِ الحياة

    عَويل، وما لم تسمع من قبل، عويلُ الموت يلتفُّ من حولك ليراكَ تتهرّأ، تذوب، تنقبض، تنكمش، ولا يدَ لكَ في إيقافِ ذلك، ومن ذلكَ عليكَ أن تصمدَ بالاستسلام الماكر الذي بعدَ حين يهجرُكَ خوفاً من هذا الذوبان التام في الضدِّ المهدِّد، فلا يعودُ مهدِّداً بل عالماً تنبشُهُ وتغربلُهُ حتى آخر كمشةِ تراب فتُمسي أنتَ هُوَ، وتتجاوزُهُ كماضٍ أو تاريخٍ عبر

    أن ترى مَن يفقدُ بشريّتَه، يتحوّلُ إلى كومةِ عظام، فلا يعودُ يبدو كبشر، لكنه كان صديقَك منذ حين، وعليكَ أن تغسّله للدفن

    أن تجعلَ من نفسكَ فريسةَ الموتِ لتَصيدَه. ينفلشُ فيكَ لتحتجزَهُ حتى آخر رمَقٍ فيه. أن تفصلَ بينَ عقلك وجسدك، ثم تعودُ إلى جسدك متى شئت أو لم تشأ، أن ترى جسدك بعينِ مَلَكِ الموتِ دونَ أن يرفَّ لكَ جفن

    ثم كانَ الله...

    نورٌ أزليٌّ لا ينطفئ، كلما نزلَ الإنسانُ إلى القعرِ كانَ اللهُ هناكَ وإن لم يكن لافترستكَ الوحوشُ المستوحشة التي ملأت عليكَ الحفرة

    ومن ذلكَ كلّه، من سجن "تزمامارت" في المغرب خرجَ ومَن بقيَ معه، بنضال ناشطينَ لحقوق الإنسان وأقرباء. خرجَ من هذه الكُوّة التي تنفتحُ دوماً بعدَ حين، من هذا الضوءِ الذي يعودُ فتنخلعُ أفئدةُ وحوشِ العتمة وتنزوي، بقوةِ الحياة التي تعودُ أبداً
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    ألفية "الشاهنامة"

    بقلم محمود الزيباوي


    تتواصل الاحتفالات هذه السنة بمرور ألف عام على إنجاز الفردوسي منظومة "الشاهنامة"، أي "كتاب الملوك". مع إعلان الأونيسكو رسمياً احتفالها بألفية ملحمة الفرس الخالدة، عاد الفردوسي إلى الواجهة في إيران، وتصدّر اسمه معرض "اكسبوي" العالمي بمدينة شانغهاي كما في المهرجان الشتوي العالمي في ساراييفو والاحتفال بعيد النوروز في طاجيكستان. في الغرب، شكلت هذه المناسبة حافزاً لإقامة عدد من المعارض الخاصة بمخطوطات "الشاهنامة"، منها معرض في "غاليري آرثر ساكلر" في واشنطن، ومعرض في "متحف فيتزويليم" في كامبريدج، ومعرض في المتحف الإسلامي في برلين.

    بحسب الرواية المتناقلة، أمضى الفردوسي ثلاثين عاماً في نظم ملحمته، وأهداها إلى السلطان محمود الغزنوي، وقرأها عليه خلال أيام عدة، آملا أن تحظى بدعمه، غير أنه لم يلق أي اهتمام منه. على رغم ذلك، انتشر "كتاب الملوك" بسرعة في العالم الفارسي، وبات "قرآن القوم"، و"أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه"، كما شهد ابن الأثير في "المثل السائر". تكرّست شهرة "الشاهنامة" مع مرور الزمن، وذاع صيتها في العالم التركي كما في العالم الهندي قبل أن تبلغ الغرب في القرن الثامن عشر حيث ترجمت تباعاً إلى معظم اللغات العالمية.

    هي في موطنها الأصلي أعظم الملاحم قاطبة، وأبلغ الكلام في هذا الصدد ما قاله فيها محمد علي فروعي، أحد أكبر الأدباء الإيرانيين: "شاهنامة الفردوسي من حيث الكم والكيف أعظم أثر أدبي ونظم فارسي. بل إنها أروع الأعمال الأدبية العالمية. ولولا حرصي لقلت إنها أعظم عمل أدبي قام به إنسان، وأنتجه فنان". في المقابل، لم يتوان ملك شعراء إيران المعاصرين محمد تقي بهار عن القول إن "الشاهنامة" هي، من دون مبالغة، "قرآن العجم"، وإن ناظمها هو بمنزلة الرسول، وذلك في بيت شعري يعرفه كل أبناء قومه. تنافس أهل الشعر والأدب على مدح الفردوسي كما أشار أستاذ الفارسية وآدابها أحمد كمال الدين حلمي، "وجعلوا منه أحد أنبياء الكلام، وتطرّف بعضهم فقال: إنه ليس أستاذا ونحن تلاميذ، بل هو الله ونحن عباده. وقال البعض: لقد رُفع إلى العرش، ثم استوى على العرش".

    سحبان العجم الحكيم

    تتضارب المعلومات حول الفردوسي وتختلط السيرة الواقعية بالأسطورة بشكل كبير. هو في تعريف الشيخ عباس القمي في "الكنى والالقاب": "سحبان العجم الحكيم، أبو القاسم الحسن بن محمد الطوسي، الشاعر المعروف، له يد في تمام فنون الكلام من التشبيه والغزل والحكمة والاعذار والانذار والمدح والهجاء والرثاء والافتخار والعتاب وغيرها من اغراض الشعر، ولذلك يُعدّ من أكبر شعراء ايران وأشهرهم، لا لأنّه أتى بالشعر الحماسي الذي أحيا به القومية الإيرانية. ولذلك قيل في وصف "الشاهنامة" هي المرجع المهم في التاريخ والادب الفارسي لجميع الادباء والمؤرخين، وهي كنز اللغة الفارسية وقاموسها، فليس هو كتاباً تاريخياً يشتمل على ذكر الملوك والابطال وقضايا إيران وحوادثها الماضية فحسب، بل هو محتوٍ على أغلب فنون الأدب، ففيه حكمة وغزل وأخلاق وموعظة وتزهيد في أسلوب قريب وطرز بديع".

    تستعرض "الشاهنامة" تاريخ خمسين ملكاً حكموا العجم، منذ أقدم الأزمنة إلى بداية العصر الإسلامي، على امتداد أربع سلاسل من الحكومات، وبطل هذه الملحمة الطويلة هو رستم الذي "لم يخلق الله نظيراً له في العالم" بحسب تعبير الفردوسي. أكمل الشاعر في هذه المنظومة عملاً بدأه من قبله أكثر من أديب، وسجّل تاريخ إيران الحافل بالأمجاد الغابرة، وحفظه من التشتّت والضياع. قبل الفتح الإسلامي، أمر خسرو برويز الساساني بجمع الأساطير الإيرانية، وتم تدوين هذه الأساطير في عهد حفيده يزدجر شهريار. في العصور الإسلامية، جرى تعريب عدد من الكتب تتطرق إلى سيرة ملوك إيران، غير أن هذه الكتب ضاعت، ولم يبق منها إلا ما ذكره عنها بعض المؤرخين العرب، مثل ابن النديم والمسعودي وابن قتيبة.

    ترجم ابن المقفع كتابا بعنوان "خداينامه"، وتبعت هذا الكتاب مجموعات عدة حملت اسم "شاهنامة"، منها "شاهنامة" أبو المؤيد البلخي، و"شاهنامة" أبو العلي البلخي، و"شاهنامة" أبو منصوري. في "البدء والتاريخ"، نقل ابن المطهر أبياتاً بالفارسية نظمها شاعر يدعى المسعودي المروزي، وأضاف معلّقاً: "وإنما ذكرت هذه الأبيات لأني رأيت الفرس يعظّمون هذه الأبيات والقصيدة ويصوّرونها ويرونها كتاريخ لهم". في عصر الفردوسي، شرع أبو منصور الدقيقي في نظم "شاهنامة" أخرى، لكنه قُتل على يد غلامه بسبب اعتناقه الدين الزرادشتي، وذلك قبل أن ينهي ألف بيت منها. أكمل الفردوسي هذا الطريق، وأعاد نظم تاريخ إيران القديم في ستين ألف بيت من الشعر، وسافر من طوس إلى مدينة غزنة ليقدم "الشاهنامة" إلى السلطان محمود الغزنوي، غير أنه لم يجد ترحيبا ولم يظفر بالمكافآة المرجوة، وتجاوز الحدود في الكلام، مما أثار غضب السلطان، فراح يتنقل متخفياً من بطشه.

    أثار موقف السلطان السلبي من الشاعر حيرة الباحثين، واختلفت الآراء في تفسيره. قيل إن نفور السلطان التركي السنّي المتشدّد من الشاعر يعود إلى أسباب عدة، منها شيعية الفردوسي الفارسي وتأثره ببعض آراء المعتزلة ومدحه لأبطال إيران القديمة، غير أن هذه الحجج تبقى واهنة كما أثبتت الأبحاث المعاصرة، ولا يزال السجال دائراً في تقويم هذه المسألة. ذاع صيت "الشاهنامة" في إيران كما في بلاد الترك والهند، غير أن صداها في العالم العربي بقي محدوداً للغاية. في "آثار البلاد وأخبار العباد"، يذكر القزويني "أن الشيخ قطب الدين أستاذ الغزالي اجتاز على قبر الفردوسي مع أصحابه، فقال بعضهم: نزور الفردوسي. فقال الشيخ: دعه فإنه صرف عمره في مدح المجوس. فرأى ذلك القائل الفردوسي في نومه يقول له: قل للشيخ "لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الانسان قتوراً" (الإسراء، 100)". تعكس هذه الرواية حذر البعض من الفردوسي، واتهامه بالقرمطة والباطنية حيناً، وبالزرادشتية حيناً آخر. في المقابل، تشهد مقدمة "الشاهنامة" لإسلام مؤلفها الصادق واعتزازه بمقدساته، ويبرز تشيع الشاعر في حديثه عن "سفينة أهل البيت" في أبيات وجدت ترجمتها التشكيلية في عدد كبير من المنمنمات البديعة.

    في الربع الأول من القرن الثالث عشر، قام الفتح بن علي بن محمد البنداري الاصفهاني بترجمة "الشاهنامة" إلى العربية بطلب من الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر أيوب في دمشق. أنجز المترجم هذا العمل، إلا أنه حذف ما يقارب ثلث أبيات الملحمة، وأضاف إليها كتابات وردت في مصادر أخرى، رغبة منه في إيضاح رواية الفردوسي. في العقود الأولى من القرن العشرين، قام عبد الوهاب عزام بإكمال هذه الترجمة بعد مراجعتها وتنقيحها، وأرفقها بتعليقات وشروح ثاقبة تساعد القارئ على الدخول إلى عالم "الشاهنامة" المتعدد الآفاق. بعدها، وضع عزام بحثاً بعنوان "مكانة "الشاهنامة" في الأمم"، وشكّل هذا بداية لعدد من الدراسات العربية الخاصة بهذا الأثر الأدبي الرفيع.

    حلقة الشعراء

    صوّر الرسّامون الفردوسي في عدد كبير من المنمنامات التي رافقت مخطوطات "الشاهنامة" المزوّقة. في بعض هذه الصور، نرى الشاعر وهو يتقدم في اتجاه ثلاثة زملاء له، وهم العنصري والعسجدي والفرخي. تقول الحكاية إن الفردوسي دخل في مبارزة شعرية مع الثلاثة في حديقة عند أطراف مدينة غزنة، وتفوّق عليهم في النظم، وأثبت لهم معرفته العميقة بوقائع ملوك العجم، فاستحسنوا شعره، وأعجبوا بعلمه، وصحبوه إلى السلطان. في مجموعة أخرى من الصور، يبدو الفردوسي وهو يتقدم من محمود الغزنوي. وفقاً لرواية وردت في كتاب "تاريخ سيستان"، قال السلطان للشاعر: "إن كتابك هذا لا شيء فيه غير حديث رستم، وفي جيشي تجد ألف رجل مثل رستم". فأجابه الفردوسي: "أطال الله عمر الملك، لا أعلم كم من رجالك يشبهون رستم، لكني اعلم ان الله لم يخلق عبداً آخر مثل رستم". فقال السلطان لوزيره: "إنّ هذا الصعلوك رماني بالكذب".

    يتردّد صدى هذه الواقعة في رواية طريفة نقلها عبد القادر الجزائري في "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل"، ونصّها: "بلغنا عن الثقات، بالنقل الصحيح، أنّ الفردوسي الشاعر، لما صنّف كتابه المسمّى بشاهنامة على اسم السلطان محمود بن سبكتكين، وأنّه ما قضى حقّه كما يلزم، وما راعاه كما يليق بذلك الكتاب. ضاق قلب الفردوسي، فرأى رستم في المنام، فقال له: إنك مدحتني في هذا الكتاب كثيراً، وأنا في حملة الأموات، فلا أقدر على قضاء حقك، ولكن اذهب إلى الموضع الفلاني واحفر، فإنك تجد فيه دفيناً، كنت دفنته، فخذه. فذهب فوجده، وأخذه، فكان الفردوسي يقول: إن رستم، بعد موته، كان أكثر كرماً، من محمود حال حياته".


    النهار
    السبت 23 تموز 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    منهج كمال الصليبي التطوري في دراسة تاريخ لبنان


    بوفاة المؤرخ كمال الصليبي في الأول من أيلول 2011 خسرت الثقافة العربية واحدا من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين الذين أثاروا قضايا سجالية في موضوعات تاريخية تناولت بعض الشخصيات والموضوعات التي أحاطها مؤرخو الطوائف بهالة من القداسة لم تنجح في حجب ضحالة الفكر التاريخي العلمي فيها نظرا الى المرويات الضعيفة التي استندت اليها.

    ولد كمال الصليبي في بحمدون بجبل لبنان في الثاني من أيار 1929، وكانت دراسته الابتدائية في المدرسة الإنجيلية فيها. تلقى دراسته الثانوية في مدرسة برمانا العالية، ثم تابع الدراسة في مدرسة الأنترناشيونال كولدج التابعة للجامعة الأميركية. درس التاريخ الأوروبي والعلوم السياسية في الجامعة الأميركية، وكان له اهتمام خاص باللغات السامية بتأثير من أستاذه الدكتور أنيس فريحة. ثم انتقل إلى لندن فدرس التاريخ العربي والإسلامي في جامعتها. وفي العام 1953 أنجز أطروحة الدكتوراه في التاريخ في إشراف الدكتور برنارد لويس تحت عنوان "المؤرخون الموارنة وتاريخ لبنان في العصور الوسطى".

    عاد إلى بيروت ليمارس التدريس في الجامعة الأميركية، ليصبح لاحقا رئيس دائرة التاريخ فيها. ترك مؤلفات عدة في موضوعات متنوعة صدرت تباعا بالإنكليزية وبترجمة لها الى العربية في إشرافه شخصيا، وابرزها على الجانب اللبناني: "تاريخ لبنان الحديث"، و"مفترق طرق نحو الحرب الأهلية"، و"منطلق تاريخ لبنان" 1979، و"بيت بمنازل كثيرة".

    عندما بدأ مسيرته الأكاديمية في التدريس والنشر كانت كثافة الفكر الإيديولوجي اللبناني قوية جدا، مما أثر في مقولاته التاريخية حين اعتمد مصطلح "تاريخ لبنان" قبل ولادة دولة لبنان الكبير عام 1920. وهو مفهوم إيديولوجي بامتياز، وتكرر استخدامه لدى جميع المؤرخين الذين نظروا إلى تاريخ لبنان نظرة "طوائفية". ومنهم من يربط تاريخ لبنان الحديث والمعاصر بتاريخ فينيقيا، أو اعتبر أن الموارنة ليسوا عربا، ولهم تاريخ متمايز عن باقي الشعوب العربية.

    لكن مقولات الصليبي الشاب لم تعمر طويلا، خصوصاً بعدما واجه انتقادات حادة من المؤرخين والمثقفين العروبيين، فأظهر انفتاحا واضحا على كل ما هو عقلاني في البحث التاريخي العلمي، رافضا المقولات السائدة التي لا تستند إلى وثائق ومصادر تاريخية مثبتة وصلبة. واتجه إلى نقد الأساطير المكوِّنة للكيان اللبناني وللإيديولوجيا اللبنانية، كما توجه لاحقا لنقد الأساطير المكوِّنة للإيديولوجيا الصهيونية.

    في مقولاته الأساسية
    عن تاريخ لبنان

    في حدود ما تسمح به المساحة المخصصة لهذه الدراسة، قدمت قراءة موضوعية لبعض مقولاته النظرية عن تاريخ لبنان الحديث، وقد استندت فيها إلى عدد وافر من دراساته العلمية المعروفة، واقتبست بشكل مقاطع من مقابلته الأخيرة التي اجراها معه صقر ابو فخر، ونشر جزءا منها في جريدة "السفير" اللبنانية بتاريخ الرابع من أيلول 2011.

    بدأ الصليبي الكتابة بالفرنسية. فطلبة المدارس الخاصة المتميزة في لبنان، ومنهم الصليبي، كانوا يتقنون اللغة الفرنسية بشكل جيد في زمن الانتداب الفرنسي. وأشار إلى تلك المرحلة بقوله: "كتبت مقالات بالفرنسية في صحيفة l'Orient أوردت فيها أن تاريخ لبنان هو تاريخ توافقي وليس تاريخا حقيقيا. وإذا كانوا يريدون أن يكتبوا تاريخا للبنان فيجب أن يكون تاريخا حقيقيا. كان فينيقيا نعم، لكنه كان يمتلك عقلا منفتحا".

    بعد سنوات طويلة من البحث في تاريخ لبنان أدرك الصليبي أن مؤرخي الطوائف استندوا إلى مرويات وأساطير تعطي أفضلية لقادة طوائفهم على باقي القيادات في الطوائف الأخرى، فعم المساحة الثقافية سجال إيديولوجي حاد تحت عنوان "للبحث عن تاريخنا في لبنان"، ردا على شعار "لبنان والمارونية توأمان"، وأن حكم الأمير فخر الدين المعني الدرزي شكل منطلقا لتاريخ لبنان الحديث، وغيرها من المقولات الايديولوجية غير المسندة إلى وثائق علمية.

    فماذا عن اسطورة فخر الدين المعني؟

    للصليبي تحليل طريف يشرح فيه الأسباب العميقة التي دفعت بعض المؤرخين لتحويل الأمير فخر الدين أسطورة ينبني عليها منطلق تاريخ لبنان الحديث. فبعد اتصال المثقفين اللبنانيين بأوروبا علم هؤلاء أن اللوردات والامراء في إنكلترا وفرنسا يتوارثون الألقاب والسلطة من الجد إلى الأب الأكبر إلى الإبن وفق قوانين خاصة. فاستساغ بعض المؤرخين اللبنانيين تلك الفكرة وطبّقوها على تاريخ لبنان. وكان هناك شخص اسمه فخر الدين ملتزما جباية الضرائب في سنجقي بيروت وصيدا، ولاحقا في بيروت وصيدا وصفد وعجلون. ونظرا لقدرته على معاقبة المجرمين، وجباية الضرائب، وسعت الدولة العثمانية نطاق التزامه. ويذكر لهذا الأمير أنه سافر إلى إيطاليا هربا من الحملة العسكرية العثمانية التي توجهت لإعتقاله، فأقام خمس سنوات في توسكانا. وسجل أحد رجال حاشيته، أحمد الخالدي الصفدي، تفاصيل رحلته. وعندما عاد إلى الحكم، اعتمد طرقا حديثة لتربية المواشي، وتطوير الزراعة، وتشييد العمارة العصرية بمساندة من الخبراء الايطاليين بعدما دفع لهم الكثير من الأموال. ففخر الدين شغل وظيفة السنجقدار، أو السنجق بيك التي تترجم إلى العربية بأمير اللواء. هكذا نال لقب الأمير. وعندما أعلن العصيان على السلطنة، اعتقلته وساقته أسيرا إلى الآستانة حيث أُعدم.

    بعد عقود طويلة، كتب طنوس الشدياق وحيدر الشهابي وآخرون تاريخ لبنان انطلاقا من إمارة فخر الدين الثاني وجعلوا منه تاريخا للإمارة المعنية. لكن الصليبي لم يجد اثرا لوالده قرقماز بل وجد فخر الدين عثمان الذي أنشأ جامع دير القمر، ولا علاقة له بفخر الدين المعني الثاني ولا وجود لفخر الدين الأول. هناك فخر الدين فقط. وعندما كتب الصفدي عنه لم يصفه بأنه فخر الدين الثاني. وقد جاءت التسمية من ناشري كتاب الصفدي، أي فؤاد افرام البستاني وأسد رستم. كان فخر الدين عثمان جابيا للضرائب، وهو لم يتربّ عند الموارنة، فهذه حكاية من اختراع آل الخازن، ويزعم مزورو التاريخ أن هؤلاء ما زالوا يحفظون قصصا كثيرة عنه وعن أخيه يونس عندما كانا صغيرين. وهي حكايات موضوعة ولا أساس لها من الصحة. ولو كانت الوثائق متوافرة لدى آل الخازن لنشروها أو اودعوها في أماكن محددة لكي يطلع عليها المؤرخون. ويتنهي إلى القول بأن الأساطير أكثر فاعلية من الوثائق العلمية في كتابة تاريخ لبنان واللبنانيين. "فمنذ سنة 1953 وأنا أكتب في التاريخ. لم أكتب لأخبئ نتائج أبحاثي، بل نشرت ذلك كله، وألقيت محاضرات كثيرة. لكن كتاباتي لم تنجح في إعادة النظر في تاريخ لبنان المزوّر".

    لبنان البيت بمنازل كثيرة

    تطورت مقولات الصليبي مع تطور أبحاثه واتساع أفقه، فنشر دراسات متتالية لتصويب البحث العلمي عن تاريخ لبنان، وتوّجها بمؤلفه المعروف، "بيت بمنازل كثيرة"، الذي نال رواجاً كبيراً. فبعد تحليل معمق ومستفيض لبنية المجتمع اللبناني التي أعطت اللبنانيين سمة الشعب المثقف والنشيط والمضياف والمنفتح على اللغات والثقافات العالمية، تبين له أن النظام السياسي اللبناني الذي بني على أسس طائفية ساهم في إبقاء اللبنانيين قبائل متناحرة في صراعها على السلطة بسبب تعزيز الانتماء الطائفي الضيق على حساب الانتماء الوطني الجامع.

    يرى الصليبي أن الدولة اللبنانية الحديثة تبلورت في كيان سياسي عام 1920، تالياً، فقبل ذلك التاريخ لم يكن هناك لبنان بمفهوم العلم التاريخي، كما لم يكن هناك فلسطين أو سوريا إلا من الناحية الإثنية والجغرافية. ولديه اقتناع راسخ بأن آباء الذين قالوا بخصوصية لبنان ولدوا في الشام وعاشوا في الشام. كانوا من الأثرياء الذين يطلق عليهم مصطلح البورجوازية، ويجمعهم انتماؤهم إلى الدين المسيحي. وقد أقاموا مشاريع تجارية، وخططوا لإقامة بلد اسمه لبنان بالحدود التي رسمتها خريطة الحملة الفرنسية التي حددت مواقع الطوائف اللبنانية. ثم تطورت حدود المتصرفية أو لبنان الصغير إلى حدود دولة لبنان الكبير.

    لم يكن هناك فارق حقيقي واضح بين سكان جبل لبنان وسكان بيروت وغيرها من مدن بلاد الشام، لذلك كان انتقال اللبنانيين أو الشوام من الأرياف إلى المدن اللبنانية سهلا مع تكاثر حركات النزوح إليها. "أذكر أنني أول ما نزلت إلى بيروت كان انطباعي أنني أنتقل من وضع إلى وضع أحلى بكثير".

    صحيح أن تقاليد الجبل تختلف عن تقاليد المدن، بيد أن ذلك الاختلاف لا يولد صراعا بينهما بل نوعا من المنافسة. فالجبل بيئة زراعية ولها تقاليد تختلف عن تقاليد التجارة في الساحل. ويمتاز سلوك الجبلي بنوع من القساوة بينما يكون سكان المدن الساحلية أكثر مرونة وفق ما تقتضيه التجارة. ويبدو السلوك الاجتماعي لدى غالبية اللبنانيين مزيجا من تقاليد المجتمع الزراعي الجبلي أو الريفي والتقاليد المكتسبة في المدن الحديثة، خصوصاً ذات الطابع الكوسموبوليتي منها كمدينة بيروت.

    ويلاحظ الصليبي بحق أن عملية الدمج القسري التي قام بها الإنتداب الفرنسي بين جبل لبنان والمدن الساحلية والمناطق الداخلية لم يولد مجتمعا موحدا في دولة لبنان الكبير. فما زال لبنان منقسما نظامين من القيم: قيم الجبل والعصبيات الريفية، وقيم الساحل التجاري الذي يخضع للسلطة المركزية ويؤدي الضريبة. كان الساحل منفتحا ومساوما ومسالما لأنه يريد أن يحمي مصالحه التجارية، فتطورت بورجوازية كوسموبوليتية في مدينة بيروت، وكانت قاعدتها الأولى أرثوذكسية وسنية ثم ضمت لاحقا شرائح من مختلف الطوائف. وقد تبنت جميعها نظاما سياسيا يقوم على المحسوبية التي تحمي مصالحها، وحولت غالبية اللبنانيين محاسيب يتبعون زعيم الطائفة، أو زعيم العائلة، أو الزعيم الجديد الذي يمتلك ثروة كبيرة ولديه بنوك ومؤسسات تجارية ومالية. وما زالت المحسوبية أو الزبائنية سمة بارزة من سمات المجتمع اللبناني المعاصر. في هذا المجال، يذكر الصليبي بمقولة علمية تؤكد أن المدينة تمدن الوافدين إليها من الأرياف، فيتعلمون في مدارسها وجامعاتها، ويكتبون في صحفها ومجلاتها، ويعملون في مؤسساتها ومصانعها وشركاتها، ويكتسبون عادات وتقاليد مدينية. لكن مأساة بيروت تكمن في أنها عجزت عن القيام بتلك الوظيفة، لا سيما بعد ظهور ما يسمى اقتصاد الضواحي. وبنتيجة الحرب الأهلية لعام 1975 وما رافقها من تهجير وتطهير طائفي، نشأت الضواحي الجديدة، وصارت كل ضاحية منطقة قائمة بذاتها. ولم يعد سكان الضواحي يفدون إلى بيروت إلا عند الضرورة أو للمتعة والتسلية، مما أفقد بيروت قدرتها على تمدين الريفيين. وبعدما فقدت وظيفتها الأساسية باتت عاجزة عن جذب الأطراف إليها. وبدل أن تمدن بيروت الريفيين الوافدين إليها، تم ترييف سكان بيروت.

    تاريخ لبنان مزوّر فمن المسؤول؟

    في سعي كل طائفة إلى التمايز عن الطوائف الأخرى، وتمايز تاريخ لبنان عن محيطه العربي ساهم مؤرخو الطوائف في تزوير تاريخ لبنان. وبذل بعض المؤرخين الطائفيين جهودا مضنية لكتابة تاريخ لبنان بصورة متسلسة تصل حلقاتها المروية من دون إسناد علمي حقيقي إلى ستة آلاف سنة. فلماذا تم الترويج لتاريخ لبنان الأسطوري من دون الاستناد إلى وثائق ومصادر علمية رصينة؟ ولمصلحة من وظّف مؤرخون لبنانيون طاقاتهم العلمية، ودراساتهم الأكاديمية في أرقى جامعات العالم لكتابة تاريخ لبنان بصورة مزورة ومؤدلجة بشكل فاضح؟

    فربط ولادة تاريخ لبنان بتاريخ فينيقيا لأسباب إيديولوجية يتنافى مع طبيعة العلم التاريخي، مما دفع الصليبي إلى القول: "لا توجد مؤسسة واحدة ظهرت في زمن الفينيقيين وما زالت مستمرة حتى اليوم، ولا لغة ولا أدب ولا أي شيء آخر. فمفبركو تاريخ لبنان ألصقوا لبنان بفينيقيا غصبا عن الطبيعة. واستهوت الفكرة بعض علماء الآثار من الفرنسيين الذين روجوا لها دونما قناعة بها. ومنهم من كان يهزأ من اللبنانيين الذين آمنوا بتلك المقولة. فالكلام على تاريخ لبنان منذ ستة آلاف سنة مجرد تزوير لا تزوير بعده. وحين حاولت تصويب هذا التزوير المكشوف، رشقوني بتهم شتى. والأكثر غرابة أن الذين رفضوا الفكرة اللبنانية اعتقدوا أنني أبشر بالفينيقية".

    هناك تزوير آخر طال تاريخ العائلات الحاكمة في لبنان، فحدد الصليبي مصدره بالقول إن زعماء العائلات في لبنان شبّهوا أنفسهم بعائلات أوروبية حاكمة كأسرة البوربون في فرنسا. وادعى آل معن وآل شهاب وآل بحتر وغيرهم بأنهم أمراء، علما أن كلمة أمير تعني القائد. ولقب أمير هو لقب عسكري بحت. وبدلا من أن يدفع إلى هؤلاء القادة رواتب، كانوا يقطعونهم منطقة ليجبوا ضرائبها، فكانوا مجرد أمراء على العسكر. وهناك كذبة كبيرة تستند إلى القول بإن لبنان على مر التاريخ كان محكوما بأمراء من شعبه. لكن السلطة المركزية كانت تعين شخصا قويا مقدما على الآخرين يقتصر دوره على جباية الضرائب ومعاقبة المجرمين. وفي حال تمرده عليها ترسل حملة عسكرية لإنزال العقاب الصارم به ليكون عبرة للآخرين.

    عروبة الانتماء الثقافي وليس العروبة الدينية أو النفعية

    العروبة لدى الصليبي ذات مضمون حضاري وثقافي وليست تذويبا للخصوصية المحلية في وحدة اندماجية قسرية. فهي انتماء طوعي إلى ثقافة عربية مشتركة، وتاريخ مشترك، وتراث وعادات وتقاليد مشتركة.

    لعل ابرز توصيف له في عروبة لبنان، أنه أكثر الدول العربية عروبة. فقد جمع أخطاء العرب، وصفاتهم الحميدة معا. إنه بلد عربي لا دين له. هناك من لا يستطيع التمييز بين الدين والقومية في دول شمال إفريقيا العربية. في المقابل، هناك في المشرق العربي وضوح تام بأن العروبة هي إطار ثقافي وحضاري، أما الدين فشأن آخر. وينتهي إلى القول: "لم أشعر مرة بأنني مختلف عن العرب في أي بلد عربي. لكن هناك أفرادا يظنون أن الجنسية اللبنانية مقصورة على أناس يجب التأكد من أن دمهم لا يحتوي على شوائب معينة. هذا مضحك. وأنا مسرور جدا لمعرفتي أنني لا يمكن أن أكون لبنانيا من هذا النوع".

    ملاحظات ختامية

    يحتل كمال الصليبي موقعا متميزا في كتابة تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، وتعتبر مسيرته في الدراسات التاريخية نموذجا واضحا للمنهج التطوري الذي بلور مواقفه العلمية المتطورة باستمرار. لذا يحلو لبعض المؤرخين المتسرعين نعته بغياب الرؤية العلمية الواحدة في كتاباته عن تاريخ لبنان.

    عمل على تعرية الأساطير، وتعامل مباشرة مع الوثائق والمصادر الأساسية التي تفضح زيف الجانب الأسطوري في كتابة تاريخ لبنان على خلفية مرويات لطوائف متعايشة على ارض واحدة ومتناحرة على الزعامة والسلطة والتملك والنفوذ. عايش صعود الكتابة التاريخية الطوائفية المؤدلجة لربط تاريخ لبنان بالفينيقيين بهدف عزل لبنان عن محيطه العربي، والإدعاء بأن اللبنانيين ليسوا عربا، ورفض مقولة "لبنان ذو وجه عربي" أي العروبة النفعية وليس عروبة الإنتماء والمصير.

    ختاما، أدرك الصليبي من خلال كتاباته المستمرة على تاريخ المقاطعات اللبنانية ومقاطعات بلاد الشام، أن ما تعلمه في بدايات حياته الثقافية لم يكن دقيقا بل مشوها ومزورا. لذلك امضى حياته في تطوير منهجه العلمي لتعرية الأساطير المكونة للتاريخ اللبناني. كان على اقتناع تام بأن دمج تاريخ المناطق اللبنانية قسريا تحت ستار الترويج لخصوصية لبنان الواحد السرمدي يشكل تزويرا فاضحا لسيرورة تاريخ لبنان. وقد عبر بنفسه عن أثر المنهج التطوري في بناء مسيرته العلمية بقوله: "لقد حاولت تصويب هذا التزوير، وصححت مساري في الكتابة التاريخية بالتدريج، لأن ثمة فكرة رسّخوها في رؤوسنا منذ طفولتنا، وكنا نعتقد فعلا أن لبنان أبدي سرمدي".

    مسعود ضاهر


    النهار
    الأحد 11 أيلول 2011​
     
    Top