Book Reviews

cedarheart

cedarheart

Well-Known Member
Highly recommended book: The reason I jump

A poignant book written by a thirteen-year-old Japanese sufferer of autism, which sheds light on how autistic children think and feel, explaining why their behaviour can sometimes be baffling, whilst deep down they still very much share the basic human needs for love and understanding.....

 
  • Advertisement
  • Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    قاهر الظلام

    محمود الزيباوي



    عاد اسم طه حسين إلى الواجهة في مطلع هذا الشهر، وتعاقبت هنا وهناك الاحتفالات والندوات التي تستعيد مسيرته، فبدت كأنها احتفاء بعصر الفكر التنويري في ذلك "الزمن الجميل" الذي برز فيه "قاهر الظلام"، داعيا إلى التجديد والتحرير والتغيير والانفتاح على ثقافات العصر وأنوارها.

    لمناسبة مرور أربعين عاما على رحيل عميد الأدب العربي طه، شهدت مصر احتفالات تحاول رصد إرث هذا الرمز الثقافي الكبير، وحضوره في المشهد الراهن. نظّم "بيت السناري" التابع لمكتبة الاسكندرية ندوة ومعرضا ضمّ وثائق وصوراً تعرض للمرة الأولى. وأعلنت السفارة الفرنسية إقامة أمسيتين ثقافيتين تلقيان الضوء على نتاج هذا المفكر الذي يجسّد العلاقة الفريدة بين فرنسا ومصر، منها امسية يقرأ فيها ممثل مصري وآخر فرنسي بعضاً من المراسلات بين طه حسين وأندره جيد، يؤديها على انغام عازف العود عيسى مراد. في المقابل، أقام "متحف طه حسين" في الهرم بالتعاون مع "المركز القومي لثقافة الطفل" برنامجاً ثقافياً وفنياً لمدة أربعة أيام متتالية، ونظمت "الهيئة العامة لقصور الثقافة" بالتعاون مع "مديرية التربية والتعليم" في بورسعيد ندوة موضوعها "المرأة في حياة طه حسين وأدبه". واستعاد "مركز الهناجر للفنون" فيلم "قاهر الظلام" الذي يروي سيرة الأديب الكبير، وأقام بعد العرض ندوة خاصة للمناسبة تحدث فيها بطل الفيلم محمود ياسين، أدارها الناقد مصطفى فهمي. هكذا عاد طه حسين إلى الواجهة في هذه الأزمنة الصعبة، وعاد الحديث عن الثقافة التنويرية التي جسّدها على مدى عقود في القرن الفائت، وتساءل البعض عن الأثر الذي تركته هذه الثقافة في زمننا الحاضر.

    رحل طه حسين في الثامن والعشرين من تشرين الأول 1973، وبقي اسمه حياً في الذاكرة الجماعية العربية كرمز للمثقف التنويري، وكان للسينما وللتلفزيون دور كبير في تكريس هذه الصورة في أوساط الخاصة والعامة على السواء. بعد خمس سنوات على وفاته، قدمت السينما حياة "قاهر الظلام" في فيلم يستعرض حياة الأديب العربي الكبير والمعارك التي خاضها خلال حياته الطويلة. هي سيرة فتى فقير من محافظة المنيا في الصعيد، حرمه الجهل نور البصر، لكنه عرف كيف يتجاوز محنة البصر المفقود، واستعاض عن ذلك بالسمع، وتفوّق في الكتّاب، ثم دخل الأزهر، وواجه فيها العديد من الصعاب، وواصل كفاحه حتى تم ترشيحه لدراسة الأدب فى مدينة مونبولييه الفرنسية ضمن بعثة حكومية، وسافر إلى هناك مع أخيه الذى رعاه، وواجه مرةً أخرى مصاعب عدة، ونجح في التغلب على الظروف المعاكسة هناك، وحصل على الدكتوراه، وساعدته في ذلك صديقته الفرنسية سوزان التي تزوجها بعدما حصل على شهادته. ثم عاد إلى القاهرة، وعُيّن أستاذاً في الجامعة فعميداً، ولمع نجمه، وبات وزيرًا للمعارف، فسعى إلى إتاحة التعليم لجميع فئات الشعب. بعد أقل من عام، سارعت الشاشة الصغيرة إلى تقديم سيرة قاهر الظلام في مسلسل عنوانه "الأيام" لعب فيه أحمد زكي دور البطولة، استعاد هذا المسلسل نشأة طه حسين في الصعيد، وخروجه إلى القاهرة لمواصلة تحصيله العلمي، وألقى الضوء على أهم انجازاته الأدبية والسياسية. نجح المسلسل فنياً وجماهيرياً، وبقي حيّاً في الذاكرة إلى يومنا هذا.

    تجاوز طه حسين خلال حياته حدود الجامعة، وكتب في الصحافة، وتابعت وسائل الإعلام نشاطاته، وناصرته في الكثير من المعارك العامة. يعرف الكل سيرة "قاهر الظلام" بخطوطها العريضة. ويعرف الكل كذلك أبرز أبطال قصصه الروائية التي انتقل بعضها الى الشاشة الكبيرة: آمنة وهنادي وأمّهما زهرة في "دعاء الكروان"، سميحة وجلنار وأمّهما نفيسة في "شجرة البؤس"، وأمّ تمام في "المعذّبون في الأرض"، هذه المرأة البائسة التي تلقي بنفسها مع ابنتها في القناة الابراهيمية، فتموت، وتنجو ابنتها، غير أنها تصاب بالجنون. يبقى البطل الأكبر في ذاكرتنا طفل "الأيام" الذي فقد بصره مبكراً وقاوم وصمد وقهر الظلام وعاد دكتوراً من فرنسا، وعمل أستاذاً للتاريخين اليوناني والروماني في الجامعة العربية، ثم استاذاً لتاريخ الأدب العربي في كلية الآداب، وتدرج بعدها في مناصب عدة إلى أن أصبح مستشاراً لوزير المعارف ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، وبقي في هذا المنصب حتى تقاعده في عام 1944، وبعد ست سنوات عُيِّن وزيراً للمعارف، وحارب من أجل مجانية التعليم، لأن "العلم كالماء، والهواء حق لكل إنسان"، ونجح في إقرار مجانية التعليم، وشارك في تأسيس عدد من الجامعات المصرية، كما شارك في تحويل عدد من المدارس العليا كليات جامعية.

    التجديد والتحرير

    منذ عودته من فرنسا إلى القاهرة، دعا طه حسين إلى التجديد والتحرير والتغيير والانفتاح على ثقافة أوروبا واعتماد المناهج الغربية في النقد والتفكير، ودخل في مواجهة مفتوحة مع أنصار التقليد القديم. نشر كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926، وسلك في هذا البحث "مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة في ما يتناولون من العلم والفلسفة"، كما كتب في المقدمة. ثم عاد وشدّد على هذا المنهج وقال: "هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورّون عنه ازوراراً. لكني على سخط أولئك وازْورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصحّ أريد أن أقيّده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة". تجاوز الناقد الشاب المحظور، وأضاف: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ".

    أثار هذا الأسلوب الجديد أنصار القديم، وكان في مقدمهم مصطفى صادق الرافعي، صاحب كتاب "تاريخ آداب العرب" الصادر في عام 1911. شنّ الرافعي حملة عنيفة على المفكر الصاعد من خلال سلسلة من المقالات جُمعت لاحقاً في كتاب عنوانه "تحت راية القرآن"، وفيه رفع سيفه على دعاة التجديد، ورأى أن "أشدّهم عُراماً وشراسة وحمقاً هذا الدكتور طه حسين، أستاذ الآداب العربية في الجامعة المصرية"، الذي "كذّب الأديان وسفّه التواريخ وكثر غلطه وجهله". اتهم الرافعي خصمه بالكفر بالله والسخرية بالناس، وقاد الحملة التي تطالب شيخ الأزهر والحكومة بوضع حد لهذه "الفوضى الإلحادية" التي تسعى من خلال التعليم إلى "هدم الدين بمعول الزندقة كل يوم". كُلّف رئيس النيابة العامة محمد نور التحقيق في الدعوى، وبُرّئ طه حسين يومذاك من تهمة التكفير، فواصل عمله، وتعاظم عدد مناصريه وأتباعه. كان ذلك في مصر الثلاثينات والأربعينات، يوم كان دعاة التنوير يفرّقون بين الغرب الحضاري والغرب الاستعماري، ويدعون للمحافظة على الثقافة الإسلامية العربية مع الاعتماد على الوسائل الغربية في النقد والبحث والتفكير.

    عمل طه حسين في مطلع حياته استاذاً للتاريخين اليوناني والروماني، وفي محاضرة تعود إلى عام 1946، دعا إلى التعاون بين مصر وفرنسا، ورأى أن هذا التعاون هو بين حضارتين لا تختلفان في الجوهر، "وذلك أن هاتين الحضارتين تقومان على أساس واحد، وهو في نهاية الأمر الحضارة اليونانية اللاتينية"، أي الحضارة الكلاسيكية. وأضاف: "وقد تلقينا هذه الحضارة قبل أن تتلقوها بقليل. ولعلنا قد نقلنا إليكم شيئا منها. وها أنتم اليوم قد سبقتمونا، وقد كنتم أساتذة لنا، ولكني أعتقد أننا نستطيع اليوم أن نتعاون معكم عن شعور بالمساواة، شعور بالكرامة. وإن كنتم قد أعطيتمونا الكثير، فبوسعنا الآن في ما أعتقد أن نقدم لكم بدورنا شيئا ما".

    من هذا المنطلق، كتب طه حسين خلال مسيرته عن العديد من أعلام الفكر والأدب الأوروبيين، منهم غوته وأندره جيد وجوزيبي أونغاريتي، وفي كل مرة، كان يشير إلى العلاقة الخلاّقة التي تربط بين الشرق والغرب. في مقالة عن غوته نُشرت عام 1946، استعاد الكاتب محطات اكتشاف الشاعر الألماني للميراث الأدبي الإسلامي وافتتانه بعالمه الروحي. أحبّ غوته الإسلام، وكتب فيه: "إذا كان معنى الإسلام هو التسليم لله، فإننا نحيا ونموت جميعاً على دين الإسلام". غير أن حبّ الشاعر للإسلام لم يمنعه من أن يظل مسيحياً، وقد قارب بين المسيحية البروتستانتية والإسلام، وقال للمستشار موللر: "التفويض والتسليم هما أصدق الأسس في أي دين سام. وثمة خضوع لإرادة عليا تنظم الأحداث ويستعصى علينا فهمها لا لشيء إلا لأنها تفوق عقولنا وأفهامنا. وفي هذا يتشابه الإسلام أكبر الشبه والدين المسيحي وفقاً لمذهب الإصلاح". استعاد طه حسين هذا القول، وقارن بينه وبين قول للأخطل في رواية نقلها صاحب "الأغاني"، وفيها: "سمع هشام بن عبد الملك الأخطل وهو يقول: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد/ ذخرا يكون كصالح الأعمال. فقال: هنيئاً لك أبا مالك هذا الإسلام!. فقال له: يا أمير المؤمنين، ما زلت مسلماً في ديني".

    تمثّل العلاقة التي ربطت بين طه حسين وأندره جيد بعداً آخر لهذه الرؤية، كما تشهد الرسائل المتبادلة بين الأديبين. أحبّ الأول أدب الثاني قبل أن يتعرّف إليه شخصيا، ونقل إلى العربية روايته "السمفونية الريفية" في النصف الثاني من الثلاثينات، ثم شرع بترجمة رواية "الباب الضيق" في الأربعينات، وكتب إلى جيد يستأذنه في ذلك، فردّ عليه بالإيجاب، غير أنه عبّر "عن شك، بل وعن عدم اقتناع، مؤداه أن كتابه لن يفهم وبالأحرى لن يُحبّ في بلد مسلم، لأن الإسلام- في ما رأى – دين يقدم الأجوبة ويدفع العقل إلى الطمأنينة المطلقة، فلا يدع مجالا للقلق". ردّ طه حسين على هذه الرسالة بخطاب مفتوح لجيد نُشر في مقدمة الترجمة العربية للرواية، وفيها حاول أن يوضّح له "أن الإسلام الذي شُرح له، أو الذي اعتقد أنه يعرفه، لا علاقة له بالإسلام الحقيقي، وأن من المؤكد أن الإسلام لا يخلو من القلق، وأن الشرق المسلم جدير بأن يهتم بكتابه اهتمام الغرب المسيحي".

    كان ذلك في الأربعينات، والحال يومها لا تشبه حالنا اليوم. تحتفل مصر اليوم بمرور أربعين عاماً على رحيل "قاهر الظلام"، في زمن يبدو فيه مصطفى صادق الرافعي أشبه بكاتب محافظ لطيف مقارنةً بشيوخ التكفير والتبديع والتضليل والتشاتم المذهبي الذين يحتلون المشهد العام. تساءل ابرهيم فرغلي في هذه المناسبة: "ماذا لو أن "العميد" حي يعيش بيننا اليوم؟ ما الذي كان يمكن أن يراه طه حسين ببصيرته في ظلام أيامنا العربية هذه؟ هل كان ليقبل بأن يسمع عن منع كتابه "الأيام" من التدريس في المدارس المصرية، هو الذي نادى بأن يكون التعليم حقاً من حقوق البشر كما الماء والهواء؟ أم لعله كان ليخوض قتالاً عنيفاً، تمرس عليه جيداً في بداية القرن ضد منع الفكر الحر، بل لعله كان ليقود حملة شرسة على المدّعين ممن ينصّبون أنفسهم ولاة على عقولنا وضمائرنا؟". وكتب محمد بن علي المحمود في المعنى نفسه: "غاب طه حسين عن عالمنا لمدة أربعين عاماً، كانت هي بالذات فترة التراجع الفكري التنويري في العالم العربي، وهي أيضاً فترة ازدهار الجمهوريات العسكرية، أي اللافكرية، وهي فترة صعود الأصوليات وازدهار حركات التكفير الديني والقومي، التكفير بلسان الدين أو بلسان القومية، أو حتى بلسان الوطنية. ولا شك أننا بعدما أغلقنا منافذ وعينا طائعين عن طه حسن وأمثاله، بدأنا نُنصت في إخبات تقديسي لحاملي ثقافة الوهم والتجهيل، ومُرّوجي ثقافة الإخضاع والإخناع المستمدة من تراث المنظومة التقليدية".

    نشر طه حسين "في الشعر الجاهلي" عام 1926، وأشعل معركة خال انه انتصر فيها. بعد أكثر من ثمانية عقود، نعود إلى البداية، ويشتعل السجال حول "الإسلام الحقيقي"، وكأن الثورة التنويرية التي بدأت في عصر محمد علي تعثرت وتراجعت حتى تلاشت. على رغم ذلك، يبقى اسم طه حسين حياً، ويبقى رمزاً لنهضة لم تكتمل. كما أشار ابرهيم فرغلي في مقالته، "على رغم التخلف والجهل ومحاكم التفتيش التي نشهدها اليوم، شهدنا أيضا لحظة استثنائية لا ينبغي لنا أن ننساها في بعض المدارس هذه السنة، تمثلت في تظاهرات حشدها الطلاب رفضاً لمنع تدريسهم كتاب "الأيام" لطه حسين. وفي هذا ما يؤكد أن طه حسين حقا لم يمت، وأن المستقبل سيصنعه هؤلاء الأحرار وبهم ستنتصر حرية الفكر والتعبير".​


    النهار
    16 تشرين الثاني 2013​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    ربيع جابر يطارد أطياف الحرب





    ماري القصيفي

    لا يهمّ أن يحفظ القارئ أسماء الناس والأمكنة في رواية «طيور الهوليداي إن» لربيع جابر (دار التنوير)، وليس أمراً أساسيّاً أن يسجّل في ذاكرته أدقّ التفاصيل عمّا جرى لسكّان البناية التي تدور فيها وحولها أحداثٌ متشابكةُ الأزمنة لكنّها تصبّ كلّها في بداية الحرب اللبنانيّة أو ما صار يعرف بحرب السنتين (1975- 1976). فما جرى في بناية «أيّوب العبد» التي يعرفها الناس بـ «المبرومة» بسبب شكلها شبه الدائريّ يمكن أن يحصل في أيّ بناية أخرى، وما حصل في «الأشرفيّة» حيث تقع البناية حصل ما يشبهه في سائر المناطق اللبنانيّة، وما عاناه سكّانها الأصيلون أو المهجّرون إليها ومنها حصل لسواهم من اللبنانيّين وسائر المقيمين على الأرض اللبنانيّة. فما من بيت في تلك الحرب الأهليّة لم يختبر التهجير والخطف والتعذيب والهجرة والموت والإعاقة، وما من عائلة كانت بمنأى عن الآثار النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة لكلّ ذلك، حتّى ولو كان أفرادها في المهجر. الحدث هو المهمّ في الرواية، بل الأحداث، و «عندما تحدث الأشياء تحدث إلى الأبد. لا تقدر بعد ذلك أن ترجع في الزمن إلى الوراء وأن تبدّل مكانك، أن تختار هذه النقطة بدل تلك النقطة، هذه الحياة بدل تلك الحياة، هذا القدر بدلاً من ذلك القدر. تحدث الأشياء مرّة واحدة إلى الأبد. هذا مرعب، فظيع، وقاتل، لكن ماذا تفعل» (ص 254).

    ولكن من هو هذا القارئ الذي يتوجّه إليه ربيع جابر؟ هو الذي يريد أن يعرف أكثر عن تلك الحرب، أن يواكب يوميّاتها، أن يرى من خلال الكلمات والأسطر كيف وقعت المعارك ساعة بساعة ومن قضى فيها ومن نجا منها. هو قارئ مستقبليّ إذاً، يقرأ كما لو أنّ ما بين يديه كتاب تاريخ لا يعرف أبطاله أو مجرميه فلا يضيق نفساً وهو يعاين عن كثب معاناة الناس الذين كان واحداً منهم. هي كتابة للتاريخ وليست عن التاريخ، تقرأها أجيال لم تولد بعد، وتريد أن تكتشف سيرة شعب تقاتل أبناؤه بعنف وشراسة بلا سبب مفهوم ومن دون نتيجة، ومع ذلك استمرّوا يبحثون عن أسباب جديدة لقتال جديد. وهي بسبب كلّ ذلك كتابة فيها الكثير من المخاطرة، يخوضها صاحبها غير عابئ بجماهيريّة لا يمكن أن تلتهم بسهولة رواية من 674 صفحة في مجتمع ليست القراءة فيه هواية مفضّلة، وفيها جداول بدوام تقنين الكهرباء (51) وثبت بأسماء البارات والفنادق والمومسات (ص62 و87)، ووصف لأغراض التتخيتة (العليّة) (ص 102)، وخريطة توزيع الحواجز مع أسماء القتلى (ص 108)، وأسماء السينمات والأفلام (135ص) وأسعار العملات وأسماء السيّارات (ص138)، والكثير من التقارير البوليسيّة عن سير المعارك وأسماء المخطوفين، ومقالات من الصحف، وسرد لعناوين كتب وأسماء مجلّات وروزنامات (ص181)، وصفحات منسوخة حرفيّاً من مخطوطات وكتب قديمة، ولائحة بأسعار المواد الغذائيّة... فهل يكتب ربيع جابر لمتعة الكتابة غير معنيّ بإغراء القارئ وجذب اهتمامه أم لا يزال يراهن على قرّاء، مهتمّين بيوميّات معارك لم تنته بسرعة فتحوّلت حرباً، وراغبين في متابعة حيوات الناس الذين توالوا على شقق الطبقات السبع التي يتكوّن منها المبنى ولا تشبه في أيّ شكل من الأشكال نعيم السموات السبع؟

    المصعد الكهربائيّ في «المبرومة» معطّل في شكل شبه دائم، لذلك لم يكن سهلاً على سكّانها الوصول إلى بيوتهم من دون أن يتلاقوا ويتعارفوا. هذا الواقع انعكس على قارئ الرواية الذي أجبره الكاتب على السعي خلف السكّان والتنقّل مثلهم بين الشقق في شكل عشوائيّ كما كانت القذائف تفعل. ومن شقّة إلى شقّة، بدءاً من الطابق الأرضيّ حيث الناطور الذي يضرب زوجته، وصولاً إلى الطابق السابع ذي الشقق الأربع، مروراً بالطبقات الأخرى بينهما والمؤلّف كلّ منها من شقّتين، ارتفعت مداميك الرواية في جزءين أساسيّين، ينتهي الأوّل منهما بتبنّي إحدى عائلات المبنى طفلة تُركت على باب المستشفى، وكانت رائعة الجمال وهادئة ودائمة الابتسامة، فأدخلت الحياة على «المبرومة» وأخرجتها من متاهة الحرب حين ليّنت أكثر القلوب قسوة ورسمت ابتسامة على وجوه أشدّ المقاتلين شراسة. بينما ينتهي الجزء الثاني بالعثور على جثّة الناطورة «راغدة زغلول» والدة المخطوفة «كوليت» مهترئة في خزّان المبنى، ووصول إحدى الفتيات المقيمات فيه (مسيحيّة طبعاً) إلى أميركا حيث يقيم حبيبها المسلم الذي سبقها إلى هناك بعدما عافت نفسه الحرب.

    هي رواية السقوط: سقوط الهوليداي إن، سقوط الدامور، سقوط تلّ الزعتر والكرنتينا، سقوط الجميع في اليأس، سقوط الإنسانيّة إلى درك الإجرام، سقوط الشعارات المخادعة، ولا ارتفاعَ إلّا لطيور تقيم في الفندق الذي شهد معارك شرسة بين جانبَي العاصمة والذي لا يزال خراباً، وطائرات تحمل الناس إلى أوستراليا واليابان وقبرص وفرنسا وأميركا هرباً من الجحيم اللبنانيّ، ترافقهم بركات الكاتب المتضامن مع رحيلهم أفراداً وعائلات، إيماناً منه بحقّ الإنسان في البحث عن حياة لائقة تضمن له الأمان والكرامة والعمل والحبّ. أمّا الآخرون العالقون في رمال الواقع اللبنانيّ المتحرّكة، فتعلّموا التعايش مع سلْمٍ يعرفون في قرارة نفوسهم أنّه هشّ فحاولوا الاستفادة منه قدر الإمكان.

    في الطابق الأرضيّ يتابع آل «زغلول» حياتهم بعد اختفاء الابنة «كوليت» وموت الأم «راغدة» فتستلم الابنة «فريدة» مهمّة التنظيف تحت أنظار المخطوفين المعلّقة صورهم على الحيطان. ومن الطابق الأوّل هاجر آل «زخّور» إلى فرنسا مع ابنهم «ريمون» الذي أصيب بحروق بالغة وهو يقاتل ليلة سقوط «الهوليداي إن»، وغادر الصهر المسلم «سليمان» شقّة آل «ثابت وشرارة» التي اختبأ فيها طيلة حرب السنتين، في حين أوهمت زوجته «ليديا» الجميع بأنّه طلقها والتحق بالمنطقة الغربيّة، ولكن عند سقوط تل الزعتر والتهديد بمعاقبة من يؤوي «الغرباء» خاف على زوجته التي استشهد إخوتها الثلاثة، فغادر البيت. من الطابق الثاني، خرج «ألبير سمعان» لزيارة عائلته في قبرص ولم يعد بعدما اختبر على طريق المطار رعباً مهيناً، أمّا آل «صعب» فحاولوا التأقلم مع أقربائهم الذين تهجّروا من الدامور ولجأوا إليهم. في الثالث، آل «عطيّة» اليهود المهجّرون من وادي أبو جميل ينصهرون في المجتمع الجديد على رغم رائحة الجثث في مخيّمات الفلسطينيّين، وفي الشقّة المقابلة يحاول «لويس الخوري» الاستمرار في الحياة بعد وفاة زوجته ومقتل ابنه «شارل» بعد خطفه وانصراف ابنه «جرجي» إلى المخدّرات وتصفية الأسرى. في الرابع، السيّدة «حبيب» تنضمّ إلى جمعيّة للمطالبة بالمخطوفين بعد اختفاء ابنها «كارلوس» ويسمح زوجها لابنته «حلا» بالسفر إلى أميركا حيث خالها، وهو لا يعلم أنّها تريد الالتحاق بحبيبها «رضا حيدر» الشيوعيّ السابق. في الخامس، آل «زيدان» يقرّرون مغادرة البناية إلى مكان أفضل، وآل «طانيوس» ينشغلون بالتجارة. وفي السادس شقّة غارقة في الغبار والذكريات لـ «آل العبد» أصحاب البناية المسافرين، وشقّة آل «هاينيكين» التي هرب إليها من الغربيّة آل «معلوف». أمّا في السابع فأربع شقق صغيرة يقيم فيها: السيّد «موراني» مع ابنته التي فقدت أمّها/طليقته وأتت لتقيم معه، آل «بدّور» المتأقلمون مع الحياة على رغم إعاقة ولدهم، آل «الحويّك» المشغول بالهم على شقيق الزوجة «بشارة» المصوّر في جريدة «النهار» والذي يتهدّده الخطر بحكم عمله، آل «عازار» الذين نبغ منهم مقاتل شرس اسمه «سعيد» صفّى جميع من صادفهم خلال المعارك ما عدا الأطفال، وهو الذي ابتسم للطفلة «مرغريتا» التي تبّناها أهله.

    في ازدحام هذه العائلات، وتلاحق حكايتها واستعادة أخبار جيرانٍ هربوا إلى بيروت الغربيّة، يتداخل السرد والوصف بلغة غنيّة تتخلّلها أساليب الرسالة العاطفيّة والتأريخ الجافّ والتقارير العلميّة، وحين ترد الصور البيانيّة تبدو عابرة وإن غير عفويّة، كأنّ الكتابة عن الحرب لا تحتمل الشعر. ولافت كيف يختار ربيع جابر صوره من عالم الحيوان (هل الحرب إنتاج غريزة بهيميّة؟): سيلان الدم على الوجه «كأنّ بزّاقة تجرّ بطنها على خدّه» (ص101)، «ساكتة كسلحفاة» (ص119)، «كلمات يابانيّة تشبه أثراً تتركه قوائم الطيور مطبوعاً في باحة موحلة» (ص127)، «طنين الوقت الذي يعبر بليداً ويترك أثر بزّاقة رطبة على صحن الشاي» (ص623). كما يلفت أنّ أكثر المشاهد المؤثّرة هي التي يؤدّيها رجال لا نساء حتّى ولو كنّ أمّهات مفجوعات أو مريضات: كمشهد والد «سعيد عازار» وهو يبحث عن ابنه قبل أن يعرف أنّه التحق بالأحزاب، ومشهد تصفية المخطوف على يد خاطف ينتقم لخطف أخيه، ومشهد الدكتور «معلوف» يقاوم بالاغتسال رائحة الجثث المنبعثة من المخيّمات.

    في الصفحة 551 من الرواية، يستعيد الكاتب، وهو يروي حكاية انتقال آل «حبيب» من عين الرمانّة إلى الأشرفيّة، مقطعاً ورد في الصفحة 10 يعطينا فكرة عن حياة هذه العائلة. غير أنّه في الاستعادة يبدأ بعبارة: «كيف مرّ الزمن؟» كأنّ الحياة في البناية التي اسمها «المبرومة» تدور كحجر الرحى حول نفسها قاتلة الوقت وطاحنة مصائر الناس. وناس الرواية منساقون سلبيّون، يخوضون الحرب حين تفرض عليهم ويتحوّلون مقاتلين بلا قضيّة أو هدف، لا فرق إن كانوا من «الشرقيّة» أو «الغربيّة»، وتجمعهم رغبة في انتصار وحيد هو الهرب حين تسمح الظروف، وعندها فقط يعودون بشراً يصعب الاقتناع بقدرتهم على ارتكاب المجازر.

    ولكن ماذا بعد الكتابة للتاريخ؟ هل تستطيع رواية الحرب والسلم هذه أن تغرينا بالعودة إليها بحثاً عن مواقف إنسانيّة خالدة أو شخصيّات آسرة. سؤال تصعب الإجابة عنه قبل أن نترك مسافة بيننا وبين المصوّر الصحافيّ الذي ماتت أمّه في غيابه، وسكّان البناية الذين تسمّموا من مياه الخزّان الذي غرقت فيه الناطورة، والمقاتلة الجميلة التي بتروا ساقيها من الحوض بعد إصابتها في معركة «الهوليداي إن»، والمخطوفين العالقين بين العودة والغياب، أو ربّما بعد أن يرمّم فندق تنزل فيه الطيور آمنة، ويتنقّل الناس حوله من دون أن يلتفتوا إليه.

    الحياة
    الجمعة، 30 سبتمبر/أيلول 2011​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    "بيريتوس مدينة تحت الأرض "بالفرنسية
    ربيع جابر راوياً بيروت بطريقتين




    < بعد رواية علوية صبح"مريم الحكايا"، تستقبل دار"غاليمار"العريقة في سلسلتها"من العالم أجمع"روايةً لبنانيةً أخرى هي"بيريتوس، مدينة تحت الأرض"للزميل والروائي ربيع جابر بترجمة سيمون كورتي وشارلوت فوليز. فرصةٌ نستغلّها للتوقف من جديد عند هذا النص وعند المميّزات التي تجعل منه روايةً ناجحة وتشرح في الوقت ذاته اهتمام دار نشرٍ بحجم"غاليمار"بإصدار ترجمته.

    طبعاً، لعبت موهبة جابر الروائية في شكلٍ عام دوراً في اختيار الرواية لتصدر في هذه السلسلة المهمة. فعلى الغلاف الخلفي للكتاب، تعمّد الناشر أو المترجمَان إيقافنا في سيرة الروائي المقتضبة عند نقطتين رئيسيتين فقط هما تاريخ ولادته 1972 وإصداره حتى اليوم خمسة عشر رواية، كي نستنتج بسرعة قدرةً نادرة على الكتابة الروائية تستحق المكافأة، خصوصاً إذا كانت روايات جابر تتحلى بالمستوى المطلوب، وهو ما يتجلى في الرواية المُترجَمة.

    في هذا النص نقرأ قصة شخصٍ اسمه بطرس التقى بالروائي صدفةً في إحدى الليالي وطلب منه الاستماع إلى قصّته الغريبة على أمل أن يكتبها هذا الأخير في شكل رواية فتتحوّل إلى خرافة لا علاقة لها بالواقع ولا قدرة لها على إقلاق نومه.

    تقع أحداث هذه القصة في بيروت، بعد الحرب الأهلية، أثناء عمل بطرس كحارس في سينما"سيتي بالاس"المهجورة. ففي إحدى الليالي الماطرة والعاصفة، يلمح ظل فتى داخل الصالة فيلاحقه قبل أن يسقط بعنفٍ داخل حفرةٍ عميقة ويفقد وعيه. وبعد فترةٍ طويلة، يستيقظ ليجد نفسه داخل منزلٍ تحت الأرض محفورٍ في الصخر. وتدريجاً يتبيّن له أن ثمّة مدينة قديمة تحت الأرض طمرها زلزالٌ منذ زمنٍ بعيد لكنها لا تزال مسكونة بالبشر، فيتعايش معهم ويصاحب بعضهم، كالشيخ إسحاق وابنته رحيل اللذين استقبلاه في دارهما واعتنيا بجروجه البليغة، والطبيب يوسف والمؤرّخ مسعود وعالم الفلك سلمان الذين أشبعوا فضوله بمدينتهم والعكس بالعكس، إضافة إلى علاقته الغرامية مع ياسمينة الغريبة الأطوار منذ اختفاء زوجها في بيروت العليا. وخلال الفترة التي يمضيها تحت الأرض، تجتاحه في شكلٍ ثابت ذكريات حياته السابقة المشحونة بعنف الحرب. وبعد شهورٍ طويلة، يصعد بطرس إلى سطح الأرض وينكث بوعده في عدم كشف ما شاهده وعاشه في بيريتوس نظراً إلى حال الاضطراب الكبيرة التي وضعه فيها اكتشافه هذه المدينة المطمورة والهشة...

    تشدّنا هذه الرواية أولاً بأسلوب كتابتها الذي اعتمد جابر فيه شكل المونولوغ المباشر واتّبع عملية سردٍ على الطريقة اللبنانية العامّية باستطراداتها الكثيرة وطبيعة لغتها وتشابيهها وسيكولوجيتها الخاصة.

    وهذا ما رسّخ الرواية داخل محيطٍ جغرافي وثقافي محدَّد وجعلنا في الوقت ذاته نتآلف بسرعة مع بطلها ونستمع بشوقٍ إلى قصّته حتى النهاية. ولكن يتبيّن لنا بسرعة أيضاً، أن الاستطرادات الطويلة والغزيرة التي تحتل نصف الرواية تقريباً ونتعرّف من خلالها على حياة بطرس قبل حادثة سقوطه ليست أقل إثارة وغرابة من أحداث القصّة الرئيسة التي أراد سردها على الروائي، أي ما شاهده وعاشه تحت الأرض، الأمر الذي يقودنا إلى طبيعة عملية سرد جابر المزدوجة التي تسمح داخل زمنٍ واحد برواية قصّتين؟ هما في الحقيقة قصّة واحدة - بطريقتين مختلفتين ومتكاملتين. وطبعاً، لا يعتمد الروائي هذه التقنية السردية المثيرة كغايةٍ جمالية أو شكلية بذاتها، بل لقدرتها على وضع القصّتين في حالة مقابلة وتقاطُع.

    وفعلاً، تساهم هذه التقنية السردية في دفع القارئ على إجراء مقارناتٍ بين المدينتين، حياةً وثقافةً ومجتمعاً، وعلى التفكير بالأبعاد المجازية والرمزية لهذا السيناريو. لكن إلى أي حد تشكّل بيريتوس استعارة لبيروت خلال الحرب؟ وطبعاً، يمكننا استحضار تفاصيل كثيرة تجعلنا نشاهد الأولى كمرآةٍ استيهامية للأخرى، في حين أن غاية جابر، كما نظنّ، هي طرح هذه المقابلة وتخطّيها في الوقت ذاته لمصلحة مخيّلته الجامحة التي مكّنته من تحـويل مسألة اكـتشاف مدينة بيريتوس السفلية هدفاً بحد ذاتـه له، لبـطرس وللقارئ معاً.

    ولعل أفضل دليلٍ على ذلك المتعة والإثارة اللتان نستشعرهما لدى قراءة وصفه الدقيق والمسهب لتلك المدينة بناسها وأحيائها ودهاليزها وطبيعة الحياة فيها، خارج أي رغبةٍ في المقارنة أو دافعٍ اليها. وهذا ما يضع هذه الرواية في سياق روايات جول فيرن ولويس كارول الخرافية أو حتى بعض حكايات"ألف ليلة وليلة". فموضوع السقوط داخل حفرة تقود إلى عالمٍ آخر نسعى إلى استكشافه، معالَجاً بطريقةٍ أو بأخرى داخل المراجع المذكورة، كما لا يتردد الروائي أحياناً في التلميح إلى هذا المرجع أو ذاك خلال عملية سرده.


    جريدة الحياة
    01-05-2009​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    تحت الضوء - الإنجيل بحسب جوزيه ساراماغو

    ألفراد الخوري


    في روايته "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"، يقدّم جوزيه ساراماغو رؤية بديلة وجريئة لسيرة المسيح، منذ ولادته حتّى موته. لكنّ "بطريرك" الأدب البرتغاليّ لا يؤسّس هنا لكتاب دينيّ جديد، ولا يهمّه حتّى أن يرسي حقائق "تاريخيّة" أكثر صدقيّةً، إنمّا هو يريد، ببساطةٍ، أن يُعمل أسئلته الوجوديّة، الشعريّة، الحداثيّة، والسياسيّة، وذلك في حوارٍ مشرَّع بين الإنسانيّ والإلهيّ، بين الترابيّ والهيوليّ، بين الأرضيّ المغمَّس بالألم واللذّة والسماويّ الغيبيّ المتلفِّع بألف قناع وقناع.

    لدى صدورها عام 1991، أثارت رواية "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"، للبرتغاليّ جوزيه ساراماغو (1922-2010)، عاصفةً عنيفة من الردود والمقالات التي انهالت على الرواية وصاحبها، هجوماً ودفاعاً، من كلّ فجٍّ وصوب. الكنيسة الكاثوليكيّة استنكرتها بشدّة واعتبرتها تجديفيّة، أمّا الحكومة البرتغاليّة فمارست الرقابة عليها، معتبرةً إيّاها "مهينةً بحقّ الكاثوليك"، وبذلك، حالت دون ترشّحها لجائزة الأدب الأوروبيّة الرفيعة لعام 1992. إثر هذه الحادثة، غادر ساراماغو البرتغال مكسور الخاطر، وانتقل إلى منفاه الاختياريّ في لانثاروتي، إحدى جُزُر الكاناري الإسبانيّة، حيث عاش حتّى أيّامه الأخيرة. مع هذا الانتقال المكانيّ، شهدت تجربة صاحب نوبل للآداب (1998) مرحلةً جديدة، تمثّلت في ابتعاده أكثر فأكثر عن الأسلوب المباشر لمصلحة التجريد والمجاز.

    يُمكن أن توضع رواية "الإنجيل" في سياق عدد من الأعمال حاولت إعادة كتابة حياة المسيح (أبرزها في القرن العشرين رواية كازانتزاكيس "التجربة الأخيرة للمسيح" (1955)، التي نُقلها سكورسيزي عام 1988 إلى الشاشة الكبيرة)، متّكئةً، في الأغلب، على الأناجيل الأربعة، وعلى ما وصَلَنا من الأناجيل المنحولة والكتابات اللاهوتيّة القديمة، ومحتفظةً لنفسها بهامش للمناورة والتخييل. لكنّ ما يميّز رواية ساراماغو عن هذه الأعمال، إلى جانب جرأتها المستفِزَّة وشاعريّتها الاستثنائيّة وغموضها المشعّ وحبكتها العصماء، انحيازها الراديكاليّ للأرضيّ ضدّ السماويّ، للمحسوس ضدّ المجرّد، وللإنسانيّ ضدّ الإلهيّ. كذلك في الإمكان قراءتها، رمزيّاً، كاستعارة عن حريّة الخيال الذي يرفعه الكاتب بديلاً من الواقع أو الحقيقة التاريخيّة. فالتاريخ، كما يعلّمنا صاحب "قايين" (2009)، ليس شديد التماسك، إذ في الإمكان روايته و/أو كتابته بطريقة مختلفة طالما أنّ ذلك يتمّ بوساطة اللغة، وطلما أنّ كلّ سرد إنّما يتضمّن ذاتيّةً ما، انزياحاً ما، شقوقاً منسيّة تتسلّل منها الشاعريّة، ويتسلّل منها ضوء غريب، مشكّك، يصبح للأشياء تحته شكلٌ جديد وللكلمات مذاق حرّيف. هكذا نجد أنّ ساراماغو ليس مهتمّاً على الإطلاق بأن يعرف مَن "كان" يسوع حقّاً من المنظار التاريخيّ، بمقدار ما هو مهتمٌّ بأن يتساءل: مَن "يجب أن يكون" يسوع في المنظار الإنسانيّ؟!

    إذاً، بين أيدينا "إنجيل" لا يشبه الأناجيل التي نعرفها، يمكن أن نعتبره تجديفيّاً منذ قراءة عنوانه، والمرور به وعدم الوقوع في التجربة. لكنّ الغوص فيه سيضعنا أمام معطى آخر: ليس هناك شيء محسومٌ ونهائيّ، ليس هناك ما يمكن الجزم بأنّه تجديفيّ في هذا الكتاب. في هذا المقال، نحاول أن نقرأ رواية ساراماغو قراءةً تخرج من المواضعات الضيّقة إلى الفضاء الإنسانيّ الرحب، حيث تتشكّل صورةٌ للمسيح، ليس كإنسانٍ خارق نازل علينا من فوق، بل كمجرّد إنسان: يتنفّس، يأكل، ينام، يتوق، يحلم، يُقلقه الماوراء ويغيظه، فيخاف، يتمرّد، ويحبّ، مثله مثل سائر الناس.

    حداثةٌ مشكِّكة

    تصلح أقصوصة بورخيس الشهيرة "بيار مينار، مؤلّف دون كيشوت" (1939) التي صدرت أوّلاً في مجموعة "البستان ذو الطُّرق المتشعّبة" (1941) وجُمعت في "خيالات" لاحقاً، خيرَ نافذةٍ ندخل منها، أوّلاً، لنفهم بعض ما أراد ساراماغو أن يفعله في "إنجيله". قرر مينار، صديق بورخيس المُتخيَّل، أن يقوم بمهمّة شبه مستحيلة: إعادة كتابة رائعة ثرفانتس، حرفاً حرفاً، من دون أن يبدّل شيئاً أو أن يضيف شيئاً. كان ينوي، أوّلَ الأمر، أن يتقمَّص شخصيّة المدريديّ البائس، ثمّ أن يتقن الإسبانيّة جيّداً، يعتنق الكاثوليكيّة، ينسى تاريخ أوروبا بين 1602 و1918، فيصل بذلك إلى "الكيشوت". لكنّ مينار، وبعد دراسته الطرق المختلفة، بدا له أنّه من التقليل "أن تكون في القرن العشرين روائيّاً شعبيّاً من القرن السابع عشر"، فوجد أنّ التحدّي يكمن في أن "يظلّ بيار مينار وأن يصل إلى "الكيشوت" من طريق اختبارات بيار مينار نفسه". لن نغامر في المتاهة البورخيسيّة التخييليّة أكثر من ذلك. ما يعنينا هنا هو أن الصعوبة التي واجهت ساراماغو، والتي لم يُرِدْ أن يتجنّبها، هي أن يظلّ ساراماغو، وأن يصل إلى "الإنجيل" عبر اختبارات ساراماغو نفسه، باختلافَين رئيسَيين عن مينار، جعلا مهمّة البرتغاليّ أكثر صعوبةً حتّى: الأوّل يكمن في أنّ للكتاب الذي يتعامل معه هالةً من القدسيّة وشهرةً تفوق شهرة أيّ كتاب آخر، بما يعنيه ذلك من انتهاك وتجديف وهرطقة ومروق. أمّا الاختلاف الثاني فهو أنّ ساراماغو لا يقف عند الحَرفيّة التي يلتزمها مينار، بل يتعدّاها لتقديم صيغة بديلة لحياة المسيح، وإن كان يعرف أنّه ليس في صدد تقديم كتاب يؤسّس لأجوبة ما، وإنّما هو يكتب ليبذر الشكّ ويقوّض المسلّمات، وهو، تالياً، شأنه شأن بورخيس، يرفع التخييل رايةً ويقول بانعدام الحدود بين الرواية التاريخيّة والأدب "الملفَّق".

    لم يُرِدْ سليلُ بيسوّا إذاً أن يتخلّى عن إحساسه الحداثويّ، ووعيه التاريخيّ، كما أنّه لم يُرِد أن يتخلّى عن سخريته التي وراءها ذكاءٌ باهر. فالتطابق بين الراوي والكاتب، كما في أغلب روايات صاحب "رحلة الفيل" (2008)، يكاد يكون تامّاً. هكذا يطالعنا في "الإنجيل" هذا الصوتُ الصبور، الحنون، الدافئ، المتفهّم، الشكّاك والمتهكّم، الذي ليس سوى صوت ساراماغو نفسه. إنّه يكتب في أوروبا أواخر القرن العشرين، وفي نفسه مرجعيّاتُه السياسيّة (الماركسيّة) والدينيّة (الإلحاد) والفلسفيّة (الماديّة التاريخيّة) والثقافيّة (اليهوديّة-المسيحيّة، في هذه الحالة) والقوميّة (البرتغاليّة أو الأوروبيّة، بشكلٍ أوسع). لكنّ ما يميّز ساراماغو، ويجعل منه صوتاً استثنائيّاً، هو أنّ في نَفْسه، إلى جانب كلّ ما سَبَق، حسّاً إنسانيّاً، بديهيّاً، طفوليّاً، نقيّاً، شاعريّاً، قادراً أن يجعله يتخلّى عن كلّ ما سبق ليسير وراءه مغمضَ العينَين. لكنّ عينيّ ساراماغو لم تعرفا إغماضةً. كانتا، على مدى تجربته الكتابيّة، تتناوبان السهر والنوم، فتقرُّ عينٌ وتظلُّ أخرى جاحظةً في ليل العالم، تتلمّس مآسي الإنسانيّة، خصوصاً تلك التي تضرب العالم الثالث آتيةً من العالم "الأوّل"، في أغلب الأحيان!

    من هو، إذاً، هذا المسيح الذي تتشكّلُ صورتُه على امتداد صفحات "إنجيل" ساراماغو؟

    يسوع متمرّداً على الله

    يظهر يسوع، في رواية البرتغاليّ، طفلاً ذكيّاً وبريئاً، يحلم بعالم أكثر عدلاً وأكثر حبّاً، ويتساءل عن بديهيّات المجتمع اليهوديّ آنذاك، كالزواج والصلاة والزنى والتضحية والذنب والألوهة، فيطوّحُ به السؤالُ في عالم ضارٍ مُتنازَع بين الخير والشرّ، بين اليهود والأمميّين، بين الله والشيطان. يسوع، شأنه شأن كلّ أطفال العالم، اليوم والآن خصوصاً، واقعٌ تحت سطوة القتل العبثيّ الأعمى. شأنه شأن كلّ أطفال العالم، مشروعُه منذورٌ للفشل منذ البداية. فالله قد اختاره ابناً له، وخطَّ مصيره بحروف لا يمكن محوها: لقد كُتِبَ عليه أن يموت على الصليب بهدف أن يوسّع سيطرة هذا الإله المستبدّ، فلا يبقى إلهَ اليهود فحسب، إنّما ينتصر، بهذا الفعل القربانيّ، على باقي الآلهة، ويصبح إلهاً على العالم أجمع.

    هكذا يقف ساراماغو ضدّ فكرة "هذا الله"، الذي على أشنع صور الإنسان وأعنف أمثلته. الله الجشِع، السلطويّ، القهّار، كاره البشر، يَهْوَه، هو الذي هو، يقتات على الجثث ويقيم مع عباده علاقةً قوامُها الخوف والترهيب والإحساس بالذنب. إنّه، باختصار، الإله الذي تقدّمه الرواية التوراتيّة. في حديث إلى مجلّة "لو ماغازين ليتيرير" الفرنسيّة عام 2009، ولدى سؤاله إذا ما كان لا يزال ملحداً، "أجل"، أجاب. "ولألف سببٍ وسبب. سأذكر واحداً فقط. أثناء الأبديّة التي سبقتْ خلقَ الكون، لم يكن الله يفعل شيئاً. ثمّ، لا نعرفُ لِمَ، قرّر أن يخلقه. فخلقه في ستّة أيّام واستراح في اليوم السابع. ولا يزال مستريحاً حتّى اليوم، وسيظلّ مستريحاً إلى الأبد. كيف في إمكاننا أن نؤمن به إذاً؟".

    من أكثر المشاهد مركزيّةً في "إنجيل" ساراماغو، ذاك الذي يجتمع فيه يسوع، الله والشيطان، على متن قارب صيدٍ في بحيرة طبريا، والضبابُ يلفّ الأرض، فيدور بين الآب والإبن حوارٌ يستمرّ مدى أربعين يوماً، فيما الشيطانُ مجرّد شاهدٍ يكتفي ببعض التعليقات الطفيفة بين حينٍ وحين. يريد يسوع أن يعرف من هو (هل هو ابن الله أم ابن يوسف النجّار؟) وما عليه أن يفعل (هل يمكنه أن يحيا حياةً طبيعيّة أم إنّه منذور للموت؟)، محاولاً أن يتنصّل من "المهمّة" التي سيوكله إيّاها الله، وفي محاولةِ تمرُّدٍ استباقيّة على كلّ ما سيُرتكب باسم الدين المسيحيّ من مجازرَ وحروبٍ ودماء على مرّ التاريخ. لكنّ يسوع، هنا، ليس سوى إنسان، ونجده جالساً بين الاثنَين، "وعلى مسافةٍ متساوية منهما". فضلاً عن أنّ الله لا يختلف عن الشيطان في شيءٍ، سوى أنّ للأوّل لحيةً بيضاء بينما الثاني أمرد! من هذا الحوار نقرأ: "هل يمكن أن تكذب الآلهة، سأل يسوع. يمكن، أجاب الله. وأنتَ هو الإله الحقيقيّ الواحد الوحيد بين الآلهة كلّها. أجل، الإله الحقيقيّ الواحد الوحيد. ومع ذلك ليس في إمكانك أن تجنّب الناس الموت لأجلك في حين أنّهم من المفترض أن يكونوا قد وُلدوا ليحيوا لأجلك على هذه الأرض وليس في السماء، حيث ليس في إمكانك أن تقدّم لهم شيئاً من ملذّات الحياة". نقرأ في مكانٍ آخر من الحوار نفسه: "إنّني أنتظر، قال يسوع. تنتظر ماذا، سأل الله، وكأنّه شارد البال. إنّني أنتظر أن تقول لي كم من الموت والعذاب سيتطلّب انتصارُك على الآلهة الأخرى، كم من الموت والعذاب ستتطلّب الحروب التي سيخوضها الناس باسمك وباسمي. أنت مصرٌّ على أن تعرف، سأل الله. أجل، أنا مصرّ، أجاب يسوع".

    الحبُّ خلاصاً

    إذا أردنا إذاً أن نخرج ببنيةٍ كليّة لخطاب الكاتب في "الإنجيل" (مع أنّ في ذلك إجحافاً كبيراً في حقّ التخييل، الذي يشكّل، بالنسبة إلى ساراماغو، كلّ شيء!)، لقُلنا إنّ الحبّ، الحبّ الإنسانيّ البسيط اللحْظَويّ، هو خلاص الإنسان. هكذا نجد أنّ الخطيئة التي على يسوع أن يدفع ثمنها على الصليب ليست خطيئة آدم الأصليّة، بل خطيئة والده، يوسف النجّار. هي خطيئةٌ تنتمي إلى هذه الأرض وليس إلى السماء (وإن كان يسوع سيعلم لاحقاً أنّها حادثةٌ مخطَّط لها منذ البداية من الله). فلمّا علم يوسف، مصادفةً، بالمجزرة التي يُعدُّها هيرودوس للصبيان ما دون الثانية في بيت لحم، عاد راكضاً إلى المغارة حيث يسوعُ الصغير ومريم. في طريقه إلى هناك، التقى عدداً من الأولاد يلعبون في الخارج، لكنّ يوسف لم يَقُل لهم شيئاً. لم يحذّرهم مّما ينتظرهم. ركضَ هَلِعًا ليس بين عَيْنَيه سوى تخليص ابنه الصغير من شفار السيف. ليست الخطيئةُ الأصليّة، إذاً، المعرفةَ أو العصيانَ أو الجنس، وإنّما بحثُ الإنسان عن خلاصه الفرديّ، تالياً مصدرها الجشَعُ والأنانيّة وغياب الحبّ.
    في ذلك شيء من ماركسيّة صاحب "العمى" (1995) بالطبع، لكن فيه ما هو أبعد من ذلك. فيه تسليمٌ بمطلقيّة بالحبّ. بالمشاركة. بالمسامحة. بالمساواة. بمسؤوليّة الإنسان الكاملة تجاه أفعاله، وذلك في غيابٍ كامل لأيّ قوّةٍ غيبيّة، ميتافيزيقيّة، تجريديّة، علويّة. بذلك يلتقي ساراماغو والوجوديّين، الملحدين منهم بشكلٍ خاصّ. كذلك نلاحظ بحث ساراماغو الدائم عن الجذور الغائرة لهذه اللوثة التي اسمها القتل، والتي، على مدى التاريخ، اتّخذت ذرائعَ كثيرةً، كان الدينُ أبرزها على الإطلاق. ولا يزال. أمام هذه اللوثة، يتمسّك ساراماغو بالحياة، ويرفع الحبّ رايةً. الحبّ الحسيّ المجرّد، المادّي الروحي، المقدّس المدنّس، العنيف الوادع، الذي يذيب التناقضات ويتجاوز الثنائيّات، نحو نقطةٍ تكاد تكون هي نفسها تلك التي طاردها بروتون ورفاقه طويلاً.

    في 9 تمّوز عام 2009، نشرَ كاتبُنا على مدوّنته نصّاً عنوانه "فصلٌ من الإنجيل". لا يحتاج القارئ الملمُّ جيّداً بعالم البرتغاليّ وقتاً طويلاً ليكتشف أنّ هذا النصّ مكتوبٌ في مرحلةٍ لاحقة، وأنّه ينتمي إلى الطور الثاني من تجربة صاحب "كلّ الأسماء" (1997). لكن، وعلى الرغم من أنّه يختلف، في أسلوبه كما في نَفَسه، عن رواية "الإنجيل"، إلاّ أنّه مركزيٌّ لفهم رؤية ساراماغو وما يريد قوله بالتحديد. النصّ مدهش، لا يقلُّ جرأةً عن "الإنجيل"، ولا سيّما أنّه يأتي على لسان مريم المجدليّة، المرأة التي يجعلها ساراماغو في "إنجيله" عشيقةً ليسوع، في الجسد تحديداً، لكن أيضاً في الروح (الروح، هنا، مختلف عن مفهومه الدينيّ بالتأكيد). تقول المجدليّة: "بالنسبة إليَّ، لم يكن يسوع ابنَ الله، وأنا، بالنسبة إليه، لم أكُن مريمَ التي من المجدليّة، كنّا فحسب رجلاً وامرأةً، كلانا يرتجف من الحبّ، والعالمُ يلفّنا كطائرٍ جارح يقطر دماً. لقد قال بعضُهم إنّ يسوع طردَ سبعة شياطين من أحشائي، لكنّ ذلك، أيضاً، ليس صحيحاً. ما فعله يسوع هو أنّه أيقظ الملائكةَ السبعة التي كانت نائمةً في روحي، منتظرةً إيّاه أن يأتي طالباً إليَّ مساعدته: "ساعديني". تلك الملائكة هي التي شَفَت قَدَمه، هي التي أمسكت بيديَّ الراجفتَين واستخرجت القيح من الجرح، هي التي وضعت على شفتَيَّ السؤال الذي لولاه لما كان يسوع قادراً على مساعدتي: "أنتَ تعرف مَن أنا، ماذا أفعل، وكيف أعيش"، وأجاب، "أنا أعرف". "لم تكن في حاجة إلى أن تنظر، وعرَفتَ"، قلتُ، وأجابَ، "لا أعرف شيئاً"، لكنّني أصررتُ، "أنا مومس". "أعرفُ ذلك". "أنام مع الرجال من أجل المال". "أجل". "إذاً أنتَ تعرف كلّ شيء عنّي"، قلتُ، وهو، بصوتٍ هادئ، مثل السطح الناعم لبحيرة متَمتمة، قال، "هذا كلّ ما أعرف". لم أكن أعلم عندها أنّه ابنُ الله، ولم أكن أتخيّل أنّ الله يحتاج ابناً، لكن في تلك اللحظة، حين كان الفهم الباهر يضيء في روحي، فهمتُ أنّ وحده ابنَ الإنسان يمكن أن ينطق بهذه الكلمات الأربع البسيطة: "هذا كلُّ ما أعرف". وينتهي النصّ بالجملتَين التاليتَين: "أنا مريم المجدليّة وقد أحببتُ. ليس هنالك شيء آخر لأقوله".

    كوّة الأمل

    بخلاف رواية كازانتزاكيس، لا يخرج يسوع، في "إنجيل" ساراماغو، منتصراً. فمحاولة تمرّده تبوء بالفشل، ويُقاد إلى الصليب، إمّا لاستسلامه لحظةً، وإمّا لاقتناعه بفكرة المجد التي وعده بها الله. لكنّ هذا الاقتناع لا يدوم طويلاً. فبينما هو على الصليب، يكتشف الخديعة، ويعلم أنّ كلّ ما فعله إنّما أدّى إلى نجاح الخطّة التي وضعها الله منذ البدء: "فَهِمَ يسوع أنّه خُدع، كما يُخدع الحَمَل وهو يقاد إلى الذبح، وأنّ حياته كانت منذورةً للموت منذ البداية. تذكّر أنهار الدماء والعذابات التي ستأتي وتعمّ الكوكب بأسره، فصرخ إلى السماء المشرّعة، حيث في الإمكان رؤية الله ضاحكاً، أيّها الناس، اغفروا له، لأنّه لا يعلم ماذا يفعل".
    لكنّ الفشل، هنا، يجب أن يُقرأ كتأكيد آخر على إنسانيّة يسوع، تالياً كنوعٍ من الانتصار: انتصار الإنسانيّ على الغيبيّ وانتصار التخييل على الواقع. ليس مشروع يسوع، في نظر ساراماغو، منذوراً للسماء، بل مقامُه هذه الأرض. وإذا كان هنالك، وسط هذا التشاؤم البهيم الذي يلفّ عالم البرتغاليّ، كوّةٌ ما للأمل، فإنّها تكمن بالتأكيد في الانتقال الفوريّ إلى الفعل: أن يقوم الناسُ بشيءٍ ما، أن يثوروا على واقعهم، أن يوقفوا حروبهم "الغيبيّة" وينزلوا عن صلبان معاركهم السخيفة ليحيوا الحياة التي يستحقّون.

    النهار
    25 كانون الأول 2013​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter





    Unlock your mind

    From the bestselling authors of Thinking, Fast and Slow; The Black Swan; and Stumbling on Happiness comes a cutting-edge exploration of the mysteries of rational thought, decision-making, intuition, morality, willpower, problem-solving, prediction, forecasting, unconscious behavior, and beyond. Edited by John Brockman, publisher of Edge.org ("The world's smartest website"—The Guardian), Thinking presents original ideas by today's leading psychologists, neuroscientists, and philosophers who are radically expanding our understanding of human thought.

    Daniel Kahneman on the power (and pitfalls) of human intuition and "unconscious" thinking • Daniel Gilbert on desire, prediction, and why getting what we want doesn't always make us happy • Nassim Nicholas Taleb on the limitations of statistics in guiding decision-making • Vilayanur Ramachandran on the scientific underpinnings of human nature • Simon Baron-Cohen on the startling effects of testosterone on the brain • Daniel C. Dennett on decoding the architecture of the "normal" human mind • Sarah-Jayne Blakemore on mental disorders and the crucial developmental phase of adolescence • Jonathan Haidt, Sam Harris, and Roy Baumeister on the science of morality, ethics, and the emerging synthesis of evolutionary and biological thinking • Gerd Gigerenzer on rationality and what informs our choices.
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    ذاكرة الكتب وحدها تنجو من الحرائق

    عقل العويط

    بعد الحرائق، ربما لن يبقى في بلادنا الشيء الكثير مما يُعتدّ به. وحدها مدن الكتب قد تُكتَب لها النجاة. ليس لأنها لا تحترق. بل لأن حريقها يضمّد جمراً من شأنه أن يأوي إلى مواقد العقول غير القابلة لتأجيج الغرائز. بعد الحرائق، قد تنطفئ كتبٌ كثيرة، لكن لا بدّ أن يطلع من حبرها المرمّد ضوءٌ يطفئ بجروحه، هذا الكثيف الكثيف من الظلام الكابوسي المقيت.

    روى لي صاحب مكتبة قديمة، كان يؤجّر الكتب للعائلات القارئة في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، في إحدى بلدات الشمال البحرية، أنه كلّما زاره أحدهم في دكّانه العتيق لاستئجار كتاب بهدف مطالعته، كان يشعر أن عمراً جديداً يضاف إلى أعماره المجمّعة كتاباً فوق كتاب، وصفحةً في ظلّ صفحة. وأنه، بدل أن يشعر بالشيخوخة من جرّاء تلك الأعمار، كان يزداد فتوّةً، ويمتلئ يقيناً بأن لا فناء قريباً له، بسبب أعماره المضافة، التي تنفض غبار الأيام عن جسمه المترهل، كأنها تجعله يولد من جديد.

    كان ذلك الرجل شخصاً غفلياً للغاية، مقيماً في التواضع البسيط، والمجهولية، بمعنى أنه لم يكن ذا شهرة اجتماعية مرموقة، إنما قيمته المكتبية كانت تضفي عليه جاذبيةً شعبية لا يملكها إلاّ قلائل من الناس، وتمنحه مكانةً لطالما كانت موضع احترام في تلك البلدة البحرية.

    كان كلٌّ من والدي ووالدتي يطلب منّي في صغري أن أذهب إليه لأستأجر الكتب، التي كانت تُقرأ مداورةً بين الأهل والأولاد جميعاً. لكأن الكتب تلك، كانت رغيفنا الكهنوتي العائلي الذي لا بدّ من تقاسمه والاشتراك في قربانه، باعتباره قدّاسنا السرّي.

    كنتُ كلّما زرت الدكّان، وأجلتُ عينيَّ في رفوفه المغبرة، وظلاله الملتبسة، التي تزيدها التباساً أضواء قناديل الكاز، وأطيافها الرجراجة، ازددتُ رغبةً في أن أصير كتاباً تلتهمه العيون، وتترك الأيدي بصماتها ومشاعرها وهواجسها على صفحاته الغامضة. وقد ترسّخ "إيماني" مع الأيام بأن الكتب هي وحدها التي تدلّ، وتخترع، وتفتح الحلم، أمام الذين تتوالد أحلامهم، وتتجوهر، على الصفحات المضمخة بالحبر.

    لا أزال أذكر أن روايات جرجي زيدان التاريخية، والروايات الروسية المترجمة، وكتب الرحّالة والمستكشفين الأجانب، إلى مؤلفات جبران وفؤاد سليمان وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وطه حسين وإحسان عبد القدوس، فضلاً عن روايات بيار روفايل الغرامية، كانت موضع تنازع بيننا في البيت، على نقيض ما هو عليه التنازع اليوم، حيث الكتب الصفراء والقيم والأفكار الصفراء، ومثيلاتها الجمّة في الإعلام المرئي والمسموع والافتراضي على السواء، هي التي تكاد تستأثر باهتمامات الرأي العام، فضلاً عن الناشئة وأهاليهم، معاً وفي آن واحد.

    عندما كان عليَّ أن أترك، صباح كلّ يوم، تلك البلدة البحرية لأتابع دراستي الثانوية في مدينتنا الشمالية الكبرى، رأيتني أكتشف هناك، تلك المكتبات المهيبة، التي كانت بيوتاً لأصحاب الأفكار المدينية والحداثية والعلمانية، ولروّادها من الشيوخ والفتية المتطلعين إلى ما كان يعتري العالم آنذاك، من أحلام تغييرية، لم تنته جميعها إلى الطرق المسدودة، كما هي تقريباً، أحلامنا، في هذه اللحظة التاريخية المتحشرجة.

    لم تكن مكتبات ذلك الزمان وقفاً على الأوساط المترفة، والشوارع والأحياء الأنيقة، بل كانت في جوهر الأمكنة، في صميمها الشعبي، وفي نسيجها المجتمعي العفوي الخلاّق. كنا نرتادها، حيث هي، وكانت فاعليتها فينا توازي فاعلية الهواء الذي يتسلل إلى الأرواح والضمائر والأفئدة، بدون كثير اجتهاد أو افتعال.
    في ما بعد، تعرّفتُ إلى مكتبات الهواء الطلق، في ساحة البرج، وأمام مبنى اللعازارية، في عشايا الحرب اللبنانية. كانت تلك، تجربتي الأولى مع الحرية في معناها الأعمق والأشمل، حرية اللغة، وحرية الجسد، وحرية الفضاء، وحرية الحرية.

    هناك اشتريتُ كتب محمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وأدونيس، وأعداد مجلة "شعر"، و"لبنان الشاعر" لصلاح لبكي، وسواها. هناك، في محيط ساحة البرج، كما في محيط شارع الحمراء، وخصوصاً في محيط منطقة الأونيسكو، وكلية التربية، انصنع كتّابٌ وكتبٌ ومكتبات، لا نزال نتقاسم أرغفتهم الساخنة. هذه تجربةٌ تحتاج وحدها إلى مرويات دؤوبة يجب توثيقها، ووضعها في تصرّف أبناء هذا الجيل، لعلّها تعطيهم فكرةً عن ثقافة بيروت ذلك الزمان، وعن طقوسها، وكتبها، ومقاهيها، ومناقشاتها، وفتيانها. ففي بيروت الحمراء، وفي غيرها من "الحصون" الثقافية المنيعة، في نواحي عاصمتنا، شرقاً وغرباً، وضواحي، تعرّفتُ إلى روح المكان الحقيقية، ولن أنسى أني اشتريتُ كتاباً لوديع سعادة من يده، "ليس للمساء أخوة"، حيث كان يقف على ذلك الرصيف البهيّ في الحمراء، فكان هو الكاتب، وهو الكتاب، وهو المكتبة.

    اليوم، إذا أراد أحدنا أن يبحث عن الممانعات الروحية والثقافية الحقيقية، فليس عليه سوى أن ينزل سلالم ملتبسة تفضي إلى أمكنة تحتية في شارع الحمراء، ومتفرعاته، كأنها البنى اللاواعية للمكان، أو كأنها ينابيع مضمرة تمنح المدينة بعض روائها واخضرارها في غمرة الباطون العقلي المسلّح الذي يستولي على أفكار ساستها، وزمرها الطائفية والميليشيوية، كما على سطحها وسديمها والأديم.

    لا لزوم للتعداد، ففي أكثر من موضع وتكّية، لا تزال عاصمتنا هي المكتبة. لن أخوض في التبجّح، فالوقت وقتُ ألمٍ مكابر، متواضع، ومتحفظ، وليس وقت ادعاء. لكنْ، ينبغي لنا، والحال هذه، أن نترك الواجهات قليلاً، وأن نتدروش، لنذهب إلى الأروقة والغرف الخلفية، والتتخيتات، والتكايا، وإلى أندرغراوند المدينة الثقافية، حيث لا سفلة ولا قتلة، ولا جلاّس للتآمر، بل ثمة الورّاقون، وعشّاق الغبار الأنيق، وثمة الكتب ورفوفها، وهواجسها، وهؤلاء شرف عاصمتنا، وسؤددها العظيم.

    أعرف، بالتواتر، مكتبةً تاريخية، عتيقة وحديثة، في وسط المتن الشمالي، يزورها، بانتظام، كبيرُ أخوتي وأخواتي، لتصفيف شَعره لدى صاحبها. فهذا الرجل، إلى كونه حلاّقاً، عارفٌ نهم، ومثقفٌ جائع إلى معرفة، لا يفوت رفوفه المكتبية ديوان شعر مرموق، ولا رواية ليوسف حبشي الأشقر بالطبع، ولا للروائيات والروائيين الجدد أو المخضرمين. في صالون الحلاقة، هناك، تُدار الأحاديث بين صاحب الصالون وبعض زوّاره من القرّاء والأدباء والأكاديميين، بينهم شقيقي، على الإصدارات الطازجة، والمعايير النقدية، وعلى الاتجاهات الأدبية الحديثة، إلى أسئلة تتعلق بما يمكن أن يكون قد فات صاحب الصالون – المكتبة من عناوين لم يُتِح لها الترويج الإعلامي أن تصل إلى رفوفه. وإذا خرجت الأحاديث على حدودها الأدبية، فإنما ليسأل صاحبنا عن سلّم القيم ومآلاته في هذا الزمن الصعب، وليقارن بين رجالات السياسة، الآن، وأولئك الرجالات من صنفٍ قيمي وأخلاقي ورؤيوي "منقرض" تقريباً، كريمون إده مثلاً. لا يفوت صاحب المكتبة أن يسأل مراراً وتكراراً عن أحوال الاختصاصات الجامعية الأدبية راهناً، وعما يمكن أن تؤول إليه الكتابة الخلاّقة على وقع التداخل بين العوالم الافتراضية والواقعية.

    حملني الفضول يوماً، على زيارة تلك المكتبة – الصالون، لا لتصفيف شعري، بل لأصافح ذلك الرجل "المنقرض" الذي بالكاد نجد له أمثلة نادرة في ثقافتنا المنجرفة إلى مصائرها المجهولة. لم أفاجأ بأسئلته التي تستفهم عن هذا الكتاب أو ذاك الديوان، بل فاجأني أنه يقرأ كثيراً، ويسطّر كثيراً، وأنه يعرف، بالتأويل والتحليل، عن أمثالي، وعن كتب أمثالي، ما قد لا يعرفه الواحد جيداً عن نفسه وأدبه.

    لم يُعطَ لي أن أعايش نماذج من مكتبات نواحي صيدا العتيقة، وجبل عامل، كما زحلة البقاع، وسواها المنثورة في الدساكر والقرى. إلاّ أن هذه المعايشة يعرفها كثرٌ غيري، وفي إمكانهم أن يسردوا وقائعها ومروياتها، ساعة يشاؤون. بل يجب أن يفعلوا ذلك، هنا، وحيث يرغبون. منابرنا كلّها يجب أن تكون للكتب والمكتبات، لا للغربان والقتلة.

    الحاضر يحترق. الحياة تحترق. وحدها ذاكرة الكتب ستنجو من الحرائق.

    النهار
    11 كانون الثاني​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    "جلجامش" في الثوب الجديد

    محمود الزيباوي


    صدرت عن "دار المحترف السعودي" ترجمة عربية جديدة من "ملحمة جلجامش" في كتاب فني جميل من مئة وثلاثين صفحة تزيّنه إحدى عشرة لوحة تشكيلية بريشة عمر صبير. تحمل هذه الترجمة توقيع الرئيس السابق لشركة أرامكو عبدالله صالح جمعه، وهي بتعريفه "قراءة خاصة" تتميّز في الدرجة الأولى ببلاغتها العربية، التي "تتجلّى في بهاء القرآن الكريم، وفي فصاحة الحديث النبوي الشريف، وفي ما بقي لنا من شعر وروايات أدبية"، على ما جاء في مقدّمة الكتاب.

    خرج جلجامش من ظلمة التاريخ السحيق إلى النور يوم بدأ هواة الآثار وقناصل الدول الأجنبية باستكشاف خرائب مدن شمال العراق القديم في منتصف القرن التاسع عشر. ظهرت ملحمة وادي الرافدين في صيغة شبه كاملة على مجموعة من الألواح حُفظت في دار كتب الملك الآشوري آشور بانيبال في القرن السابع قبل الميلاد، وتنبّه العالم إلى أهمية هذا الاكتشاف حين أعلن الباحث جورج سميث اكتشافه خبر الطوفان في محاضرة ألقاها في لندن عام 1872. جذب هذا الخبر أهل الخاصة كما جذب العامة، ودفع جريدة "ديلي تلغراف" ألى أن تهب جورج سميث مبلغ ألف جنيه من أجل مواصلة الحفر بين أطلال نينوى القديمة. واصل الباحث المهمّة التي عُهدت إليه، ونجح في العثور على نصوص أخرى تُكمل النصوص الأولى، وقدّم خلاصة استكشافاته في عام 1876، قبل وفاته وهو في السادسة والثلاثين من عمره.

    توالت الاكتشافات والبحوث منذ ذلك الحين، وتقدّمت مع ضبط طرقها العلمية وظهور طبقة جديدة من البحاثة تجيد قراءة الخط المسماري واللغات المدوّنة فيه. ظهرت نسخ أخرى من ملحمة جلجامش باللغة البابلية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وأعاد أهل الاختصاص قراءة هذا العمل الأدبي وتشريحه علمياً وأدبياً. عثر المنقّبون على أجزاء من الملحمة تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد في مدينة مجدو التوراتية، في فلسطين، وشهد هذا الاكتشاف لمعرفة العبرانيين بهذه النصوص بشكل علمي قاطع. تُرجمت نصوص الملحمة إلى الألمانية والفرنسية والانكليزية والجورجية والفلندية في النصف الأول من القرن العشرين، وتبعتها ترجمات أخرى إلى الانكليزية والروسية والدانماركية والهولندية والعبرية. افتتن العالم الغربي بملحمة العراق القديم، ووجد فيها أدلة كثيرة تربط بين حوادثه وما جاء في أسفار "العهد القديم"، وكان نص الطوفان أهمّ هذه الأدلة. برز جلجامش فجأة كأب أصلي لسلسلة من أبطال الميراث اليوناني الكلاسيكي، مثل هرقل وأخيل وأوديسيوس والإسكندر ذي القرنين. ورأى أكثر من باحث أن قصص بطولات هرقل مصدرها ملحمة جلجامش التي وصلت إلى بلاد الإغريق من طريق الفينيقيين.

    كان هرقل من أصل إلهي، وكان له صديق حميم يُدعى يولوس، وقد ابتلى بامرأة إلهة جلبت له الكوارث هي هيرا، وعُرف بقوّته الخارقة، فقتل الأسود وتغلب على الثيران السماوية، وقصد جزيرة الموت بحثاً عن عشبة الخلود السحرية.

    في المقابل، جعل الآلهة العظام صورة جلجامش "كاملة تامة"، "ثلثان منه إله وثلثه الآخر بشر"، وكان صديقه أنكيدو "مضاهياً له في قوة اللب والعزم". هو الذي حقدت عليه الإلهة عشتار. وهو الذي قتل الأسود ولبس جلودها، وقضى على الثور السماوي، وغاص في أعماق البحر في أرض الخلود بحثاً عن عشبة الخلود.

    من البابلية إلى العربية

    عاد جلجامش إلى العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، واحتل بسرعة مكاناً عالياً في الثقافة العربية المعاصرة. بدأ العلاّمة طه باقر بترجمة الملحمة بالتعاون مع زميله بشير فرنسيس، مستندا إلى ترجمة ألكسندر هيدل الإنكليزية، ثم شرع في ترجمة جديدة، مقارناً بين النصوص الأكدية الأصلية وما وصله من ترجمات عديدة، وأصدرها عام 1961، وسعى فيها إلى مقاربة الأصل البابلي في الدرجة الأولى، نظرا "إلى وشائج القربى بين اللغتين العربية والبابلية"، كما قال في مقدمة الكتاب. صدرت الطبعة الثانية من هذا العمل في العام 1971، وتضمنت العديد من التنقيحات والإضافات. واصل الباحث العراقي الكبير مقابلة الترجمة العربية بالأصل البابلي واجتهد "في تبديل بعض المفردات العربية بكلمات أخرى تطابق أو تضاهي الكلمات البابلية"، كما يقول، من دون أن يضحّي "كثيراً بالأسلوب العربي المستساغ". مثل الطبعة الأولى، لاقت الطبعة الثانية نجاحاً واسعاً دفع المسؤولين في وزارة الإعلام إلى إعادة طبعها، واغتنم المترجم الفرصة فأجرى "تنقيحات أخرى في الترجمة على ضوء ما استجدّ من دراسات الباحثين المتواصلة"، وأضاف إلى نصه تفسيرات وشروحاً جديدة. إلى جانب هذه الترجمة، ظهرت ملحمة جلجامش في صيغ عربية أخرى حملت توقيع أنيس فريحة وعبد الحق فاضل وسامي سعيد الأحمد، غير أن نص طه باقر بقي الأكثر انتشاراً إلى يومنا هذا.

    اعتمد طه باقر على آخر نصوص الملحمة القديمة، التي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، "وهو العهد الذي يرجع إليه القسم الأعظم من نصوصها، في الألواح الطينية التي عُثر عليها في دار كتب الملك آشور بانيبال". تتألف هذه المجموعة من اثني عشر لوحاً كلٌّ منها مقسّم ست خانات تضم نحو ثلاثمئة سطر، "باستثناء اللوح الأخير الذي يتضمن نصف هذا المقدار". اتّبع طه باقر في ترجتمه المنهج العلمي، ونقل النص كما ورد على كل لوح بحسب توزيعه على الخانات، مشيراً إلى الثغر والنواقص. في البدء، نتعرّف إلى جلجامش الحاكم الذي "فاق جميع الحكّام". "إنه ذو الهيئة البهية السامية/‏ إنه البطل، سليل أوروك، والثور النطاح/ إنه المقدم في الطليعة/ وهو كذلك في الخلف ليحمي إخوته وأقرانه". عمد هذا الحاكم إلى تسخير الناس في بناء سور ضخم حول مدينة أوروك العظيمة، وكان يدخل بالفتيات قبل أن يدخل بهن أزواجهن، فابتهل سكان مملكته للآلهة، طالبين منها أن تكفّ عنهم ظلمه، وسألتها أن تعطيها غريماً له يضاهيه "في قوة اللب والعزم"، حتى "تنال أوروك الراحة والسلام". هكذا خرج أنكيدو إلى النور، "يكسو جسمه الشعر الكث/ وشعر رأسه كشعر المرأة/ لا يعرف الناس ولا البلاد‏/ ومع الظباء يأكل العشب". وصل خبر أنكيدو إلى جلجامش من طريق صياد رآه وذُعر منه، فبعث بمومس كي "تسيطر عليه وتروّضه". "اسفرت البغي عن نهديها وكشفت عن عورتها"، فتمتع أنكيدو بمفاتنها، و"لم تحجم بل راودته وبعثت به الشوق"، و"نضت عنها ثيابها فوقع عليها/ وعلّمت الوحش الغر فن المرأة/ فانجذب إليها وتعلّق بها"، فولّت عنه الظباء هاربة، "وهربت من قربه وحوش الصحراء".

    "أضحى أنكيدو خائر القوى لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل"، وقادته المومس إلى أوروك حيث يعيش جلجامش "المتسلط على الناس كالثور الوحشي". قبل أن يلتقي الملك بغريمه، رأى في الحلم كوكباً يسقط من السماء، وحدّث أمه بما رآه، وقال: "أحببته وانحنيت عليه كما أنحني على امرأة/ ورفعته ووضعته عند قدميك/ فجعلته نظيراً لي".

    تلاقى البطلان في موضع سوق البلاد وتصارعا، وخرجا من هذه المصارعة صديقين حميمين لا يفترقان، وتوجها معا إلى غابة الأرز المسحورة، وفتكا معاً بالعفريت الذي يحرسها، مما أثار غضب آلهة الماء. ذاع صيت الملك بعد هذا الإنجاز، وهامت به الإلهة عشتار، فنادته وقالت له: "كن حبيبي الذي اخترت/‏ امنحني ثمرتك أتمتع بها/ ستكون أنت زوجي وأكون زوجك‏/ سأعدّ لك مركبة من حجر اللازورد والذهب/ عجلاتها من الذهب وقرونها من البرونز/ وستربط لجرّها شياطين الصاعقة بدلاً من البغال الضخمة". رفض أنكيدو هذا العرض وقال: "أنت! ما أنت إلا الموقد الذي تخمد ناره في البرد/ أنت كالباب الخلفي لا يصدّ ريحاً ولا عاصفة/ أنت قصر يتحطم في داخله الأبطال/ أنت فيل يمزق رحله/ أنت قبر يلوّث من يحمله". ثارت عشتار وطلبت من والدها أن ينتقم لها، فأرسل من السماء ثوراً مقدساً لهذا الغرض، ونجح جلجامش في الإجهاز على هذا الثور بعدما أمسك أنكيدو بقرنيه. حلّ غضب السماء على أنكيدو، ففارق الحياة بعد رؤيا تنذر بالشر. جسّ جلجامش قلبه فلم ينبض، فزأر "حوله كالأسد، وكاللبوءة التي اختطف منها أشبالها"، وراح يرووح ويجيء "أمام الفراش وهو ينظر إليه/ وينتف شعره ويرميه على الأرض".

    استولى هاجس الموت على الملك، فهام على وجهه في الصحراء وهو يقول: "إذا ما متّ أفلا يكون مصيري مثل أنكيدو؟/ لقد حل الحزن والأسى بجسمي/ خفت من الموت، وها أنا أهيم في البوادي". شرع جلجامش في البحث عن الخلود، وقاده هذا البحث إلى أوتنابشتم، الحكيم الذي نجا من الطوفان، وفي طريقه إليه التقى بإلهة الخمر التي نصحته بالتمتّع بالحياة فحسب، وقالت له: "إن الحياة التي تبغي لن تجد/ حينما خلقت الآلهة العظام البشر/ قدرت الموت على البشرية/ فليكن كرشك مملوءا على الدوام/ وكن فرحاً مبتهجاً مساء/ وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك/ وأرقص وألعب مساء نهار/ واجعل ثيابك نظيفة زاهية/ واغسل رأسك واستحمّ بالماء/ ودلّل الصغير الذي يمسك بيدك/ وافرح الزوجة التي بين أحضانك/ وهذا هو نصيب البشرية". أكمل الملك المفجوع مسيرته، وعبر بحر الأموات، وغاص في الأعماق، وعاد منها بعشبة الخلود، وفي طريق عودته، سرقت منه أفعى هذه النبتة خلسة، وتجدّد شبابها بنزع جلدها عنها. في الختام، وصل جلجامش إلى مملكته خالي اليدين، وتـأمل في أسوارها العظيمة، وأدرك في قرارة نفسه أن عملاً ضخماً كهذا البناء من شأنه أن يخلد اسمه.

    الثوب الجديد

    يستعيد عبد الله صالح جمعة اليوم هذه الملحمة في "قراءة خاصة" معتمداً على ترجمة انكليزية واحدة هي ترجمة نانسي ساندرس التي تعود إلى عام 1961، وهي بحسب طه باقر "ترجمة بتصرّف وتحليل"، وبحسب جمعة "محاولة من كاتبته لأن تقدّم قصّة جلجامش بسرد مطرد، فهي لم تترجم الرواية السومريّة على شكلها الأصلي المملوء بالثغرات جرّاء تكسّر الألواح التي كُتبت عليها الملحمة، بل استندت إلى ترجمات متعدّدة لألواح الملحمة من اللغات الانكليزية والألمانية والفرنسية. وهو نصّ نثري متّصل، لا يأبه بما لحق بالأصول من تشوّهات، وهو يقدّم للقارئ، غير المتخصّص في علوم الآثار، نصّاً يستطيع معه أن يقوّم الأفكار المطروحة في العمل الأدبي".

    في مقدمّة عمله، يقول المترجم: "لقد حاولت أن أضع النصّ الشعري في ثوب جديد، مستفيداً من غنى اللغة العربيّة، وجمالها. لم أتصرّف قي سياق النصّ، بل عرضته كما هو، على قدر ما قسم الله لي في معرفة بعمق الدلالات في اللغة العربية". يخرج النص المعروف بهذا الثوب الجديد، ويجد القارئ متعة جديدة في قراءة رواية ألفها بترجمة مغايرة.

    تمتاز قراءة المترجم الخاصة للملحمة بسلاستها وأناقتها، وهي بليغة من دون أن تكون متكلّفة، وليس فيها شيء من الصناعة المتحذلقة. تتجلّى هذه السلاسة في أشهر فقرات الرواية التي تأتي هنا في ثمانية أبواب. نقرأ في باب "قدوم أنكيدو" ولقائه بالمومس: "لم يعتر الغانية ما يعتري إناث البشر من خفر وتمنّع واستحياء. بل تأوّدت في مشيتها، واستقبلته بلهفة. ونضت عنها أثوابها. وشاقها شغفه بها. وسرّها أنها أثارت ذلك الإنسان المتوحّش، وحرّكت سواكنه، فأرته من فنونها ما لا عهد له به. ستة أيام وسبع ليال قضياها مضطجعين، ساكنين إلى بعضهما. فلا عجب، إذن، أن نسي إنكيدو براريه". ونقرأ في حديث جلجامش عن حلمه: "أماه! رأيت، فيما يرى النائم، أن روحي امتلأت طرباً وأنا أتجوّل تحت قبة السماء الزرقاء، يحيط بي من كل صوب، فتية من أوروك أقوياء الشكيمة.

    وإذا بنيزك، كأنّه قطعة من جسد آنو، يهوي من السماء"، "فتملّكني عشق لذلك النيزك يحاكي عشقي لامرأة". ونطالع في "رحلة الغابة" حديث الملك عن الموت: "يموت الناس في هذه المدينة بعد أن تكون مخافة الموت قد عصرت قلوبهم. تتخطفهم يد المنون، ويفنون بعد أن يكون الأسى واليأس قد غلفا نفوسهم. وكلّما أطللت من فوق أوروك، ورأيت جثثهم طافية على صفحة النهر، ساورتني هواجس توحي إليّ أنني سألقى المصير ذاته".

    في باب "البحث عن الخلود"، يأتي الحوار بين جلجامش وصانعة الخمر بصيغة تسبغ على النص المعروف نكهة جديدة. يقول الملك التائه: "أنا جدّ حزين على أخي الصغير، الذي أحببته أصفى ما يكون الحب. بكيته سبعة أيام بلياليها، حتى نخرت الديدان جسده. فمذ قضى أخي، وأنا أهاب الموت، وأهيم على وجهي في السهل والجبل. أبحث عن السلوان. والآن، يا فتاة الراح، ما دامت عيناي قد تكحّلتا بمرآك، فلا تجعليني أشهد وجه الموت، الذي ترتعد فرائصي من ذكره". تجيبه صانعة الخمر: "ما تظن يا جلجامش أنك تبالغ بعجلتك وبحثك؟ لا محيص أن تعلم أنّ حياة الخلد التي تنشدها ضرب من المحال. هل غاب عن إدراكك أن الآلهة، عندما خلقت البشر، جعلت الموت من نصيبهم، واحتفظت لنفسها بنعيم الخلود؟ أنعم، يا جلجامش، بالطيب من الطعام والشراب، ليلك ونهارك، نهارك وليلك. ارقص، وغنّ، وروّح عن خاطرك. ارفل في النفيس من الملبس، وتمتّع بالسباحة في المياه الرقراقة في الجداول اللعوبة، واهنأ بالفرح يُشرب فؤادك حين يمسك طفلك العرير يدك بحنان ودفء. متّع زوجك بحبّك وأن تحويها بين ذراعيك. كلّ هذا جُعل من نصيب البشر".

    تتجلّى هذا الذائقة الأدبية الشعرية العربية على امتداد مساحة النصّ، وتبرز في الكثير من "الحكم" التي تزخر بها الملحمة، ومنها: "كلّ ما نحقِّقه في هذه الدنيا من جليل الأعمال تذروه الرياح ويصبح هباءً منثورا". "منذ بدء الخليقة لم توجد الديمومة. ما أشبه الراقد بالميت. الرقاد صورة من صور الموت. ما الفرق بين السيّد وخادمه حين تتخطفهما يد القدر؟". "الشمس، دون غيرها، بعظمتها وجلالها، قادرة على أن تعبر الأوقيانوس. لا أحد سوى شمس استطاع العبور. فمركب الأوقيانوس صعب، وعبوره شاق، ومياهه لجّة هي الموت ذاته".

    كتب العديد من الشعراء أعمالاً من وحي جلجامش. ألّف نذير العظمة مسرحية بعنوان "أوروك تبحث عن كلكامش"، ونظم شاكر مطلق "معلقة كلكامش على أبواب أوروك"، وقدّم عبد الحق فاضل قبلهما الملحمة شعراً بتصرّف. سار عبد الله صالح جمعة على هذا المنوال، وإذا كان النص الذي انتهى إليه "لا يُعدّ تأليفا"، فهو "بالتأكيد أكثر من ترجمة"، كما أشار كميل حوّا في تصديره للكتاب، مضيفاً: "إنّه ضرب من الفعل الشعري إذا شئت!".

    النهار
    18 كانون الثاني 2014​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    ساعة الثأر

    عباس بيضون


    جاء في الأخبار أن شاعرين أوكرانيين، أحدهما شاعر نثر والثاني شاعر وزن، تجادلا واحتدم بينهما الجدال فعمد شاعر النثر إلى قتل شاعر الوزن. لولا أن الخبر روي على هذا النحو لكنا حسبنا ان شاعر الوزن فتك بشاعر النثر فهو صاحب ثأر وليس شاعر النثر كذلك. ليست هذه طرفة ولو أنها طرفة. فقد مرت محنٌ على هذه البلاد ولم نسمع أن شاعراً فتك بشاعر، ولو أن شيئاً كهذا حقيق بأن يجري لكان أدعى له أن يجري في بلادنا، فإن ما بين شعراء الوزن والنثر ثأر منذ ما يزيد عن ستين عاماً، ولم تهدأ له ثائرة منذ ذلك الحين. لا أعرف شيئاً عن اللغة الأوكرانية لتحظى وحدها بهذا الشرف، ولا أعرف شيئاً عن الشعر الأوكراني لأفهم كيف سُقي وحده بالدم المضيء، لم أسمع أن شاعر وزن عربياً أو شاعر نثر حسد الأوكرانيين على هذا السبق، ثم قلت إن الحروب المتوالية في بلادنا منذ سنين أغنتنا عن هذا الباب، وإن لدينا أسباباً أخرى للقتل والتقاتل غير الخلاف على الوزن والنثر، فلا بأس إذا سبقتنا بلاد أخرى إليه. غير أن الحكاية، وإن دلفت إلينا من بلاد أخرى، لا تزال مقلقة، فبعد اليوم لن يقابل شاعر وزن شاعر نثر إلا على حذر. بعد اليوم سينظر إلى الذي اقتلع رؤوس الأوزان والقوافي على أنه قابل لأن يقتلع رأسه. أما شاعر النثر، الذي لم يلحقه إلى الآن ندم على ما جنت يداه بعمود اللغة، فإنه يعرف أن الغل الذي في صدر شاعر الوزن كامن متأرث، وأن ساعة لا نعرف متى سيتفجر فيها هذا الحقد فلا يعي شاعر النثر إلا ويد الآخر تلوي رقبته وتنزع رأسه، وتسفح دمه على مذبح الشعر الذي أهين ودُنّس وتنجس.

    ما زلنا في الطرفة، فإذا كان الشاعر الأوكراني قد لوى رأس رفيقه وانتزعه فنحن لم نشهد سابقة لذلك في أي من الآداب والفنون، رغم أن أطواراً في بعضها كانت عاصفة ولم تسلم من الأيدي والاشتباكات والتلاسن والتضارب، ففي مسرحية هرناني لفيكتور هيجو ثارت موقعة بين الكلاسيكيين والرومانسيين فامتدت أيدي الرومانسيين إلى شعور الكلاسيكيين المستعارة وألقتها أرضاً. غير أن ذلك وقف عند هذا الحد فلم يغرس واحدٌ سكينه في قلب آخر، كما فعل شاعر النثر الأوكراني أخزاه الله. أما في بلادنا فلم تسلم قصيدة التفعيلة من أن يقال فيها إنها يد الاستعمار تلعب في ثقافتنا وديننا، وقيل يومئذ إن العمود بشطريه هو شرف الأمة وحصنها، وإنه إذا فُقد شطر فقد فقدنا معه عذرية لغتنا ومناعتها، قيل هنا في قصيدة التفعيلة وهي لا تزال على الوزن في القافية، فلن يقال في قصيدة النثر أقل من ذلك. سيقال فيها إنها كفرٌ وإنها مسٌ بالأقداس وإنها تخريبٌ مصمم محسوب في بلاد الاستعمار وإن أهلها والمشتركين فيها عملاء بالتأكيد. قيل هذا فيها وأكثر، أما أهلها فتصدوا بأكثر ما يكون التصدي. قالوا إنهم ورثة الشعر وإنهم أجدّ ما فيه وآخر ما وصل إليه من تطور وأكثر ما حازه من تقدم. قال شعراء الوزن أن ليس هذا شعراً في حال وسيقول أهل النثر أن هذا هو الشعر. لن يهتم أهل الوزن بأن في لغتهم نصوصاً وسطاً بين الشعر والنثر، ولن يهتم أهل الوزن بأن في أصل تسمية ما يكتبون ما يعود صراحة إلى النثر، وأن قصيدة النثر ليست قصيدة إلا في صلتها بالنثر، وأن المسألة ليست استبدالاً، فقصيدة النثر ليست بديلة من قصيدة الوزن، إنما هي نوع بين الشعر والنثر، إنما هي شعرية النثر بالدرجة الأولى. يمكننا عندئذ أن ننظر إلى قصيدة النثر كفن جديد يتوسط بين النثر وبين الشعر، عندئذ لا يخاف شعراء الوزن على الشعر فقصيدة النثر ليست بديلاً منه، وليست دعوة لإزاحته وتنحيته جانباً، وليست تطويراً له أو صورة متقدمة عنه.

    هذا ليس مشروعاً للحل وليس تسوية ولا مصالحة فقصيدة النثر منذ كانت كان هذا مبدؤها. إذا عمل روادها الأوائل على شيء فهو تمييزها عن الشعر الخالص. لا ننسى أن أحد روادها الأوائل كان بودلير، كبير شعراء الوزن في زمنه، الذي وازن «أزهار الشر» الموزون بـ «سأم باريس» المنثور، هكذا خرجت قصيدة النثر من رحم قصيدة الوزن وقبلها الشعراء الفرنسيون بدون أي معركة وراجت بدون عوائق. عمت الشعر الفرنسي تقريباً بدون أي نزاع، فقد فهم الجميع هناك أن المسألة ليست مسألة استبدال وأن قصيدة النثر هي بالدرجة الأولى قصيدة نثر. أي وسط بين الشعر والنثر.

    لم تكن الأمور مسهلة في لغات أخرى. لم تسدْ قصيدة النثر ولم تنتشر بدون تحفظات في اللغات الأخرى كما فعلت في اللغة الفرنسية، لقد بقيت نوعاً من أنواع وظلت في بعضها أقلوية وهامشية، أما في منطقتنا فقد دخلت أول ما دخلت إلى القصيدة الإيرانية وكانت علامة التجديد في الشعر الإيراني في اللغة العربية التي هي لغة مقدسة وفي فكر هو متواليه من المقدسات، كان على قصيدة النثر ان تواجه معركة ضارية. اللغة التي تقوم بحماية النص المقدس يُخشى أن يؤدي أي حراك فيها إلى إضعاف هذه الحماية وتوهينها، كانت المعركة حول الشعر الجاهلي من هذا الباب. ثمة إحساس بأن أي لعب بركائز اللغة والأدب سيؤديان إلى ترك النص المقدس مكشوفاً بلا حصانة. اللغة حاضنته وكي تبقى حاضنته عليها أن تبقى على محافظتها وأن تبقى لها أركانها الأولى وقواعدها. أيُ لعب بهذه الأركان والقواعد لن تبقى معه حاضنة فعلية. لذا يبدو أيُ حراك للغة العربية تهديداً للمقدس نفسه. قصيدة النثر تبعدنا عن الشعر الذي لا يزال مفتاحاً ضروريا لفهم النص المقدس. لغة مقدسة لحضانة نص مقدس وأيُ لعب من الداخل، أيُ تعديل وتجديد، مجازفة بهذا المقدس واعتداءٌ عليه، من هنا هذا الغليان الذي لا يزال ضد قصيدة النثر التي ينم وجودها وحده عن شجاعة فعلية. لقد تقبلت اللغة هذه القصيدة وتركتها تسود وتنتشر ولكن على حساب الشعر الذي صار أكثر فأكثر فناً أقلوياً. خرج هذا من مكانته ومقامه الأولي وتراجع ولا يزال يتراجع حتى صار في المؤخرة. لا نحتاج الآن إلى شاعر وزن يغرس سكينه في عنق شاعر نثر. من دون ذلك يجري ذبح القصيدة وتغييبها.

    السفير
    الجمعة 14 شياط 2014​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    حديثُ بياض ورياض

    محمود الزيباوي



    عُرف مخطوط "بياض ورياض" من خلال مجموعة المنمنمات البديعة التي تزينه، غير أن نصّه ظلّ سجين مكتبة الفاتيكان التي تحتفظ به. تخرج هذه القصة التراثية اليوم إلى النور في كتاب جميل صدر حديثا عن "دار الوراق"، بتحقيق رصين يحمل توقيع الباحث العراقي صباح جمال الدين.

    في العام 1962، وضع مؤرخ الفن ريتشارد ايتيغهاوسن كتابا عنوانه "الرسم العربي" تناول فيه تطوّر هذا الفن من الحقبة الأموية إلى بداية الحقبة المملوكية. في هذا الكتاب الذي بات اليوم من المراجع الكلاسيكية المعتمدة، أشار الكاتب إلى ندرة المخطوطات المزوّقة الخاصة بأدب الغزل، وقال إن هذا النوع يقتصر على أثرين فحسب. الاثر الأول صفحة من العصر الفاطمي تزيّنها منمنمة تمثّل قبرين تفصل بينهما شجرة، من محفوظات مكتبة فيينّا. أما الأثر الثاني، فمخطوط بخطّ مغربي جميل مكوّن من ثلاثين ورقة تزيّنه أربع عشرة منمنمة بديعة، وصلنا ناقصا من دون توقيع ولا تاريخ، وهو من محفوظات مكتبة الفاتيكان، ويُعرف باسم "حديث بياض ورياض". أثار هذا المخطوط انتباه العلاّمة جورجيو ليفي دي لافيدا في العام 1934، وجذب البحّاثة في مرحلة لاحقة، وعُرف بشكل واسع عندما ذكره ايتيغهاوسن في كتابه الذي صدر في خمس لغات عالمية. ضمّ هذا الكتاب ثلاث منمنمات من "بياض ورياض" نجدها اليوم في كثير من المطبوعات، غير أن الأثر الأدبي الذي شكّل أساسا لها بقي مجهولاً، ولم تتعرّف إليه إلا قلة نادرة من أهل الاختصاص العاملين على دراسة الأدب الغزلي في القرون الوسطى.

    تحت عنوان "بياض ورياض: قصة من التراث العربي"، يخرج هذا الأثر الأدبي اليوم من الظل إلى النور في كتاب من إصدارات دار "الوراق للنشر" تزيّنه مجموعة من منمنماته المميزة. يأتي النص الأصلي في تحقيق علمي متين من توقيع صباح جمال الدين يسمح للقارئ بالتعرّف إلى هذا النص الأدبي بشكل سليم. بداية النص مفقودة للأسف، ولم تصلنا إلى اليوم نسخة مخطوطة أخرى من المخطوط تسمح بالتعرّف إلى هذه المقدمة. في المقابل، تبدو النهاية مبتورة، والأرجح أنها كذلك مفقودة، كحال المقدمة. مؤلف هذا النص مجهول، ومصدره الأوّل كذلك غير معروف، وقد تضاربت الآراء في تحديد هويّته بشكل دقيق. يقول صباح جمال الدين في المقدّمة القصيرة التي وضعها للكتاب: "إنّ وجود نسخة واحدة من الكتاب ضاع منها تاريخ نسخها ومالكها جعل من الصعب تقدير الزمان والمكان الذي نسخت به القصة". كل ما يمكن الجزم به أن المخطوط أثر أندلسي انتقل من فرنسا إلى روما أيام شارل الخامس، ملك إسبانيا وأمبراطور الأمبراطورية الرومانية المقدسة في النصف الأول من القرن السادس عشر، وهو من نتاج القرن الثالث عشر كما يُستدل من أسلوب مجموعة المنمنمات التي تزيّنه.

    يروي هذا المخطوط قصة غرام بين ابن تاجر سوري وجارية في بيت أحد الأمراء، وتلعب دور الراوية في هذه القصة عجوز بابلية تقوم بدور الوسيط بين الحبيبين. يصعب تحديد المكان الذي تدور فيه الأحداث. أُنجز المخطوط في حلّة أندلسية، مما يوحي بأن أحداثه تجري في الأندلس أو في شمال أفريقيا، غير أننا نجد البطل في فصل من فصول الرواية مرمياً من لواعج الهيام على نهر الثرثار، وهو نهر في شمال العراق يذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، ويقول في تعريفه به: "واد عظيم بالجزيرة يمدُ إذا كثرت الأمطار فأما في الصيف فليس فيه إلا مناقع ومياه حامية وعيون قليلة ملحة، وهو في البرية بين سنجار وتكريت، كان في القديم منازل بكر بن وائل واختص بأكثره بنو تغلب منهم، وكان للعرب بنواحيه وقائع مشهورة، ولهم في ذكره أشعار كثيرة، رأيته أنا غير مرة، وتنصبّ إليه فضلات من مياه نهر الهرماس، وهو نهر نصّيبين، ويمرّ بالحضر مدينة الساطرون ثم يصبّ في دجلة أسفل تكريت، ويقال إن السُفُنَ كانت تجري فيه وكانت عليه قُرى كثيرة وعمارات". في موقع آخر، يذكر ياقوت مرة أخرى نهر الثرثار في حديثه عن الحضر حيث يقول: "كان نهراً عظيماً عليه قرى وجنانٌ، ومادته من الهرماس، نهر نصّيبين، وتصبّ فيه أودية كثيرة"، مما يعني أن النهر يقع في شمال العراق. في الخلاصة، يرى صباح جمال الدين أن اغلب الاحتمالات تشير إلى "أن حوادث القصة أو مؤلفها استوحى أو كتب القصة بالعراق، أو في مكان ما بالمشرق العربي، ثم كُتبت ثانية بشمال أفريقيا".

    الشوق والوجد

    عند مطالعة هذه القصة الأندلسية، يجد القارئ العادي نفسه وسط عالم أليف عرفه من خلال كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني. تبدو السهرة الأندلسية التي تجمع فيها العجوز البابلية بطلَي القصة، أشبه بسهرة سمر عباسية يُتلى فيها الشعر كأغنيات، والخمرة في هذه السهرة تمرّ بين العاشقين والعجوز والجواري "مرور الماء"، بحسب تعبير محقّق النصّ. يجمع النص بين النثر والشعر في وحدة متكاملة، بحيث يصعب الفصل بين الأسلوبين. أشخاص الرواية هم تباعاً: الحاجب، ثم ابنته الموكلة على حريم القصر وجواريه، ومعها العجوز البابلية، وهي كما أشرنا "راوية القصة والمحور الذي يدول حوله لقاء الحبيبة بحبيبته لموقعها من الحاجب وابنته". إلى العجوز، تحضر كوكبة من الجواري، منهن: كاعب وشمول وغيداء وعُقار ومُدام وطروب وسرور وهواء وعتاب ولعبة ولاعب. بطلا الرواية، بياض الجارية المتولهة، وعاشقها بياض "ابن التاجر السوري الذي أودعه أبوه لدى العجوز البابلية".

    تطلّ بياض"كالكوب الدري في ظلام الليل"، وتتبارى الجواري في إلقاء الشعر المغنّى. في البدء، تأخذ الجارية شمول العود وتسوّيه ثم تغنّي قصيدة مطلعها: "تعبّدني الهوى فبقيت صبّاً/ وخامرني فذاب القلب حبّاً". تأتي من بعدها "جارية صغيرة السنّ كأنّها الشّمس في أفق السّماء"، اسمها غيداء، وتغنّي بدورها: "واحسرتاه من الهوى وعذابه/ والصّبر بعزُب والحشى متثلّم". في المقام الثالث، تدخل الجارية عقار، وتغنّي: "ما كُنت أدري قبل هذا ما الهوى/ حتّى بُليت فصرت من أسراه". ثمّ تسترسل في الإنشاد، وتقول: "لا تعذلوني إنّني عبد الهوى/ والقلب ذو كمد بمن يهواه". ختام هذه الوصلة غناء يجمع بين سكرة الهوى وسكرة الخمرة، يتجلّى في أبيات تقول:

    "إن سكرت من الهوى والخمر لا/ أدري بها سكرا وإن هو اكثرا
    الخمر تسري في العروق وذو الهوى/ لم يجر مجرى الخمر مني إذا جرى
    الحب نار في الفؤاد وما له/ عنه محيد لا كخمر أسكرا
    السّكر يُقلع والهوى لا ينجلي/ والخمر زهو والغرام تفكّرا
    الخمر شاربها تريه لذاذة/ راح الهوى ما أن تُطاق تصبّرا

    لا تنتهي السهرة هنا. تغنّي الجارية مُدام: "ما لي عزاء ولا لي راحة/ حتّى ألاقي للقضاء حماما". وتغنّي من بعدها زميلتها طروب: "أسهم اللّحظ صدّعت كبدي/ بان صبري وقد وها جسدي". تدعو العجوز البابلية ضيفها بياض للغناءـ وتقول له: "كن يا سيدي عند ظنّي بك". ويغنّي العاشق الولهان: "لحرّ الهوى بين الضلوع لهيب/ وللشوق في أقصى الفؤاد دبيب". نتعرّف هنا إلى هوية بياض، وهو كما يقول لسائله: "أنا بياض من حسين بن محمد بن إدريس الخزاعي من مدينة دمشق من الشام، وكنت سافرت مع أبي إلى بلدكم هذا للتجارة، فرحل أبي وتركني على بعض المتاع، فكانت راحتي ونزهتي على شاطئ هذا النهر أسلّي فيه نفسي وتقرّ به عيني، حتى عرضت لي منذ أيام جارية في بعض الأشجار فما أتيت بعدها إلى هذا الموضع إلّا يومي هذا". يتحدّث بياض عن معشوقته رياض، ويقول في وصفها: "إنما يضيء القمر والنجوم من ضياء الشمس والشمس تضيء من ضيائها". تبوح رياض بحبها وتنشد: "فؤادي شكا عيني وعيني شكت له/ وكلّ له عبء من الشوق والوجد".

    مرة أخرى، يسأل السائل بياض عن حبيبته، ويقول له: "لا بد أن يصف اختنا رياض بما أمكن مع أنّها لا توصف على الحقيقية". ويجيب العاشق نثراً: وما عسى أصف، الحياء، أم البهاء، أم الجمال، أم الفضل، أم الكمال، أم السكينة، أم الوقار، أم الشمائل، أم اللحظ، أم البياض، أم التوريد، أم الصمت، أم القدّ، أم اللين، أم الجيد، أم الصدر، أم النهد، أم الكشح، أم الغنج، أم الحسن، أم الظرف، فأنا وحقّك حائر لا أدري على أيّ شيء أقدم في الوصف؟". وتردّ رياض شعراً: "بلاني وأبلاني وأسقم مقلتي/ حبيب أراه من قريب ولا يدنو". كلّ هذا، و"العود يخفق والكأس تدور". يبعد القدر بين بياض و"رياض التي تقصر الألسنة عن وصفها". يتيه العاشق ويقصد نهر الثرثار ويميل نحو مياهه، ثم يسقط "على وجهه مغشيا عليه". هو "غريب رماه الدّهر بالبين والنوى"، يتوق إلى حبيبته، ولا يجد سبيلا للوصال. تنقل الجواري الرسائل المتبادلة خلسة بين الحبيبين. تبكي رياض وتئن، وتقول ودموعها تسيل على خدّيها:

    أين حبي وأين أنسي وإلفي/ أين روحي وأين عيشي وحتفي
    أين من حبّه أذاب فؤادي/ ورماني بنار كرب ولهف
    قد براني الهوى وانحلّ جسمي/ وكساني ثياب سقم وضعف

    التشكيل العباسي

    يبدو النصّ الأندلسي عباسياً في أشعاره كما في تعابيره النثرية. وتتجلّى هذه القرابة بشكل واضح في المنمنمات التي ترافق فصول النصّ وتجسدها بلغة الرسم واللون. كما أشار ريتشارد ايتيغهاوسن في كتابه "الرسم العربي"، تنتمي هذه الرسوم إلى المدرسة التي اعتاد دارسو تاريخ الفن على تسميتها بمدرسة بغداد. أبرز ما يميّزها ابتعاد أتباعها عن مبدأ محاكاة الواقع المحسوس وإسقاطهم لما يُعرف بقواعد المنظور. ينأى المصوّر عن التقيد بالنسب الخارجية للعناصر المرئية ويجنح نحو التسطيح. يقوم تأليف الصورة على بعدين من أبعادها هما طولها وعرضها، أما البعد الثالث فشبه معدوم. لا عمق هنا ولا منظور أفقياً. يفكّك المصوّر العناصر ويعيد خلقها محوّلاً إياها إلى مفردات تشكيليّة ثابتة. المؤثرات عديدة لكنّ الخلاصة جديدة. هو أسلوب خاص في تصوير الطبيعة والأشخاص والأشياء يختلف عمّا ساد في الشرق الأقصى أو في العالم البيزنطي. يبرز هذا الأسلوب في ابتداعه منهجاً ثابتاً في تصوير المياه والصخور والأشجار كما في رسم الكائنات والمخلوقات المختلفة. كذلك، تظهر خصوصيّة هذه المدرسة في استحداث طريقة جديدة في تصوير المشاهد الداخليّة التي تتحوّل هنا إلى مشاهد خارجيّة تتحرّك أمام المشاهد بمعزل عن أيّ جدار يفصل بينها وبينه.

    أفق المنمنمة أشبه بخشبة المسرح. حركة الأبطال محدودة في أغلب الأحيان. تتميز الوجوه البيضوية بعيونها المشدودة الأطراف التي تعطيها طابعا آسيويا. يعتمد المصوّر على تصويرها بشكلها الجانيي والنصف الجانبي، أما الشكل المواجه فلا نجده إلا في ما ندر. السمات الفرديّة معدومة. يتمّيز الأشخاص بثيابهم المتعدّدة الأشكال والألوان. النزعة التشريحية التي شكّلت أساس الكلاسيكية الإغريقية مقصيّة تماماً. يتجرّد الجسد من مفاصله ويحتجب خلف كتلة الثياب المطرزة بالزخارف. تتحول ثنايا الأقمشة المعهودة إلى كتل بيضوية مرصوصة تهبها سمة فنية خاصة بها. تبتعد الهامات عن تصوير الانفعالات الجيّاشة والتعبيريّة الصارخة ويتخاطب أبطال المشهد بحركات محدّدة من الأيدي تتكرّر من مقامة إلى مقامة. تنصت الوجوه وتستمع وتراقب بصمت.

    يجنح الرسام في كلّ ما يصوّره إلى التجريد والتزويق. تتميّز الأشجار والنباتات بأغصانها المفتوحة على شكل مروحة. ترتفع الأبراج في الأفق بعيداً عن المنطق الطبيعي الواقعي. يتجلّى فن التزويق العباسي في رسم العقود والقبب والشرفات والحنايا والأعمدة، كما في تصوير عناصر الطبيعة المتعدّدة. يخرج المصوّر عن حدود النص المكتوب ليبني عالماً تشكيلياً صرفا تتجلّى صوره وتتجدّد من منمنمة إلى منمنمة.

    النهار
    15 آذار 2014

     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    حكاية عائشة بنت طلحة امرأة عصرها

    رامي زيدان




    كلّما عدت الى قراءة أخبار عائشة بنت طلحة (توفيت عام 110 هـ ودفنت في المدينة المنورة)، في كتب "الأغاني" للاصفهاني، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"سير أعلام النبلاء" لشمس الدين الذهبي، و"نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري، و"صحيح" البخاري، سحرتني بجمالها المتخيل وأغوتني بأخبارها "الاستثنائية" و"الصادمة" و"المشرقطة" و"السوقية" والاريستوقراطية. كانت إحدى "سيدات" عصرها، تقرأ الشعر وتتذوقه وترويه وتحبّه على لسان عمر بن أبي ربيعة، ولها مجلس أو "ندوة" أدبية يُدعى إليها الشعراء وسادة القوم، بل كانت المرأة النموذج التي تناكف زوجها وتعيش هوى رغبتها ومبتغاها، ولها طقوسها الخاصة وعالمها المغاير في الباه والرجال والجمال والحياة والدين، وربما كانت واحدة من عشرات كن يعشن على هذا النسق في الزمن الاسلامي، لكن التركيز عليها كان باعتبارها من التابعين والمقربين من اركان الصحابة.

    قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": "كانت عائشة أجمل نساء زمانها وأرأسهن، وحديثها مخرّج في الصحاح". وهي "امرأة جليلة" بحسب أبي زُرعة الدمشقي، وسليلة بيت كبير القدر في عصر النبوة، و"قد حباها الله جمالاً باهراً، كأنها هي إحدى حور الجنة في هذه الدنيا"، بحسب كتاب "نساء من عصر التابعين". أبوها طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، أحد كبار الصحابة ومن "العشرة الأوائل المبشرين بالجنة"، وأمّها أمّ كلثوم، بنت الخليفة أبي بكر الصديق، وكانت أشبه الناس بخالتها عائشة زوجة النبي وأحبّهم إليها وأطبعهم على علمها وأدبها، فقد تتلمذت عليها، وروت عنها الحديث النبوي.

    أسهب كتّاب السير الباحثون في التراث، في الحديث عن افتتان الرجال بجمال عائشة وقوة شخصيتها وتعابيرها. وعلى رغم أنها لم تنجب إلا ولداً واحداً طوال حياتها، وكان ذلك ينتقص من قدر المرأة وقيمتها في المجتمعات العربية والإسلامية، كانت لا تُرَدّ لها كلمة، بل ان جمالها كان سلطة إضافية الى سلطة سلالتها باعتبارها من التابعين أو المقربين من الصحابة والأولياء.

    وجه بلا ستر

    النقطة البارزة التي تستوقف الباحثين والرواة و"المندهشين" بأمور التراث، أن عائشة على رغم أنها من سلالة التابعين ولا تستر وجهها على أحد، تردّ ذلك الى جمالها وحسنها وليس الى التعبد والإيمان. يروي ابن إسحاق عن أبيه: دخلت على عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وكانت تجلس وتأذن كما يأذن الرجل. وقال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك فينظروا إلى حسنك! قالت: أفلا قلت لي فألبس حسن ثيابي.

    يروي الأصفهاني: "كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد، فعاتبها مصعب (ابن الزبير زوجها) فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفون فضلي عليهم، فما كنت أستره، والله ما فيَّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد". لا يجرؤ على نقل مثل هذه الصورة الحدث إلا أديب تحرّر من قيود المجتمع بعض الشيء، بحيث لا يعدّ سفور الوجه مثلبة على السافرة. غضّ بعض المؤرخين النظر عن مثل هذه الرواية، التي تؤشر إلى تقدّم الماضي على الحاضر. وتفصح عائشة عن ثقتها بنفسها حين ردّت على نظر شخص يدعى ابن أبي الذئب وهي تطوف حول الكعبة بالقول:

    مِنَ اللاء لم يحججنَّ يبغينَ حسبةً/ ولكن ليقتلنَّ البريء المغفلا

    يبدو عدم تستر وجه عائشة عابراً ونافلاً، مقارنةً بشخصيتها وزيجاتها وعلاقتها بأزواجها وتفاصيل تلك العلاقات التي كانت تروى على الملأ كأنها عبرة لمن اعتبر. حكي أن مصعب بن الزبير (زوج عائشة الثاني) لما عزم على زواج عائشة جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وسعيد بن العاص إلى عزة الميلاء، وكانت عزة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء، فقالوا لها خطبنا فأنظري لنا. فقالت لمصعب من خطبت؟ قال عائشة بنت طلحة. فقالت يا جارية هاتي خفّيَّ فلبستهما وخرجت ومعها خادمها فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت فديتك كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش فذكروا جمال النساء وخلقهن فلم أدر كيف أصفك، فألقي ثيابك ففعلتْ (أي خلعت عائشة ثيابها) فأقبلت وأدبرت فارتجّ كل شيء منها فقالت لها عزة خذي ثوبك. ثم أتت القوم في السقيفة فقالوا ما صنعتِ فقالت يا بن أبي عبد الله أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة محطوطة المتنين عظيمة العجيزة ممتلئة الترائب نقية الثغر وصفحة الوجه فرعاء الشعر ممتلئة الصدر خميصة البطن ذات عكن ضخمة السرة مسرولة الساق يرتج ما أعلاها، وفيها عيبان، أما أحدهما فيواريه الخمار، وأما الآخر فيواريه الخف؛ عِظم القدم والأذن.

    وعن اثيلة بنت المغيرة قالت: زرت مع مولاتي خالتها عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ شابة فرأيت عجيزتها من خلفها وهى جالسة كأنها غيرها (دليل على كبر مؤخرتها) فوضعت إصبعي عليها لكي اعرف ما هي فلما أحست بإصبعي ضحكت وقالت ما اكثر من يعجب مما عجبت منه.
    تزوجها مصعب بن الزبير فأمهرها خمسمئة ألف درهم وأهدى إليها مثل ذلك، ولكن هذا لم يجعلها تستسلم له في الفراش. ومن مظاهر كرهها لمصعب انها كانت تتركه كثيرا وتعود اليه لكنها كانت تمتنع عليه في غالب الأوقات (يعني في الفراش)، فقد دخل عليها يوماً وهي نائمة ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ونثر اللؤلؤ في حجرها فقالت: نومتي كانت أحب اليّ من هذا اللؤلؤ.

    وينقل الباحث وضاح شرارة في مقالة لافتة في دورية "باحثات" بعنوان "ذوات الفروج يركبن السروج/ قوة شهوات الناس": لما قتل مصعب ارسل اليها عمر بن عبدالله بن معمر التيمي القرشي جارية وقال لها (للجارية): قولي لإبنة عمي: يقرئك السلام ابن عمك يقول لك: أنا خير من هذا المبسور (السريع الإنزال)، وأنا ابن عمك وأحقّ بك، وإن تزوجتك ملأت بيتك خيراً. وسرعان ما تزوجته.

    تحكي خادمة عائشة بنت طلحة قصة زواج سيدتها من عمر بن عبد الله وتصف تلك الليلة. جاءت بالطعام لعمر بن عبد الله فأكل حتى افرغ الإناء وتوضأ وصلّى حتى ضاق صدري ونمت ثم أدخلته وأسبلت الستر عليهما (أي على عائشة بنت طلحة وزوجها) فعددت له بقية الليل على قلتها سبع عشرة مرة دخل فيها المتوضأ (أي نكح عائشة 17 مرة) فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال أتقولين شيئا؟ قلت نعم! والله ما رأيت مثلك أكلت أكل سبعة وصليت صلاة سبعة و... نكاح سبعة (كتاب الأغاني لأبي الفرج، باب أخبار عائشة بنت طلحة ونسبها).

    قالت امرأة كوفية دخلت على عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقيل هي مع زوجها في القيطون فسمعت زفيرا ونخيرا لم يسمع قط مثله ثم خرجت وجبينها يتفصد عرقا فقلت لها ما أظن أن حرة تفعل مثل هذا؟ فقالت إن الخيل العتاق لا تشرب الا بالصفير (يعني كما تشرب الخيل عندما يصفرون لها هكذا الرجل ينكح عندما تشخر وتنخر له)!

    عاشت عائشة مع زوجها عمر ثماني سنوات ومع ذلك كانت لا تتورع عن إثارة غيرته ايضا، فتذكر له مصعب: "وكانت كثيرا ما تصف لعمر بن عبيدالله مصعبا وجماله، تغيظه بذلك، فيكاد يموت". ولما توفي فحزنت عليه وندبته قائمة ولم تندب أحداً من أزواجها إلا جالسة (رغم ان هناك من يدعي ان الندب حرام) فقيل لها في ذلك، فقالت: إنه كان أكرمهم عليّ وأمسهم رحماً وأردت ألا أتزوج بعده.

    كان الصحابة يتراكضون في طلبها للزواج، ولم يكن أحد يهتم في كونها مطلّقة كما هي الحال اليوم. ولعل رفض عائشة بنت طلحة تسليم دفة القيادة للزوج ومعاندته، يعتبر أيضا خروجاً على معايير الأنوثة والتقاليد والأعراف. في هذا السياق نقرأ الرواية الآتية: اخبرنا عبد الله بن مالك قال اخبرنا أبو مسلم الحرّاني قال حدثت عن عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير عن مجالد عن الشعبي قال: دخلت على مصعب بن الزبير فقال لي: يا شعبي ارفع هذا الستر فرفعته فإذا عائشة بنت طلحة فقال: كيف ترى؟ فقلت: ما كنت أظنّ أن في أهل الأرض من يشبه هذه. فقال: أما إني ما تهنأت بالعيش معها ولا انتفعت به حتى، لأني رجل مذكر أريد أن يكون الأمر لي، وهي مذكرة تريد أن يكون الأمر لها. فلا أنا أتابعها، ولا هي تتابعني. والرواية هذه تعكس إلى حد كبير حقيقة الأجواء آنذاك. حتى استقبال الوفود في صالونها كان مُحببا لمجتمعها وموضع إعجاب وتقدير إلا أنها تُعتبر أيضا ممارسة ذكورية، فالرجل تقليديا هو الذي يجتمع بالرجال في مجلسه. وهذا واضح بتشبيه مجلسها بمجلس الرجال في كتب التراث حيث يقولون: "وكانت تجلس للناس وتأذن لهم في مجلسها كما يأذن الرجل". والغالب أن نسب عائشة الرفيع وتربية خالتها وقوة شخصيتها وعلمها وثراءها وزواجها من رجالات السياسة، عوامل أتاحت لها لعب هذه الأدوار الذكورية أو المحصورة عادة بالرجال.

    لم تكن عائشة بنت طلحة مجرد امرأة جميلة فحسب بل كانت حافظة للقرآن فقيهة، يتحدث الناس عن فضلها وأدبها، فقد كانت ذات دراية بأخبار العرب وأشعارهم وآدابهم. وكانت لها علاقات أدبية ومراسلات ومكاتبات مع الأدباء الشبان والشيوخ. لا توضح لنا كتب الأدب هذا الجانب من حياتها، وهي للأسف كتب قليلة إذ ان الجانب الديني طغى على اهتمام الموثقين، بعكس ما نجده عن توثيق نشاطها الديني في بعض كتب الحديث وتراجم الرواة من نصوص نقلت لنا شيئا من كلامها هي عن هذا الجانب من حياتها. ففي كتاب "الأدب المفرد" للإمام البخاري يقول ما نصّه: "باب الكتابة إلى النساء وجوابهنّ عن عائشة بنت طلحة قالت: قلتُ لعائشة ــ وأنا في حِجْرها ــ وكان الناس يأتونها من كل مِصر، فكان الشيوخ ينتابوني [أي يقصدونني مرة بعد اخرى] لمكاني منها، وكان الشباب يتأخَّوني [أي يتحرّونني ويقصدونني] فيهدون إليَّ ويكتبون إليَّ من الأمصار. فأقول لعائشة: يا خالة، هذا كتاب فلان وهديته، فتقول لي عائشة: أي بُنيَّة، فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندكِ ثواب أعطيتكِ، قالت فتعطيني" (صحيح الأدب المفرد، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني).

    لعائشة محاورات مشهورة مع شعراء عصرها، موجود بعضها في كتابي "الأغاني" و"العقد الفريد". ولم يكن الشاعر يجد حرجاً ان يعلن لها عن اقواله ومشاعره وإعجابه في وسط مجتمع بدوي (مع أن الكثير من النساء منعن من زواج شاعر تشبب بهن)، ففي إحدى القصص بين عائشة بنت طلحة وعمر بن أبي ربيعة نجد أن اعتراضها على كلامه لم يتجاوز وصفه بالفاسق، إذا انها وافقت على سماعه، حيث يذكر الاصفهاني ان عمر لقي عائشة بمكة وهي تسير على بغلة لها، فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك، قالت: أوقد قلت يا فاسق؟ قال: نعم، فوقفت فأنشدها:

    يا ربةَ البغلةِ الشهباءِ، هلْ لكمُ
    أن ترحمي عمراً، لا ترهقي حرجا
    قالت: بدائكَ متْ أو عشْ تعالجه،
    فَمَا نَرَى لَكَ، فيما عِنْدَنا، فَرَجَا
    قد كنتَ حملتني غيظاً أعالجه، فَإنْ تُقِدْني فَقَدْ عَنَّيْتَني حِجَجَا (الأغاني)

    التهمة

    لا شك ان عائشة بنت طلحة كانت بين مجموعة نيران، هناك نار المبالغة الثقافية الحديثة في النظر الى حياتها الشخصية وغرامياتها وتحررها، وهناك نار مبالغة بعض الكتب الشيعية في شتم عائشة بنت طلحة على جريرة شتم خالتها عائشة زوجة نبي الاسلام، وهناك مبالغة من بعض الأصوليين في الدفاع عنها باعتبار انها من "التابعين" ولا يمكن أن تكون على هذه الصورة، ولا يصدق كثيرون الصورة التي رسمت لعائشة بنت طلحة في "أغاني" الاصفهاني والكتب الأخرى، فينشر صاحب منتدى "مكافحة الشبهات" محوراً بعنوان "عائشة بنت طلحة، المؤمنة المُفْتَرَى عليها"، يقول فيه ادَّعَى أحد الرافضة على أحد المنتديات الرَّافضيَّة أن عائشة بنت طلحة كانت امرأة سافرة بل وتشجع على ذلك، وتناقل النصارى الموضوع على منتدياتهم كما هي عادتهم في تشويه كل ما هو إسلامي، ويغرق صاحب المنتدى في الاتهامات فيقول ان ابا الفرج الاصفهاني "فاسق ماجن كذاب دجال، ومشهورٌ أمرُه بين العلماء بانحرافه وزيغه وضلاله ومجونه، ومن يقرأ في كتابه الأغاني لا يرى إلا الضلال والفجور والكذب على عباد الله الصالحين". وحتى يسند اتهاماته يستشهد بالإمام ابن الجوزي القائل عن الاصفهاني: "كان يتشيع، وَمِثْلُهُ لا يُوثَقُ بروايته، يُصرِّح في كتُبِهِ بمـا يُوجِبُ عليه الْفِسْقَ، ويُهوِّنُ شُرْبَ الخمر، وربما حَكَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، ومَنْ تأمَّلَ كتابَ الأغاني رأى كُلَّ قبيحٍ ومُنْكَرٍ"، ويستتبع ذلك بالاستشهاد بالإمام الخطيب البغدادي: "قال أبو محمد الحسن بن الحسين النوبختي: كان أبو الفرج الأصفهاني أَكْذَبَ الناس، كان يدخل سوق الوَرَّاقِينَ وهي عامرة والدكاكين مملوءة بالكتب فيشتري شيئاً كثيراً من الصحف ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياتُه كُلها منها".

    تنتشر عبر الانترنت سلسلة فتاوى حول مدى صحة رواية عائشة بنت طحلة وعلاقتها بالسفور والجمال والغرام، وغالباً ما يكون الرد على هذه الرواية في الهجوم على الأصفهاني واتهام كتابه بأن فيه "من الطامات والخزعبلات، ما يوهّن التقوى في القلوب ويشجع على الهبوط والإسفاف والرذيلة، وقد طالت سهامه المسمومة الكثير من أهل الفضل والشرف والرفعة والحسب، فنسب إليهم ما لا يجوز نسبته إلا لأهل المجون والانحلال".

    النهار
    15 آذار 2014​
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    Dostoevsky ~ Biography and Reflections.

    [VBTUBE]WG1v6u7q3Sk[/VBTUBE]


    [VBTUBE]yQRafwP2ET4[/VBTUBE]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    Irwin Weil on Dostoevsky

    [VBTUBE]ayh-ehvFVfU[/VBTUBE]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    The Grand Inquisitor ~ John Gielgud

    A rare version 1975 of The Grand Inquisitor from Dostoevsky's The Brothers Karamazov produced by the Open University.

    [VBTUBE]om6HcUUa8DI[/VBTUBE]
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    "The reader becomes the book, and the book becomes the reader."
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter

    Armée d’un magnétophone et d’un stylo, Svetlana Alexievitch, avec une acuité, une attention et une fidélité uniques, s’acharne à garder vivante la mémoire de cette tragédie qu’a été l’urss, à raconter la petite histoire d’une grande utopie. “Le communisme avait un projet insensé : transformer l’homme «ancien», le vieil Adam. Et cela a marché… En soixantedix ans et quelques, on a créé dans le laboratoire du marxisme-léninisme un type d’homme particulier, l’Homo sovieticus.” C’est lui qu’elle a étudié depuis son premier livre, publié en 1985, cet homme rouge condamné à disparaître avec l’implosion de l’Union soviétique qui ne fut suivie d’aucun procès de Nuremberg malgré les millions de morts du régime.

    Dans ce magnifique requiem, l’auteur de La Supplication réinvente une forme littéraire polyphonique singulière, qui fait résonner les voix de centaines de témoins brisés. Des humiliés et des offensés, des gens bien, d’autres moins bien, des mères déportées avec leurs enfants, des staliniens impénitents malgré le Goulag, des enthousiastes de la perestroïka ahuris devant le capitalisme triomphant et, aujourd’hui, des citoyens résistant à l’instauration de nouvelles dictatures…

    Sa méthode : “Je pose des questions non sur le socialisme, mais sur l’amour, la jalousie, l’enfance, la vieillesse. Sur la musique, les danses, les coupes de cheveux. Sur les milliers de détails d’une vie qui a disparu. C’est la seule façon d’insérer la catastrophe dans un cadre familier et d’essayer de raconter quelque chose. De deviner quelque chose... L’histoire ne s’intéresse qu’aux faits, les émotions, elles, restent toujours en marge. Ce n’est pas l’usage de les laisser entrer dans l’histoire. Moi, je regarde le monde avec les yeux d’une littéraire et non d’une historienne.”

    À la fin subsiste cette interrogation lancinante : pourquoi un tel malheur ? Le malheur russe ? Impossible de se départir de cette impression que ce pays a été “l’enfer d’une autre planète”.

    Actes Sud
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter
    "He was then sworn in as Genghis Khan."



    Genghis Khan was by far the greatest conqueror the world has ever known, whose empire stretched from the Pacific Ocean to central Europe, including all of China, the Middle East and Russia. So how did an illiterate nomad rise to such colossal power, eclipsing Alexander the Great, Julius Caesar and Napoleon? Credited by some with paving the way for the Renaissance, condemned by others for being the most heinous murderer in history, who was Genghis Khan?

    His actual name was Temujin, and the story of his success is that of the Mongol people: a loose collection of fractious tribes who tended livestock, considered bathing taboo and possessed an unparallelled genius for horseback warfare. United under Genghis, a strategist of astonishing cunning and versatility, they could dominate any sedentary society they chose.

    Combining fast-paced accounts of battles with rich cultural background and the latest scholarship, Frank McLynn brings vividly to life the strange world of the Mongols, describes Temujin’s rise from boyhood outcast to become Genghis Khan, and provides the most accurate and absorbing account yet of one of the most powerful men ever to have lived.

    Source
     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter

    Carlo Ancelotti is one of the greatest managers of all time, with five Champions League titles to his name. Yet his approach could not be further from the aggressive theatricals favoured by many of his rivals. His understated style has earned him the fierce loyalty of players like David Beckham, Zlatan Ibrahimovic and Cristiano Ronaldo.

    In Quiet Leadership, Ancelotti reveals the full, riveting story of his managerial career - his methods, mentors, mistakes and triumphs - and takes us inside the dressing room to trace the characters, challenges and decisions that have shaped him. The result is both a scintillating memoir and a rare insight into the business of leadership.


     
    Picasso

    Picasso

    Legendary Member
    Orange Room Supporter

    At once a fiendishly devious mystery, a beguiling love story, and a brilliant symposium on the power of art, My Name Is Red is a transporting tale set amid the splendor and religious intrigue of sixteenth-century Istanbul, from one of the most prominent contemporary Turkish writers.

    The Sultan has commissioned a cadre of the most acclaimed artists in the land to create a great book celebrating the glories of his realm. Their task: to illuminate the work in the European style. But because figurative art can be deemed an affront to Islam, this commission is a dangerous proposition indeed. The ruling elite therefore mustn’t know the full scope or nature of the project, and panic erupts when one of the chosen miniaturists disappears. The only clue to the mystery–or crime? –lies in the half-finished illuminations themselves. Part fantasy and part philosophical puzzle, My Name is Red is a kaleidoscopic journey to the intersection of art, religion, love, sex and power.
     
    Top